أكتُب هذه المقالة الآن في الوقتِ الذي يفصلنا فيه قُرابة الشهر فقط؛ لنحملَ لقب خريجين بدلًا من لقب طلبة، لنُلقَى في مُعترك حياة جديد غير الذي كنا به،ولنرى عالمًا واقعيًا،وعمليًا أكثر غير الذي كنا به طيلة فترة دراستنا الجامعية.

منذ خمس سنوات فائتة, كنا أنا وزملائى بالدفعة حديثي عهدٍ بالجامعة، نسألُ هنا وهناك، نقتربُ بحذر، نخشى على مستقبلنا منذُ أول وقع قدم لنا بالجامعة، كانت الجامعة عالمًا كبيرًا بالنسبة لنا نَتَلمسُ معالمه رويدًا رويدًا، وها نحن أنهينا ما كنا نخشاه،  وبالطبع اكتسبنا وأكسبنا غيرنا مهارات وخبرات.

وهذا الحديث على النفس ثقيل وعسير، إذْ إنك كانت لك حياة مخططة تسير وفق نظام معين تعرف ما لك وما عليك، أهدافك موضوعة بإطار منظم فالسياج الأساسي حولها هو دراستك وحياتك الجامعية،ويزيّن ذلك السياج أصدقاؤك ومرحك معهم وانطلاقك، ووقتك الخالي نوعًا ما، وصفاء ذهنك، وخطَتك وطموحاتك، وعملك الطلابي. وهذا السياج مرن في موضعه، فإن شئت تغير هدفك لأي سبب يتغير معك لأن خسائره أقل، وإن شئت أنت وضْع سياجك بنفسك فلا بأس؛ فأنت في أوج حماسك وانطلاقك وأنت بتجربة بسيطة لمعترك الحياة الحقيقي.

وهل تكون الحياة الحقيقة ما بعد الدراسة الجامعية مخيفة لهذه الدرجة؟! بالطبع لا، فإذا أعددت نفسك جيدًا واستخلصت ما استفدته طيلة دراستك، وحددت ماذا تريد من الغد وكيف تسعى له، وما طبيعة حاضرك، وهل ما زال ماضيك يئن عليك ويلومك مرارًا وتكرارًا على ما أضعته فيه من فرص. عندما تضع تلك الخطوط الأساسية الثلاثة سيتلاشى شبح الخوف من المواجهة،  وستحقق ما تريد، وستحفظ وقتك من الضياع، وستعيش الحياة بالمنهاج الذي أردته، وتؤدي رسالتك في الحياة؛ حتى عندما تخلد للموتة الكبرى تنامُ وأنت مطمئن.

إذا بدأنا بالماضي؛ من منا ليس له تجارب مُرهقة بالماضي؟! تجارب أزعجتك وخرجت منها بالفشل أو لوم النفس وعتابها، أو خسران ما خطط لاكتسابه. جميعنا يملك ذلك، ولكن كيف استفدت منه؟ هل جلبت ورقة وقلمًا وحددت لنفسك محاسنها وعيوبها وأخبرتها كيف تتصرف بالطريقة المثلى في المرة القادمة؟ يخبروننا دائمًا أن عدوك الأول نفسك، فالنفس دائمًا تركن إلى الأسهل والأقرب إليها دون النظر إلى اعتبارات أخرى، فحتى إن وضعت خططًا وأهدافًا ستجيء نفسك لتهدم كل ما أردته إن لم تروضها؛ فالنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم. والماضي ليس في الخبرات النفسية والاجتماعية فقط – برغم أهميته -؛ ولكن هل قيمت نفسك لمهاراتك وأدائك الدراسي، هل تحتاج إلى إثقاله وكيف، فالعالم سريع من حولنا ولا يعترف إلا لمن يعرف ويعلم ويؤدي. وتقييمك للماضي لابد أن تجريه على كافة المحاور، كل محور بحياتك؛ عائلتك، فكرك، دراستك،  صحتك، حتى تكون ضمنت التقييم الصحيح وأعطيت إشارة البدء للتفكير الهادئ بخطط الغد.

وإن جئنا للغد فهو بيد الله – سبحانه وتعالى – بالطبع، ومن الممكن أن يطرأ عليك أمور مغايرة كثيرة لم تظنها، وسيكون عليك وقتها التعامل معها فقط وتطويعها لما تريد.

وذلك لا يتعارض أبدًا مع السعي والاجتهاد والتخطيط، فالذي يسعى لشيء محدد سيصل له بالنهاية حتى وإن لم يكن الطريق مباشرًا, فالغايةُ عندما تسيطر على العقل البشري تجده يعمل لا إراديًا لتنفيذ بُغياه.

في الغد يجب أن تحدد أولوياتك، الأهم بحياتك والمحاور الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وحاجتك وترتيبها بحياتك، فهناك الحاجات العائلية، الفكرية، الاجتماعية، المهنية، الروحية، الجسدية، كم سيكون إنفاقك لنفسك ومالك على كل حاجة، وما السقف الذي تريده بكل منها يجعلك راضيًا عن نفسك فيها.

وهناك نقطة فيصيلية يجب أن تعد لها عندما تفكر بالغد؛ هي نقطة الأمل واليأس، فغالبًا ما يركن الجميع لليأس فتجدهم يعملون كماكينة فقط لتوفير سبل العيش، خصوصًا أن وطننا العربي يعج بالمشكلات الاقتصادية والسياسية التي تتطلب لتوفير وسائل الحياة الكريمة جهدًا وتخطيطًا، فتصبح الحياة روتينية سمجة وتنسى وتتناسى ما كنت تحلم به وتخطط له وتقرر لا إراديًا العيش والرضا بواقعك.

ومن هذا المنطلق؛ يجب أن يكون لك قدوات في كل مجال تريده، احذُ حذوهم، وابتعد عن المثبطيّن الذين يخبروك دائمًا أنك لن تستطيع, وانظر للحياة بوجه آخر مشرق يشرق مع كل صباح، ودائمًا طمئن نفسك بأن ربك الكريم موجود لا يخذل من توكل عليه واجتهد ودعاه.

وخطة الغد عندما تضعها، قسمها على فترات زمنية، فمثلًا أول سنة أريد أن أكون كذا، الخمس القادمون هكذا، ودائما ضع جملة «وعد قمم» في اعتبارك عندما تضع أي هدف داخل خطتك؛ فـ«الواو» للواقعية، و«العين» عالية، و«الدال» دقيقة، و«القاف» قابلة للقياس، و«الميم» الأولى ملائمة، و«الميم» الثانية مرتبطة بزمن.

نأتي لحاضرك؛ حاضرك هو أنت، هو ما تعيشه باللحظة الحالية، هو تصورك لنفسك، هو قدرتك على الاستمرار للغد، وقوتك على مصارعة وغلبة الماضي الذي يرفع لك شوكًا كل فترة يعيقك بالطريق. عشه ولا تخشه، ولا تضيعه في كآبة أو قلق، وإذا افتقدت سبلًا للسعادة فاجعل من الأشياء والتفاصيل الصغيرة سعادة، وكُل جيدًا حتى تستمد الصحة والقوة اللازمين لإعانتك، والطعام أيضًا وسيلة لجمع من تحب عليه. ولا تجعل في قلبك بغضًا لأحد، وخلّف دائمًا وراءك الحب، وقم بتأدية شعائرك الدينية كما ينبغي وعلق قلبك بالواحد الأحد، فوجدوا أن «الإيمان» من الأسباب الأولى للمعمّرين بمختلف نواحي الكرة الأرضية.

وفي النهاية ستضيقُ نفسك لاقتراب النهاية، ووداع كثيرٍ من الأشياء التي اعتدت عليها، ولكن لكل بداية نهاية، ولكل قصة حكاية؛ فاخطُط لقصتك جيدًا واجعلها جديدة مثيرة شيقة، ولا تُحمّل تفاصيلها بما لا تستطيع، واقتطع جزءًا فيها لراحتك واستمتاعك بما حولك، ولا تنسَ فأنت تتأثر وتُؤثر بمن حولك فقصتك سيدخل فيها آخرون، وستدخل أنت في قصصهم أيضًا، ولا تيأس فلكل من اجتهد وحاول نصيب اجتهاده.

«والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلَنا وإن الله لمع المحسنين»، العنكبوت: 69.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وداعًا
عرض التعليقات
تحميل المزيد