ما زالت يدي تمسك بالقلم حينًا، وتتركه حينًا آخر، ذلكم أني ترددت كثيرًا، ووقفت طويلًا حائرًا بين داعٍ يدعوني لكتابة ترجمة لسيد قطب -رحمه الله تعالى- وبين داعٍ يدعوني ألا أكتب شيئًا عنه، وكيف أكتب في صفحة أو صفحتين عن رجل كتب عنه العلماء عشرات الكتب أو ما يزيد!

فلا تثريب عليّ إذا لم أقدم ترجمة عن سيد قطب تبتدأ باسمه وولادته، ونشأته، وصولًا إلى وفاته أو بالأحرى استشهاده!

وما زلت بين هذا وذاك حتى قرَّ قراري على أن أكتب عن تفسيره «في ظِلال القرآن» الذي أعطاه الله القبول والانتشار والذيوع في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وهذا الشيوع ليس وليد الصدفة، ولكنه إن دلّ على شيء فإنما يدل على مدى صدق مؤلفه وورعه وبراعته في تفسير كتاب الله العزيز، والاعتكاف تحت ظِلاله. والذي لا يعلمه كثير من الناس أن هذا التفسير قد ألفه صاحبه وهو في السجن إلى جانب مؤلفات أخرى! وقلّما تجد من يشتغل بهذا النوع من التأليف وفي هذا الجو الشاحب، إذ تجد أكثر وأشهر ما أُلّف بين القضبان الحديدية كان مدار موضوعه؛ المعاناة داخل الزنازين والتي يتلقاها ويتعرض لها كل سجين! فأما سيد قطب، فكان له منحى آخر؛ وهو تفسير كتاب الله العزيز، وكان له منهج آخر أيضًا اختلف فيه عن باقي المفسرين القدامى والمحدثين، فهو يقف في الساحة وحده، وهو والمنهج وجهان لعملة واحدة؛ إنه منهج «التذوق الأدبي في التفسير» فأي منهج هذا؟! وأي نوع هذا من أنواع التفاسير؟!

ولا أقصد بالتذوق الأدبي إطلاق العنان لكل قارئ لاستخراج معاني النص القرآني، ولكن قصدي الموازنة بين الذات والموضوع؛ فللذات حقها في جانب الاستغراق في النص القرآني والشعور به، وللموضوع حقه في التزام مدلوله اللغوي وحدوده الشرعية.

إذا فلا تثريب عليَّ إن اعتبرت منهج سيد قطب في تفسير القرآن الكريم منهجًا لا نظير ولا شبيه له! ولعل لمعترض أن يقول: كيف تثبت لنا هذا الانفراد في المنهج؟ وجواب هذا المعترض ليس بإيراد التفاسير كلها وعرضها حتى أثبت ما أقول، فهذا أمر يطول ويشق، ولكنه بالشهود وهم كثر؛ فهذا الدكتور محمد إبراهيم شريف يصف تفسير سيد قطب بأنه «يمثل تيارًا برأسه يجمع فيه بين الذاتية والذوقية، والفنية والجمالية»، ويصفه في موضع آخر بالندرة من اعتبارات كثيرة. وأما الدكتور محمد المبارك فيعترف لسيد قطب بأن له «فضل كبير في السبق إلى الكتابة والنشر في هذه الموضوعات على أسلوب حديث».

هذا على سبيل المثال لا الحصر، وعلى سبيل العد لا التعديد، وإلا فالمقام يطول. ونحن نقول مثل قولهم إن سيد قطب صاحب مدرسة خاصة ومنهج خاص، فإذا برع من بعده أحد في المنهج شاركه فيه، وتفرد سيدٌ بالأقدمية والانفراد والصدارة!

ويشاء الله أن يكون هذا التفسير من أسباب خروجه من السجن، فقد كُتِبَ له القبول بين طلبة العلم بالمدارس والجامعات، وخرج بعدها سيد قطب ليواصل الدعوة، ولكن سرعان ما أعلن جمال عبد الناصر أن الإخوان المسلمين قد دبروا مؤامرة للاستيلاء على الحكم بالقوة! فتم القبض على سيد قطب وأصحابه، وأقيمت المذابح ونصبت المشانق، ولم يترددوا في الإعدام والحرق والتعذيب في أبشع ألوانه وأشكاله. وفي هذه الحالة كان سيد -رحمه الله- يحس إحساسًا آخر وهو في السجن لا يعلم شيئًا، فقد كان يقول: «لقد عرفت أن الحكومة تريد رأسي هذه المرة».

وفي الليلة الأخيرة التي قضاها في زنزانته، وقبل الفجر بساعة طرق باب الزنزانة سجّان يخبره بأن هناك تسكينًا جديدًا؛ أي تغيير مكان زنزانته! فقال له سيد قطب -وهو عالم بمكرهم وخديعتهم-: «نعم إنه تسكين جديد، ولكن ليس في السجن الحربي، وإنما هو تسكين في جنات الفردوس»! وذهب معه إلى المكان المعلوم، واثق الخطى لا يهاب ولا يخاف لومة لائم، وجيء بالسجان فوضع الحبال في يديه وقدميه؛ فقال سيد قطب للسجان: «دع عنك الحبال سأقيد نفسي بيدي، أتخشى أن أفر من جنات ربي»! أي ثبات وشموخ أنت فيه يا سيد! فلا يسعنا إلا أن نقول للّه درّك، أي رجلٍ كنت، فقد عشت سيدًا ومت قطبًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد