بعد كل هذا العمر يتذكر الملايين اسم واحد من أكبر المفكريين الإسلاميين، إن لم يكن أعظمهم، قد نختلف أو نتفق في الكثير مما جاء به، لكنه يظل السيد صاحب الظلال سيد قطب. إن أول ما تذكرته حين ذكر سيد قطب هو موقف عبد الناصر عند تنفيذ الإعدام ذلك اللقاء الذي تحول حفلًا تكريميًا لسيد قطب،ليكتب التاريخ أن هناك رجلًا دفع حياته أمام ما فكر فيه واستنتجه.

إنك سترى أن أغلب من كتب عن سيد قطب ناقدًا من هؤلاء المثقفين ركز في كثير من الأحيان على سيد وفكره من خلال مقاطع مجتزأة، أو من خلال ما كتبه آخرون، إن هؤلاء الذين ركزوا على المقتطعات من كتابات سيد، وغضوا النظر عن كم الأدب الرائع المبدع وشعره المتجدد الذى يتبع مدرسة أبولو وروحه الثورية ومواقفه التي دفع حياته ثمنًا لها.

هؤلاء ظلموا سيد، وشاركوا في وضع حاجز نفسي بين الناس وبين سيّد، وكانت تلك أعظم خدمة لأنظمة الفساد والاستبداد وتيارات التغريب، لسيد أخطاؤه كغيره من البشر، فلتتم معرفتها، وليتم نقد أفكاره وأدائه كغيره من المفكرين والمصلحين والسياسيين، فلا حرج ولا عيب، ولكن أن يتم تشويه الشخص وشيطنته، وإلغاء دوره فذلك الحمق نفسه.

إن سيد قابل عبد الناصر قبل عقد ونص من استشهاده يحكى الأستاذ الأديب أحمد عبد الغفور عطار عن هذا اللقاء قائلًا إن سيد في هذا اللقاء قال: إن الثورة قد بدأت حقًا، وليس لنا أن نثني عليها؛ لأنها لم تعمل بعد شيئًا يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام،لقد كنت في عهد الملكية، مهيئًا نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضًا، فأنا في هذا العهد مهيئٌ نفسي للسجن أيضا، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل.

وهنا وقف عبد الناصر وقال بصوته الجهوري أخي الكبير سيد، والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا، جثثًا هامدة،  بعد كل هذا العمر، وستجد الأغلب لا يعلم عن سيد سوى أنه منبع الإرهاب ومعلم كل من سار في هذا الدرب، لن تجد سوى قليلين يتحدثون بكلمات حق، سواء في المدح أو النقد.

سيد قطب مثلًا تلميذ العقاد، وأول من تنبأ بحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، إن طه حسين قال عن سيد قطب:  إن في سيد خصلتين، هما المثالية والعناد،إن سيد قطب انتهى في الأدب إلى القمة والقيادة؛ وكذلك في خدمة مصر والعروبة والإسلام، سيد لم يأخذ حقه كأديب وناقد أدبي من الطراز الأول، فُتحت له أهم المجلات الأدبية في عصره، وأبرز جمال اللغة العربية، كما أبرز إعجاز القرآن وعظمة آياته.

 شعره جميل أخذ طابعًا وطنيًا وإسلاميًا وإنسانيًا، ولامس هموم الناس والمجتمع؛ وكتب في الوصف والحنين والتأمل والرثاء والتمرد والثورة وفلسطين. هو نفسه سيد الذي كان صاحبًا لروح ثورية إسلامية ووطنية هائلة كانت حافزًا وملهمًا لأبناء جيله ولمن بعده في مواجهة الساسة والمثقفين والعلماء الفاسدين والأنظمة الفاسدة والمستبدة. إن سيد أبرز الإسلام بروحه الحركية العملية التي ترفض الظلم وتنتصر للمظلوم وتنزع الشرعية عن الطغاة.

لم تمض ستة أشهر حتى افترق سيد عن الثورة ورجالاتها بعد أن رأى ما لا يعجبه، فتركهم وانتقدهم. وفي سنة 1954 حكم عليه نظام عبد الناصر بالسجن 15عاما فازداد صلابة وإصرارا، بالرغم مما عاناه في السجن من أمراض وآلام، وكتب حينها قصيدته الشهيرة (أخي أنت حر وراء السدود)، كما كتب قصيدته (هبل.. هبل) التي رأى فيها كثيرون وصفًا لعبد الناصر ونظامه.

ذهبت كتابات سيد فى السجن إلى الله والحكم بما أنزل الله وقد نختلف كثيرًا في الكثير مما جاء به. وعندما خرج من السجن سنة 1964 لم يتردد في قبول الإشراف والرعاية على تنظيم إخواني سري، كان يركز في تلك المرحلة على المعاني الإسلامية التربوية والحركية.

وعندما قُبض عليه في صيف 1965 بتهمة قيادة تنظيم عسكري سري إخواني بهدف زعزعة أمن البلاد واغتيال عبد الناصر والانقلاب على النظام، وحكم عليه بالإعدام بهذه التهم، تلقى قرار الإعدام ببسمته الساخرة قائلًا مقولته الشهيرة: الحمد لله، لقد عملت 15 عامًا من أجل الحصول على الشهادة.

جمل سيد قطب الشهيرة قبل موته تقال حتى يومنا هذا فرحم الله من قال: إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية، ليرفض أن يخطَّ حرفًا يقر به حكم طاغية، وقوله: لماذا استرحم، إن سُجنت بحق فأنا أرضى حكم الحقّ، وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.

كان سيد أكثر الناس فعلًا لكلماته فقدم حياته ثمنًا لما يعتقد فهو يقول: إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة، من ناحية ثالثة، كان سيد من أبرز مفكري القرن العشرين العرب المسلمين الذين كتبوا في التعبير عن عزة الإنسان وكرامته وحريته واستعلاء إيمانه ولو اتسع المقام لأتينا بعشرات الشواهد على ذلك فـالظلال مليء بهذه المعاني. ولعل مقالته في العبيد في كتابه دراسات إسلامية من أروع ما كتب في فضح السلوك البشري المنحرف عن معاني الحرية.

من ناحية رابعة، كان سيد قطب من أبرز المفكرين الذين قدموا الإسلام بشموله وحيويته وصلاحيته لكل زمان ومكان، وقدرته على الحكم وعلاج مشاكل الحضارة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الروح والمادة.

وكان في الوقت نفسه من أبرز الكتاب الذين نقدوا الحضارة الغربية، وكشفوا عوراتها، وفضحوا الاستعمار الغربي وأطماعه في المنطقة،  وقدم نقدًا لاذعًا للأنظمة الرأسمالية والشيوعية.. ولعل مقاله الشهير: إسلام أمريكاني، الذي نُشر في مجلة الرسالة سنة 1952 يفضح سياسة أمريكا وعملائها في المنطقة.

ولا ننكر ما وقع فيه سيد، لكن يجب ملاحظة التطور التاريخي لالتزام سيد الإسلامي وفكره الذي أخذ شكله الناضج في السنوات الأخيرة من عمره، ومن الخطأ محاسبة سيد عن مرحلة تاب عنها أو عن أفكار تراجع عنها وقد قال أخوه محمد قطب في رسالة بعثها إلى عبد الرحمن الهرفي، فإن سيد أوصى بقراءة بعض كتبه فقط قبيل وفاته، ومنها في ظلال القرآن، وخصوصًا الأجزاء الاثنا عشر الأولى التي تمكن من تنقيحها، وكتاب معالم في الطريق، وهذا الدين، والمستقبل لهذا الدين، وخصائص التصور الإسلامي، ومقومات التصور الإسلامي، والإسلام ومشكلات الحضارة، وهو ما ينبغي محاسبته عليه، وليس ما تراجع عنه.

كما أن سيد قطب كان أديبًا ناقدًا، قبل أن يكون عالمًا شرعيًا وفقيهًا بالمعنى الاصطلاحي المتداول، وقد أراد أن ينافح عن الإسلام عقيدة وسلوكًا ومنهج حياة.

 إن العلماء الكبار لم يُكفِّروا سيد، بمن فيهم علماء الاتجاه السلفي، ووقف بعضهم في وجه من كفَّر سيّد، كما فعل العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وعضو هيئة كبار العلماء بالسعودية، في رده على ربيع المدخلي؛ حيث طلب منه عدم نشر اتهاماته لسيد لكثرة ما فيها من التجنِّي عليه، مؤكدًا أن الواجب الدعاء له بالمغفرة، والاستفادة من علمه على حد تعبيره.

إن هذا المقال محاولة للدفاع عن رجل مات منذ نصف قرن أو يزيد، ونحن أقل من أن نتحدث عن صاحب الظلال، وهو توضيح فقط فنحن نخالفه في كثير، ولكننا نزن بميزان العدل دون أن نفرط فى حق من حقوق الشرع أو نقتل الرجل بسهم من الخلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد