الإيمانُ بالله الواحدِ الخالقِ البارئ حقيقةٌ بديهيّة، عقليّةٌ ومنطقيّة، وليست بأيّ شكلٍ من الأشكالِ من حقائقِ التّفكير العويصة! قال تعالى: «وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ»!

ولمّا كانَ الإيمان فطرةً فهو محفورٌ في القلب، مركوزٌ في الطّبع، يستشعِرُ الإنسانُ أنّ خالقًا مبدعًا قد أوجد هذا البديعَ وخلقَ هذه النّواميس، لكنّ الإنسانَ وإن أحس بصوتِ الفطرةِ يصرخ في أعماق نفسِه معلنًا هذه الحقيقة، فهو خَصِمٌ، محبٌّ للجدَل، نفسه أمّارةٌ بالسّوء، والشّيطانُ لآدم على الصّراطِ قعيد، يزيغهُ عن السّبيل، ويشعِلُ التّساؤلاتِ في عقله، ويوقِظُ الشّكّ في قلبه، لذا كان السّؤالُ وسيلة الإنسانِ ليطمئن، ليُكسَرَ الشّكّ باليقين. لذا بعث الله للبشرِ الرّسَل، مبشّرين، منذرين ومعلِّمين، وزوّدهم بالعلمِ ليجيبوا وبالحكمةِ ليصبروا على السؤال ويحسنوا القول والرّد! فدعوا القومَ، وناقَشوهم، وناظروهم بالحجّةِ والبرهان، فقصّةُ الخليل مع النّمرودِ لا تخفى على أحد، وما حوارُ موسى مع فرعونَ إلّا إحدى القصص، والقرآنُ الكريم لمّا نزل فتحَ باب النّقاشِ على مصرعيْه، فكان يجيب على أسئلةِ الملحدين، والمشكرين، وأهلِ الكتاب والمسلمين!

وقد كان الخطابُ خطابًا عقليًا يذكي الفكر تارةً، وقلبيًا يلهبُ العواطف ويشعلُ الأحاسيس تارةً أخرى!

وقد عمِدَ القرآنُ كالسّابقين إلى استخدامِ الدّليلِ، فكانَ الخطابُ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ، ولجأ إلى تنويعِ الأدلّةِ حسْبَ المجادل، فلكلِّ داءٍ دواء، وسنتناولُ النّقاش القرآنيّ مع الملحدين.

لقد كان دليلُ الإبداع والعناية هما الغالبين في حوار النّبيّ محمّد مع الملحدينَ والمشركين من غيرِ أهلِ الكتاب.

فبدليل الإبداع لفتَ أنظارهم إلى الإبداعِ والإعجاز في العالمِ والكونِ المحيطِ بهم، أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ، وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ، وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ، بل إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها، أمِنَ البشر والعلماء بجلّ علومهم وتطورِ أدواتهم من هوقادر على أن يخلق ذبابة؟ بل أبإمكانهم أن يسترجعوا ما أخذَ منهم البعوض؟ «إنّ في ذلكَ لآيات لقومٍ يفقهون»!

وإن لم يزلِ الإنسان العلميّ في شكٍّ مريب، فليتفكّر في تعاقبِ اللّيلِ والنّهار، «لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ»، بل فليتفكّر في المخلوقات! في النحلة كيف تعلّمت أن تنتقيَ الزّهر حتّى تصنعَ العسل، في النّمل الّذي يحمل أضعافَ أضعافِ حجمه، والطّيرِ في السّماء والثّمر في البحر! فلينظر في الحقول والزّهر والثّمر، الحقول متجاورة، لكن تختلف محصولاتها كمًّا وكيفًا، والبذور متجانسة، لكن تتفاوتُ فروعها حموضة وحلاوة، يختلف اللّون والوزن في النّبات، واللّؤم والذّكاء والبلادة في الحيوان والإنسان!

وإن لم يشف تّأمّلُ السّموات والأرض وما فيهما غليله، ولم يطمئن قلبَهُ لآياتِ الكون الفسيح، ولم تسكنْ الأسئلةُ المتقافزةُ في رأسه فلينظرْ في نفسه، في جسدِه وخلاياه! إنّ إنشاءَ الحياةِ في أصغرِ خليّةٍ يتطلّبُ نظامًا بالغَ الإحكام! فأنفه يتعرّفُ على 10 آلافِ رائحة مختلفة، لسانه يتكلّم 6800 لغة، وجسمه يحتوي على 600 عضلة، وفيه 206 عظمة و100 مليون خليّة، وفي كلّ خليّة كتاب وراثيّ من 200 ألف صفحة، يختلف عن كتاب إنسانٍ آخر بـ3 مليون طريقة على الأقل!

بعد ضرب الأمثال الّتي تستثير الانتباه، وتحفّز أولي الألباب للتّفكّر لجأ القرآن لسوقِ دليلُ العناية، فكلّ ما في الكونِ محكومٌ بقوانين مضبوطة، أفادَ منها الإنسانُ في علومه وبناءِ حضارته، بل كلّما توغّلَ الإنسان في العلم وازدادَ بهِ رفعةً أيقنَ أنّ لهذا الإعجازِ موجد وصانع، وأبعدَ كلّ شبهةٍ توهم أنّه خلقَ من صدَف!

بل إنّ نشوءَ حياتِنا واستمراريّتُها يقومانِ على جملةٍ ضخمةٍ من السّننِ الدّقيقةِ المتقنة! دليلُ الإتقانِ أو العناية هذا يحكمُ العقلُ باستحالةِ وجودِ هذا الكونِ هكذا صدفةً!

بل إنّ العلمَ براءٌ ممّا يزعمُ الملاحدةُ الذين صمّوا آذانهم وأعموا أبصارهم وجحدوا بالحقيقةِ حتّى استيقنتها أنفسهم، وجادلوا مستندينَ على حججٍ واهيةٍ بلهاءَ نسفَتْ منطقهم العلميّ الاستنتاجيّ الذي يدعون، ذلكَ أنّهم قومٌ خصمون طاغون!

فكلّ العلوم، كلّ المقدمات، كلّ الطّرق تؤدي إلى الله، إنّ العقلَ الباحث بحقّ، المتتبّع للآثار، النّاظر بعيني إبراهيمَ الخليل، لابدّ له أن يصلَ بأدنى الحالات إلى وجود مسبب الأسباب، محدثِ الأحداث، خالق المخلوقات! وها هو أنتوني فلو – أبو الملاحدة في القرنِ الماضي – يصل إلى الله عبرَ رحلةٍ عقليةٍ علمية، إذ يقول لا شكّ أنّ ما كشفهُ العلمُ الحديثُ من معلومات هائلة في مجال قوانين الطّبيعة ونشأةِ الكون، وكذلك نشأةِ الحياة وتنوّعِ الكائناتِ الحيّة، قد أمدّ هذا البرهان – دليل الإتقان – بالكثير من الأدلّة التي أعانتني كثيرًا في الوصول إلى هذا الاستنتاجِ (يقصد وجود إله).

إنّ هذا الإتقان في السّموات والأرض والإنسان لا يمكنُ أن يكونَ وليدَ صدفة! أمعلّقاتُ العربِ مجموعة كلمات تجمّعت في لحظةٍ فارقةٍ فأوجدت قصيدةً صدفة؟ أهاتفنا صنعَ من ريحٍ تحملُ نفطًا ورملًا تجمّعت ثمّ أخرجها الزّمن هاتفًا؟ من ضبط سرعة الدّوران وبعد القمر عن الأرضِ وبعد الأرضِ عن الشّمس؟ من قدّر منازلَ القمر؟ وثبّتَ الكواكب في الفلك في مدارٍ ثابت لا تزيغ عنه حتّى ضمنت استمرار المجموعة إزاء ما لا يعدّ ولا يحصى من المخاطر المحتمل؟ من ثبّتَ ثابت الجاذبية الذي لو اختلف بمثقال حبة من خردل – لا بل أقل – لاستحال الوجود؟ إنّ في الكونُ دقّة تذهلُ الأبصار، قوانين ونواميسُ خيطتْ على مقاسِمِ آدمَ ولولاها ما كانت الحياة ولا كنّا!

ومع زحمة الوجود بالدّلائل المؤيّدةِ لعقيدةِ الألوهيّة، وانتصاب الشّواهدِ المتكاثرة في الآفاق ترشدُ النّاس إلى ربّ العالمين، يغدو الإلحاد تسفيهًا للنّفس، اسحتقارًا لملكة العقل، ومجرّد عنادٍ سمج لا يستند إلى ذرّة من المعرفة والتّفكير السّليم!

والاستبحار في العلوم والاتساع في المعارف الإيمانيّة لا يخدشُ قاعدة الإيمان! بل إنّ العقولَ السّليمة تتلاقى على الحقّ، وكلّما ازدادت بالعلمِ كان تلاقيها على الحقّ أيسر وأقرب!

فالمنصف، المحترمَ لعقله الذي فضّلهُ الله به عن سائرِ المخلوقات سيصلُ حتمًا بقلبه وعقله إلى وجود ربٍّ موجِد للموجودات، متقنٍ للصّنعة، فنّانٍ مبدعٍ كامل، إذًا لا شكّ أنّ العلومَ قد ساعدتنا على زيادة فهمِ وتقديرِ ظواهر الكون المعقّد، وهي بذلك تزيدُ معرفتنا بالله وإيماننا بوجوده فالكونُ بلغَ حدًّا من الإتقانِ والإحكام والانضباط والتّعقيد درجةً تجعل من المستحيل أن يكونَ ناتجًا عن مجموعة مصادفات! إنّ هذا الإحسانِ في الخلقِ وهذا التّقويم يحتاج منطقيًا وعلميًا إلى مدبّرٍ!

إنّ كلّ ما في الكونُ يصرُخُ باسمِ الله، ولكنّ الصّمّ لا يسمعون! وصدق الله لمّا قال: «أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ».

ختامًا إنّ إحالة الخلقِ إلى الصّدف ضربٌ من الدّجلِ والكذبِ العلميّ، يرفضه أولو الألباب، فالدّلائل على كونِ هذا الكونِ معجزة كثيرة، والآثارُ الموصلةُ إلى الله عديدة، وآياته تحيط بالإنسانِ من كلّ جانب، هذا الكونُ لم يخلق من عبث ولم تخرجه صدفة، هذا الكونُ بمعالمه ومجاهله، بظاهره وباطنه خيطَ على قياس آدم تمامًا وسُخِّرَ له ما فيه حتّى تكونَ البشرية وتكون الحياة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد