المصري حياة؛ تتدفق بداخله الحياة، ولا تهدأ أبدًا مثل غالبية شعب بورسعيد الذي طبعته مدينته بكل طباعها، المتحدية لكل الصعاب حتى الحروب وويلاتها، وعلى وقع صفارات الإنذار، وطبول الحرب، كان هذا الفتى الفقير اليتيم يسترق لحظات من الخيال والمتعة، وبعضًا من الأمل، حينما يتسلل يوميًّا إلى السينما ليشاهد الأفلام الأمريكية والمصرية، فيحمل معه هذه الشحنة من البهجة والخيال إلى منطقة «ديليسبس» ليرسل أحلامه مع السفن العابرة والمسافرة إلى ما وراء هذا البحر الممتد أمامه إلى ما لا نهاية.

وكما استرق لحظات البهجة والتحليق مع الخيال بذهابه للسينما، استرق أيضًا من الدنيا ذاتها لحظة شعور بالزهو والانتصار على أحزانها حينما ركل بقدميه هذه الأحزان أثناء رقصه لرقصة البمبوطية في إحدى الحفلات، أكاد أراه وهو يدق بقدميه الأرض، ويفتح ذراعيه للحياة، ويجدف بهما نحو أبواب الرزق الواسع، وأمواج البحر التي لا تهدأ، تتبادل أقدامه الدقات القوية على الأرض بمهارة العفاريت، بينما يحلق الجسد بعيدًا في نشوة تشعره بأنه امتلك العالم، ولم لا؟! وقد سمع لأول مرة هذا التصفيق والثناء عليه من أناس لا يعرفهم، يقول الفنان «سيد بدرية» في هذه اللحظة شعرت أنني موجود.

مَنْ هو سيد بدرية؟

كنت قد قاطعت الدراما وأخبار السينما لسنوات لأسباب متعددة؛ منها أن عالم الفن والسينما أصبح عالمًا منفصلًا تمامًا عن الواقع، وقد زاد هذا الانفصال أكثر وأكثر بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وحالة الصراع الفكري والسياسي التي أفرزتها الثورة؛ ليحدث ذلك شرخًا في المجتمع المصري نفسه، إلى أن ظهر في رمضان الماضي عمل يحاول الخروج من هذا المناخ وهو مسلسل «شتاء 2016» «هنا عرفت من هو «سيد بدرية» أو «الطحاوي»؟ تلك الشخصية التي تسلط الضوء على قضية الاتجار بالبشر ورحلات الهروب الجماعي لسكان الأرض، ففي أحد المشاهد تلتقي مجموعة الهاربين من مصر مع أحد السوريين الهاربين إلى مصر فيسألهم: «أنتوا رايحين وللا جايين؟» مما يشير إلى هذه المحنة الإنسانية الكبرى التي يعيشها المجتمع الدولي كله الآن ويشير أيضًا إلى دور «الطحاوي» بصفته رمزًا للمال والثروة حين تتحالف مع الأجهزة السيادية والقوى الكبرى في العالم التي تحدد مصائر الشعوب وأوطانهم التي أصبحت تلفظهم خارجها بعد أن واجهوا الغربة داخلها.

ومن مفارقات الأقدار كما يقال أن يكون «سيد بدرية» نفسه ممن واجه هذا الشعور ذات يوم، حين جاء إلى القاهرة يحمل معه أجرة الذهاب والإياب وشطيرة؛ لكي يقدم أوراقه للجامعة بعد أن حصل على دبلوم الصنائع، لكنه بعد أن قطع تلك المسافة الكبيرة من بورسعيد إلى القاهرة بالقطار، ومن ميدان رمسيس إلى جامعة القاهرة بالجيزة مشيًّا على الأقدام، اكتشف أن الموظف المسئول غير موجود، وطلبوا منه أن يعود في الغد لتقديم أوراقه، يكمل «سيد بدرية» حديثه في أحد البرامج التليفزيونية وهو يحاول بأطراف أصابعه التصدي لدمعة تسللت من عينيه، وهو يتذكر هذا الموقف الصعب الذي جعله يشعر بالمرارة والغربة داخل بلده؛ لذلك وقف يبكي على كوبري الجامعة، وقرر وقتها أن يهاجر إلى أمريكا.

هولـيـــوود

قدم «سيد بدرية» ما يقرب من 70 عملًا ما بين إخراج وتمثيل وإنتاج، أغلبها أفلام أمريكية وأجنبية قدم فيها شخصيات مختلفة، كان أحدثها فيلم أكشن، ضخم الإنتاج بعنوان «Vanguard» تقع أحداثه ما بين الصين والهند ودبي ولندن، ويؤدي فيه «سيد بدرية»  دورًا محوريًّا لشخصية رجل عربي يساعد «جاكي شان» في القبض على بعض الإرهابيين، ومن المنتظر أن يعرض هذا الفيلم العام القادم في الصين.

وعن شخصية المتطرف أو الإرهابي الذي وضعته السينما الأمريكية داخل إطارها لفترة طويلة يجيب «سيد بدرية» بتلقائية شديدة عن سؤال سأله له المذيع «عمرو أديب» في برنامجه التليفزيوني منذ عدة سنوات فيقول: «كنت أحتاج للمال لكي أكمل تعليمي، ومن ثم لكي أستطيع أن أنتج أعمالًا أرضى عنها»، لكنه يوجه نقده أيضًا للسينما المصرية والعربية بأنها هي أيضًا تقدم نفس الصورة النمطية الأمريكية للشخصيات المتطرفة والإرهابية، مثلما تحصر أصحاب البشرة السمراء في أدوار السفرجي، أو البواب، أو السائق، أو في صورة ساخرة، اللهم إلا الفنان «أحمد زكي» فقط الذي استطاع أن يغير هذه الصورة.

وقد قدم الفنان «سيد بدرية» بالفعل أكثر من عمل يحاول فيهم أن يعطي صورة مغايرة عن الصورة النمطية السلبية التي قدمته فيها السينما الأمريكية للعرب والمسلمين، فبعد أن عمل في كثير من الأعمال مع كبار النجوم في هوليود مثل «آل باتشينو، وجورج كلوني» قدم فيها دور العربي المسلم كما تراه العين الهوليوودية، اتجه إلى إنتاج والمشاركة في إنتاج عدة أفلام يقوم هو ببطولتها وكتابتها تصحح تلك الصورة، وتحاول أن تفرض الصورة الحقيقية، والتي تقدم العربي المسلم باعتباره إنسانًا يتفاعل مع المجتمع الأمريكي، وواحدًا من هذا المجتمع، وينقل لنا بعضًا من مشكلاته التي يواجهها، فيقدم في فيلم «American east» أو «الشرق الأمريكي» شخصية المواطن الأمريكي المسلم الذي أصبح محاطًا بالشكوك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ويطرح مشكلة جيل الأبناء الذين قد يتمردون على هذه الصورة السلبية للمسلمين، التي ترسخها الآلة الإعلامية الأمريكية عنهم فيعترف الابن لأبيه بأنه يريد أن يكون مسيحيًّا!

ويؤدي في فيلم «Chicago Mirage» أو «سراب شيكاغو» الحائز على جائزة أحسن فيلم، وأحسن إخراج في مهرجان بوسطن الدولي، دور «مصطفى مرزوق» طبيب الأسنان المسلم الذي سجن 10 سنوات ظلمًا، بتهمة القيام بأعمال إرهابية على إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما يعتز الفنان سيد بدرية بدوره في فيلم «Cargo» ويراه من أفضل أدواره، وهو يناقش أيضًا قضية الاتجار بالبشر بصورة أخرى، أما الفيلم الأقرب إلى قلبه كان فيلمًا وثائقيًّا قام بإخراجه، وصوره بين مصر وأمريكا عن أصول أفلام السينما المصرية بعنوان «إنقاذ كلاسيكيات السينما المصرية» وقد حاول من خلال هذا الفيلم أن يقدم المساعدة لمصر ممثلة في وزارة الثقافة وقتئذ؛ حيث قدم عرضًا أمريكيًّا بترميم فيلمين قديمين باعتبارها بداية لإعادة ترميم أغلب الأفلام المصرية التي تشكل كلاسيكيات السينما المصرية، إلا أن عرضه رفض بحجج روتينية غير واضحة، إلى أن تم بيع أصول هذه الكلاسيكيات لشركة روتانا الخليجية!

ويستعد «سيد بدرية» لعرض فيلمه الجديد القصير «المصري حياة» في أكثر من مهرجان دولي، وهو يحكي عن رحلة حياة تتشابه كثيرًا مع رحلته، وعن صراع الأفكار ما بين جيل الآباء والأبناء خاصة أولئك الذين ولدوا في بلاد المهجر، وأصبحت لهم حياة خاصة بهم بعيدًا عما تربى عليه آباؤهم.

ربما كان للإعلام المصري دور كبير في أننا لم نتعرف بصورة كافية إلى الفنان «سيد بدرية»، قد تتابع بعض المواقع والصحف والبرامج الفنية هذه الأخبار، لكنني أتكلم عن عرض مثل هذه الأعمال على شاشة التليفزيون المصري، أو القنوات الفضائية المصرية الخاصة؛ خاصة أن هذه الأعمال تحتاج إلى ترجمة، وتناقش قضايا ذات أهمية للمشاهد المصري والعربي، وعلى الرغم من هذا الكم من الأعمال، إلا أن «سيد بدرية» ما زال يشعر أن هناك ما يربطه بمصر وبمدينته بورسعيد بشكل خاص؛ ما يدفعه للتعبير عن هذا الارتباط الذي لم تغيره سنوات الهجرة، فقدم  ملحمة غنائية من إنتاجه وإخراجه؛ تصور مشاعره تجاه مصر، وما يحسه أحيانًا من غربة حتى وهو بين أحضانها يتجول في شوارعها، فيقول مقطع من الأغنية: «الغربة أحسن من غربتي فيكي» لكنه يختتم الأغنية بنظرة باسمة منه لصورة «محمد صلاح» لاعب الكرة العالمي الذي تتشابه ملامحه وحكايته مع الفنان «سيد بدرية» غير أن الفارق كبير بين ما كان متاحًا لـ«سيد بدرية» في منتصف القرن العشرين، وما هو متاح الآن لـ«محمد صلاح» في أوائل القرن الواحد والعشرين، لكن على الرغم من ذلك فإن «سيد بدرية» يعتبر «محمد صلاح» رمزًا يفتخر به حتى أنه يضع له صورة بحجم كبير في بيته.

نعود إلى شخصية «الطحاوي»التي تعد الدور الأول له في الدراما المصرية، وهي صورة مختلفة لرجل الأعمال لم تتأثر بقوالب الأعمال الفنية التي توارثناها جيلًا بعد جيل، بل لم تتأثر بأكثر من 40 عامًا عاشها «سيد بدرية» في أمريكا فهو نموذج خفيف الظل يتحدث بتلقائية شديدة وبعبارات بورسعيدية طازجة، كأنه لم يبعد عن مصر أو بورسعيد لحظة واحدة، تكاد تحب هذه الشخصية رغم أنها تجسد الفساد بأعلى درجاته، ذلك أن «سيد بدرية» بعفويته وتلقائيته وارتجاله أحيانًا بلهجته البورسعيدية يبعث في الشخصية المكتوبة الحياة فتجعلنا نصدقها كأنها واقع لا تمثيل.

ورغم عدم رضا الفنان «سيد بدرية» بصورة تامة عن بعض التفاصيل التي قد لا يلاحظها المشاهد العادي في المسلسل، إلا أن الإطلالة الأولى التي أطل منها على جمهوره المصري والعربي قوبلت بحفاوة ورضا كبير عن هذا الدور، بل وصنعت علاقة مباشرة جميلة بينه وبين هذا الجمهور الذي التقى به، وتفاعل معه مباشرة من خلال أحاديثه التلقائية العفوية معهم على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مما قربه أكثر من الجمهور الذي اكتشف فيه ابن البلد البورسعيدي، الذي لم تغيره حياة النجوم في هوليوود، ما جعلنا نتتبع أخباره وحياته التي تحمل ثراءً إنسانيًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وما جعله هو أيضًا يتحدث إلى جمهوره بتلقائية شديدة، ويعبر لهم عما يجول بخاطره، وعن انزعاجه من هذا الكم الكبير من الهجوم والتنمر الموجه له؛ لأنه قام بعمل يصنفه النظام المصري ومن تبعه من أفراد وجماعات في حساب جماعة الإخوان، بينما هو يرى أنه ممثل يمكنه أن يؤدي أي دور، ومناخ الحرية الذي تعوّد عليه منذ مجيئه إلى أمريكا عام 1979 جعله يتعجب لماذا توجه إليه كل هذه السهام من مشاعر سلبية واتهامات بالخيانة والعمالة؟ وهو ما جعله يشعر بالظلم لأنه مصري حتى النخاع، يحب مصر بكل تفاصيلها واختلافاتها وتنوعاتها، لا ينتمي لأي من التيارات السياسية، ولم يعمل يومًا واحدًا لصالح أي جهة، إنه يعمل فقط لصالح حبه للفن والتمثيل؛ هذا الحب الذي جعله يهاجر من مصر إلى أمريكا ليعمل ويكافح ليحقق حلمه، فكما يقول في أحد البرامج التليفزيونية: «عندما يكون لديك حلم يسهّل ذلك عليك كل المصاعب التي تمر بها وتضطر للقيام بها من أجل هذا الحلم».

ورغم أن «سيد بدرية» يشعر بالرضا عما قدمه في حياته؛ مما يجعله يفكر أحيانًا في الابتعاد عن عالم الفن ليعيش حياة هادئة مع أسرته، إلا أنه ما زال يملك الكثير من الأحلام والطموحات، وما زال يملك قلب ذلك الفتى «البمبوطي» المقبل على الحياة ليقول لها دومًا: «أنا موجود».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد