منذ فترة ليست بالقليلة، تثور خاطرتي وتهدأ، تثور وتهدأ، ويرتج قلمي ليسيل حروفًا بين آلاف الحروف التي شقت طريقها للتعبير عن عملاقٍ شغل العالم سنين، بل سيشغله سنين أخرى قادمة، ولربما كان ذلك الثوران والهدوء تهيئة للتعبير بصورة أكثر دقة عن ذلك الفريد النادر عبر التاريخ.
سيد قطب أديب ومفكر إسلامي وناقد أدبي لا يشق له غبار، بل خط بريشته الأدبية المجاهدة ما ساقه لحبال المشنقة شهيدًا، إلا أنه لم يعبأ يومًا بتلك الميتة الشريفة فقد قال بعظمة لسانه إنه يعمل من أجل تلك الميتة خمسة عشر عامًا.
لا نريد هنا التعريف بهذا العملاق تعريفًا روتينيًا معهودًا، فنسرد بذلك ميلاده ووفاته وأين نشأ وترعرع، فمثل هذه التعاريف لا تعنينا كثيرًا فسيد قطب نفسه لا يريد من مثل هذه التعريفات شيئًا، بل يريد أن تعرف فكرته التي عاش ومات من أجلها، لأنه لا يعرف إلا المنهج الذي تعيش به البشرية حياتها، منبثقًا ذلك المنهج والتصور من منهج الله، أو كما عبر عن ذلك في كتبه العميقة الدقيقة وبأسلوبه الفريد الرائع، والذي يجذب حتى من جاء يبحث عن زلاته وأخطائه. كما لا نريد سردها لأن هناك الكثيرين قد قاموا بذلك، فلست أول من يكتب عن هذا العملاق، وربما لا أكون آخر من يكتب، ففكر سيد باقٍ ستتداوله الأيام والأجيال لأنه مات من أجله.
إذًا نحن أمام عملاق فكري وصرح جهادي يصعب الحديث عنه بدقة، إلا أنها حروفه التي خطها بيراعه الباسل تأبى إلا أن تجرنا جرًا لنخط له حروفًا وفيةً كما خط هو حروفًا لهذه الأمة، وكما وهب روحه السامية فداء لهذا الدين، فلقطبٍ علينا وعلى الأمة فضل كبير.

سيد قطب كما قرأت فكره

قد يختلف الناس فرقًا في مثل شخصية سيد قطب الفكرية، شأن العمالقة المثيرين للجدل في كل زمان، فسيد كما عرفت فكره عن كثب وأنا أتجول في ظلال حروفه الفذة، فإن له ملكة ضخمة في التعبير عما يريد، فأسلوبه قوي يأسر الخاطر، فتجده يسبر غمار الفكر ويختار أطياف الكلمات التي تعطي الموضوع الذي يتناوله دقة متناهية في الجمال، وقوة نفسية كبيرة تشعر من خلالها بما يروي عطش القراءة، فلقطب أسلوب فريد من أساليب الأدب جمع فيه بين قوة الحجة وتسلسل السرد للأفكار والعمق النفسي الذي يدفعك دفعًا نحو الحقائق الكلية التي يتحدث عنها، وكثيرًا ما يجيب عن أسئلتك التي تبحث عنها بعد صفحات عديدة، وكأنه رجل يمسك يدك ويجول بك في حديقة من الكلمات ليوصلك إلى أروع ما في الحديقة بعد طول رحلة من القراءة الممتعة.
سيد قطب كما قرأت فكره غير ميّال لمسائل الفقه والأحكام والفتاوى، ويندر ما يتناول ذلك بصورة مفصلة، فكأنه اختار التعبير الأدبي عن حقائق الدين ومقوماته كأسلوب تخصصي، ونلحظ ذلك تقريبًا في كل كتاباته إلا قليلًا. وقد يرجع ذلك للواقع الذي عاشه حيث كان الاستقطاب حادًا بين المدارس الفكرية والفلسفية، فاختار أن يكون في الصفوف الأولى من المتصدين للتيارات اليسارية والإلحادية، وإبراز صورة الإسلام الحية المواجهة للواقع والتي غاب صيتها في الذهن الإسلامي في تلك الفترة وربما إلى الآن.
قرأت لسيد قطب كتاب معالم في الطريق وكتاب المستقبل لهذا الدين وأفراح الروح، وشيئًا من كتاب هذا الدين، وشيئًا من ظلال القرآن، ولكني مطلع على كثير من مقالاته ومقولاته في شكل خواطر قصيرة، ومن خلال تجربتي الشخصية مع كلماته وجدت فيها روحًا لم أجدها عند كل الكتاب إلا القليلين منهم، ووجدت فيها طعمًا خاصًا بين أطعمة الكتابة الإسلامية المعاصرة، ووجدت فيها حياتًا تدب في القلب فتحييه، ويبدو أن تلك الروح هي روحه التي أطلقها لبارئها تتسلل عبر جسده النحيل المكافح، ويبدو أن ذلك الطعم هو ذلك الطعم المقدس الذي قال عنه سيدقطب معبرًا (كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان، أما الأفكار التي لم تطعم هذا الغذاء المقدس فقد ولدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبرًا واحدًا إلى الأمام) وفعلًا فإن أفكاره طعمت غذاء قلبه فالتصقت بتربة قلبه الحار المفعم بالجهاد، بل مات من أجلها شامخًا راسخًا، ويبدو أن تلك الحياة التي تدب في القلب والضمير فتحييه، هي تلك الحياة التي عبر عنها بنفسه في عبارات فريدة قائلًا: (تظل كلماتنا عرائس من شموع، باهتة ميتة حتى إذا انتفضنا نحن ومتنا من أجلها، انتفضت هي حية وعاشت بين الأحياء، والأحياء لا يتبنون الأموات)، صدقت يا سيد فنحن تبنيناك لأنك دفعت ضريبة فكرتك دمـك، فلو قضيت جيفة هامدة لا تحمل فكرًا ولا تضحي من أجله لما تبنينا ما بنيت.
وجدت في سيد قطب فكرًا واسعًا وشاملًا للإسلام، ولم أجد فيه تلك الجزئية المجحفة التي قد يتناولها البعض، بل فهمه للإسلام واسع ودقيق وعميق، وكيف لا وهو القائل (إذا أريد للإسلام أن يعمل فلابد للإسلام أن يحكم، فما جاء هذا الدين لنزوي في الصوامع والمعابد أو يستكن في القلوب والضمائر). فقد أوجد سيد قطب بفكره الرائع صورة الإسلام بحقيقته وجاهد مكافحًا لإخراج تلك الصورة المهترئة من الذهن الإسلامي، فسيد يوجد لك الإسلام مصادمًا ومحتكًا بالواقع، يعالج تربته ويحل مشاكله ويخالط معضلاته، وينزع صورة الانحصار المريع الذي يجعل من المسلم منفصلًا عن حياته الواقعية التي يعيش.

سيد قطب والطغيان

وجدت في سيد قطب مشخصًا دقيقًا لأحد أهم أدواء الأمة الإسلامية التي خالطت مسيرتها عبر التاريخ، وهو فحصه الدقيق للاستبداد والطغيان، وكأنه في هذه القضية امتداد طبيعي لعبد الرحمن الكواكبي الذي كان قبله بسنين في تشخيص هذا الداء الخبيث وعلته والحلول للتخلص منه، فقد أوجدا معًا صورة رائعة لهذا المرض الخطير، ولنا أن نقطف بعض مقولاتهم، في محاولة لجمع ما اشتركا فيه من توصيف وتعريف.
أما الكواكبي فقد قرأت له طبائع الاستبداد، ولي أن أقطف منه بعض ما اشترك فيه مع سيد قطب، يقول الكواكبي (إن خوف المستبد من نقمة رعيته، أكثر من خوفهم من بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم وخوفهم ناشئ عن جهل).
كما يقول قطب وكأنه يعرج على الكواكبي: (الطغيان لا يخشى شيئًا كما يخشى يقظة الشعوب وصحوة القلوب، ولا يكره أحدًا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة، ولا ينقم على أحد كما ينقم على الذين يهزون الضمائر الغافية).
لقد كان كل من الكواكبي وسيد قطب ألـدَّ أعداء الاستبداد في أزمانهم، وكانت طرائف المستبدين ترتعد من هول أقلامهم، وكانت قلوبهم ترتعش خوفًا من يراعهم الثائر المتقد. وقد اشتركوا كذلك في صدقهم النابع المنبثق من ثقة لا تتزحزح في بقاء فكرهم عبر السنين، وكيف لا وهو فكر يتلقى روحه من منهج الله تعالى ويتجه صوب رضاه وحده لا شريك له.
لقد ضرب سيد قطب مثلًا من التضحية والفداء يندر تكراره في حياة البشرية، فقد صادم الطغيان علنًا بكل عزة وشموخ، ولم ينظر للدنيا على أنها باقية بل نظر لها كمعبر محدود المعالم وقليل المتاع، لعمق تصوره وبصيرته وإيمانه بالله تعالى. فضحى الرجل بحياته وروحه فداء لله ولعقيدته وفكره. وله مشاهد مهيبة مع الطغيان ليس أولها يوم سيق للمحكمة وطلب منه الاسترحام من الطغيان فقال قولته الواثقة النبيلة: (لماذا أسترحم؟! إن كنت محكومًا بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكومًا بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم بالباطل)، وليس آخرها يوم قيل له لماذا كنت صريحًا أمام المحكمة التي تمتلك رقبتك؟ فقال: (لأن التورية في العقيدة لا تجوز). فهو من المؤمنين الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلًا.
لم تكن تلك قصة بطل أسطوري من تأليف أديب لفيلم، بل كانت قصة مؤمن شق طريق الهدى متقدًا بروح الإيمان، ودارسًا لمشكلات الواقع على ضوء تلك الشعلة المتقدة، ولم أكن أول ولا أحسب أني سأكون آخر من يخط حروفًا للوفاء بحق من حقوق ذلك الفذ، وأفذاذ غيره كثر أنجبتهم أصلاب هذه الأمة، رحم الله الأستاذ سيد قطب وتقبله شهيدًا مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. هذا والله من واء القصد وهو يهدي السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد