(1)

من سنن الله في خلقه أنه ما من أحد يقول فيكثر إلا ويختبر الله قوله على رؤوس الأشهاد، وما من عبد يخرج على الناس بدعوى إلا ويبتليه الله في دعواه، أيصدق فيها أم لا، «أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ»، «وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ»، والناس في ذلك على ثلاثة دروب رئيسية، إما صادق أخذ دعواه بقوة، أو ضعيف العزم اختل فعله عن قوله، وكان مصداقًا لمقولة (وقت الشدائد تنفك العزائم)، وإما منافق راءى الناس بالباطل فأبى الله إلا أن يكشف حقيقة أمره ومكنون قلبه.

(2)

وقد تعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في وصف الأصناف الثلاثة وأحوالهم ودخائلهم، فمن ذلك قول الحق تعالى في الصنف الأول:

«مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا».

«وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا».

«وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ».

«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ».

ومنه قول رسول الله في الصحابي الذي أسلم حديثًا ثم طلب الشهادة فاستشهد كيف قال، فقال عنه الرسول «صدق الله فصدقه»، ثم كفنه في جبته الشريفة وصلى عليه.

ومنه قول الرسول للأنصار «يا معشر الأنصار، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ وَلَصُدِّقْتُمْ؛ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلا فَآسَيْنَاكَ… وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ».

ومنه قول سعد بن معاذ «فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ صُدْقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ».

(3)

وفي الصنف الثاني الضعيف، عريض القول وقت السلم خوار العزيمة وقت الجد

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ».

«وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ».

(4)

وفي الصنف الثالث – عياذًا بالله – يقول الحق تعالى:

«فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ».

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ».

«أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ».

«وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ».

ويقول الرسول «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».

(5)

وقد من الله علينا في الفترة التي أعقبت 3 يوليو فرأينا الأصناف الثلاثة رأي العين، وصدق الله ورسوله، نزداد بها يقينًا واستبشارًا، وعلمًا وبصيرة.

(6)

رأينا الذين صدقوا، فأوذوا واضطهدوا وتعرضوا للمحن والافتراءات، فما زادهم إلا ثباتًا، يخرجون من محابسهم إلى محابسهم والابتسامة تعلو وجوههم، يصبِّرون بها الأهل والأنصار، ويردون بها شماتة الشامتين، يعلو الثبات محياهم وتنطق بها كلماتهم، وتتحقق بصائر ما يتوقعون، منهم خيرة رجالات مصر وخيرة شبابها من أطياف كثيرة.

(7)

رأينا الفتيات قبل الفتيان من خيرة زهرات مصر يتصدين للظلم، فمنهن من تقتل أو تصاب أو تسجن ظلمًا وعدوانًا بالشهور والسنين، ثم تظهر يشع النور من وجهها وكلماتها كأن لم يمسسها سوء في نفسها وأهلها.

 (8)

ورأينا الصنف الثاني، الذين كانت كلماتهم عريضة وشعاراتهم ملء الأرض والسماء، فإذا بالمحنة تأتي فيكونون فيها غير الذي كانوا يدعون، كانوا أسودًا في عهد الحريات فإذا هم وقت المحنة إما مسجل لموقف على استحياء أو على فترات متباعدة، ومنهم مكتفٍ (بالهمهمة) و(الطمطمة) و(البرطمة)، ومنهم صامت صمت القبور وكان قبلها كأنه لا يعرف السكوت إلا حال نومه.

(9)

ورأينا الصنف الثالث، وما الصنف الثالث… وما أدراك ما الصنف الثالث.

(10)

رأينا منهم من كان يتشنج إذا سمع أن أحدهم قتل في الاضطرابات، ويملأ الدنيا صراخًا وعويلًا وحسرة على (حرمة الدم) و(حقوق المواطن) و(الحريات)، فلما رأى المذابح كان إما مبتهجًا لها أو مؤيدًا طالما هي في خصومه.

(11)

ورأينا الذين ملؤوا الدنيا صراخًا مناداة للديمقراطية، فإذا بالله يختبرهم فإذا هم في أول صف التأييد والإشادة بأشد الإجراءات القمعية!

(12)

ورأينا الذين كانوا يكتبون عَشْر تويتات كل يوم في نقد القهر والقمع والاستبداد في عهد مرسي! فإذا بهم الآن يكتبون تويتة أو اثنتين كل سنة إذا مس القمع أحدًا من خاصة معارفهم، غير ذلك فهم في إجازة مفتوحة!

(13)

ورأينا الذين كانوا ينظِّرون عن الفشل في إدارة الأزمات، فأصبح الفشل في نظرهم الآن هو البديل الوحيد المتاح وبالتالي وجب الاصطفاف خلفه.

(14)

ورأينا الذين تحدثوا عن أخونة الدولة واختلقوا الأرقام غير الصحيحة ليثبتوها، فابتلاهم الله بعسكرة الدولة فإذا هم مؤيدون لا صامتون!

(15)

ومنهم من زايد وادعى أنه حارس الشريعة ونصوصها في الدستور وأطال النفس في مدح نفسه وما فعل والمن على خلق الله، فابتلاه الله فإذا هو مؤيد لحذفها وداعٍ للموافقة على ما حذف!

(16)

وهكذا سنة الله ماضية في خلقه، ما من قول إلا ويختبر قائله، فإذا هو نور له في الدنيا والآخرة أو حجة عليه في الدنيا والآخرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد