والطغيان لا يخشى شيئًا كما يخشى يقظة الشعوب، وصحوة القلوب، ولا يكره أحدًا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة؛ ولا ينقم على أحد كما ينقم على من يهزون الضمائر الغافية.

تلك كانت غيض من فيض كلمات تسببت في استشهاد صاحب الظلال، الرجل الذي كان يعيش برئة واحدة وكان مريضًا بالذبحة، شهيد الإسلام المنظر والكاتب والأديب الثائر والشاعر المرهف الإحساس، ومفسر القرآن العالم المفرد والموسوعة العزيز بالله الأستاذ سيد قطب.

الرجل الذي اختلف الشرق والغرب عليه ما بين مادح وقادح وهذا لقوة آراءه وحدتها وجرأتها، وشدة أحكامه وغلظتها.

ولكنهم اتفقوا جميعًا في صعيد واحد على ألمعيته وعبقريته ونبوغه، وتفرده بين كافة أبناء جيله بفكره الإسلامي القوي الراسخ المتين الصلب الممتلئ بالعز والفخار غير المعتاد بين كتابي ومفكري المسلمين.

كانت كلماته بمثابة سياط تلهب ظهور الخوالف والمتغربين عن الإسلام والمدجنين على الفكر الغربي، وكان اعتزازه بعقيدته وحفاظه على لياقة ما يحمل من فكر فوق وصف ما يتصوره أحد، وكان يريد إعداد جيل قرآني فريد، وكان من مقولاته «قليل هم الذين يحملون المبادئ، وقليل من هذا القليل الذين ينفرون من الدنيا من أجل تبليغ هذه المبادئ، وقليل من هذه الصفوة الذين يقدمون أرواحهم ودماءهم من أجل نصرة هذه المبادئ والقيم، فهم قليل من قليل من قليل».

وجعل سيد قطب الحياة في ظل العقيدة تجارة رابحة مع رب العالمين، سبحانه وتعالى، كما فهم الأوائل من تجار قريش المسلمين، فالإسلام صفقة بين العبد وربه، وقال في ذلك: «إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين… الله هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع، فهي بيعة مع الله، لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه، ولا في ماله، لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله الله».

الأستاذ سيد قطب الذي يحار القلم في وصف كيف كان وكيف عاش وكيف خرج لهذه الدنيا ليفجر ثورة في قلوب المسلمين جميعًا والعرب، وكيف لقرية موشا بمديرية أسيوط بصعيد مصر أن تفوز بشرف أن يولد مصدر النبوغ والعبقرية على أرضها وتحت سمائها في عام 1906م  لقامة فكرية إسلامية ما زالت تدوي أصداؤها في العالم الإسلامي، ثم يولد بعده أخوه العلامة محمد قطب في عام 1919م.

سيد ومحمد قطب تمامًا كمن وضع النظرية ومن فسرها وشرحها ولولا أن قدر الله، سبحانه وتعالى،  وأراد الشهادة لسيد قطب تكريمًا وتعظيمًا لمقامه في الفكر الإسلامي؛  لإنه لو لم يوافه الأجل بالإعدام ظلمًا فإنه كان ميتًا لا محالة لمرضه الشديد رحمه الله، ولو أراد الله له أن يحيا بين ظهورنا ويظل ممجدًا ومعظمًا من قبل مجلس قيادة حراك 1952م وظل مصدرًا روحيًّا وفكريًا لثورة المسلمين على الاحتلال والتغريب لكان للمسلمين الآن شأن آخر.

الأستاذ سيد قطب ذلك الرجل الذي كان طبيبًا يشخص مرض الأمة الإسلامية ليصف لها الدواء الصحيح، بل طال عقله نقد الغرب أيضًا بأفكاره ومفكريه وحداثته، وقد أورد في كتابه الرائع «معالم في الطريق» تشخيص حالة أوروبا وأمريكا قائلاً: «إنَّ الريادة للغرب المادي انتهت، وذلك لانتهاء رصيده من القيم».

إن المصطلحات والمفاهيم التي أطلقها الأستاذ سيد قطب عن الجاهلية والحاكمية والعزلة الشعورية، كانت موجودة بالتراث الإسلامي لمن يتغذى على أفكار ثوار المسلمين الأوائل مثل (ابن تيمية والعز بن عبدالسلام)، وكانت بمثابة بعث لهذه الأفكار ثم لما اغتيل الاستاذ حسن البنا الذي تأثر باستشهاده وأثارت دهشته فرحة الأمريكان بقتله، وكانت محورًا لتغيير حياته، واللذين بالمناسبة قد تخرجا في الكلية ذاتها (دار العلوم) ليصبحا معلمين للأمة الإسلامية بأسرها.

لقد كان أديبًا راقيًا، وكاتبًا ثائرًا، وكأنه من الزمن الأول للإسلام، وكأنه كان يرافق الصحابي الجليل ربعي بن عامر، رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم، الذي عندما قابل رستم قائد الفرس في أبهته وعظمته وبين حاشيته، وهو الأعرابي رث الثياب وسأله ما الذي أخرجكم من أرضكم لقتالنا فقال مقولته الشهيرة وهو رافع رأسه، يتصبب جبينه عزًّا  «لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة».

تلك هي الروح التي كان يكتب بها سيد قطب ومن يقرأ له يتخيل أن الذي كتب هذه الكلمات رجل شرس ضخم، مفتول العضلات، يمتلئ بالحب لأمته، والحقد على كل المتآمرين لإطفاء نور الاسلام، ولكن تصدم وأنت ترى رجلًا هزيلًا معتل الصحة.

وعندما تطالع كتابًا مثل «التصوير الفني في القرآن» ثم تبحر بين الظلال فأنت تعيش بين الآيات وكأنها تتنزل في التو واللحظة، كما أن الظلال جرت كتابته ما بين الحرية والأسر، فقد ظل يكتب الأستاذ سيد قطب عن خواطره حول كتاب الله  حتى محنة 1954 المشهورة، والتي تأثر بها ويقول الأستاذ يوسف العظم عن هذه الرحلة الفريدة: «لقد كانت نتيجة تلك التجربة الرهيبة والإقبال الكلي على القرآن أن يخرج للفكر الإسلامي عمل ضخم أكبر من أن يقيمه رجل واحد وعقل واحد؛ لو لم يؤيد ذلك العقل بإلهام رباني وفتح إلهي كشف عن بصيرة الرجل ليرى ما لم يرَ الكثيرون، ويكتب في مجال القرآن تفسيرًا وتأويلًا وفهمًا بعيدًا كل البعد عن ضيق الأفق وترف الفكر وضلال الهوى».

وما لم يعرفه الكثيرون عن الأستاذ سيد أنه كان تلميذًا للعقاد في حياته الأدبية الأولى، وفيما بعد صار كاتبًا إسلاميًّا صفوًا، ويعد أستاذًا لنجيب محفوظ، بل هو الذي قدمه وخاض معارك أدبية مع كل من توفيق الحكيم وطه حسين، وتجاوزت مؤلفاته السبعين مؤلفًا، وكان لديه ديوان شعري حمل اسم «الشاطئ المجهُول» طُبعت طبعته الأولى في مطبعة صادق في المنيا، وصدر في يناير (كانون الأول) من عام 1935م، ويقع في مائتي وثماني صفحات، أي إنه كتابٌ كبيرٌ إذا ما قُورنَ بدواوين أبناء جيله من الشُّعراء وقتذاك وبعد ذاك.

يقول الشيخ علي الطنطاوي عن سيد قطب في الجزء الخامس من كتابه الذكريات:-

«ولي مع سيد قطب – رحمة الله عليه – تاريخ طويل:

كنت معه في دار العلوم سنة 1928م،  ولكني نسيت ذلك ونسيَه، ثم عاركته فيمَن عاركه في معركة  العقَّاد والرافعي، وكان يومئذ أكرهَ الناس إليَّ وأبغضَهم إلى قلبي، وشتمته وشتمني وأنكرته وأنكرني، ثم لمَّا ألَّف كتابه «التصوير الفنِّي في القرآن» رأيت فيه فتحًا جديدًا في دراسة القرآن، وكتبت أثني عليه بعدما هجوته وشتمته، ثم كانت المفاجأة لي أني  كنت يومًا في دار «الرسالة» عند الأستاذ الزيات، فدخل رجل رأيته دقيق العود أسمر اللون، هادئ الطبع ساكن الجوارح، يكاد يكون خافت الصوت قليل الكلام، فسلَّمت عليه سلامَ من لا يعرف الآخر، فضحك الزيات، وقال: ألا تعرف خصمك اللدود «سيد قطب»؟

ففوجئت حقًّا، لأني كنت أتصوَّره ضخم الجسم بارز العضلات تقدح عيناه شرارًا، كالمصارع الذي ترونه في المصارعة الحرَّة يضرب رأسه بالحديد ويضرب رأس خصمه بالحديد! 

كنت بادئ الأمر في صفٍّ وكان هو في صفٍّ آخر،كنتُ أنا في صفِّ «الرافعي»، وهو أقرب إلى الجهة الإسلامية، وكان هو في صفِّ «العقّاد» قبل أن يؤلِّف العقّاد كتبَه الإسلامية. ثم اقترب منَّا بكتابه «التصوير الفني في القرآن»، ثم أعطاه الله ما أرجو أن أُعطى نصفه أو رُبعه أو حتى عُشره، فَعَلَا عليَّ وسبقني وصنع ما لم أصنع مثله حين ألف «الظلال»، ثم أعطاه الله النعمة الكبرى التي طالما تمنيتها ولم أعمل لها:-

ترجو النَّجاةَ ولم تَسُلُكْ مَسالكَها … إنّ السّفينةَ لا تَمشي على اليَبَسِ

أعطاه ما كنت أتمناه، أعطاه الشهادة في سبيل الله».

والأعجب في حياة الأستاذ سيد قطب هو علاقته بالرجل الذي أقسم على حمايته وبعدها أعدمه، وهو جمال عبدالناصر فكما ورد في كتاب «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» للدكتور الخالدي ص299:

«أراد رجال الثورة أن يكرموا رائدها الفكري، وفيلسوفها العظيم ليعرف الشعب أهمية هذا المفكر العبقري. فدعوا إلى حفل لتكريمه. وصادف أن كان الكاتب السعودي الراحل(أحمد عبد الغفور عطاء) مؤسس جريدة عكاظ حاضرًا هذا التكريم، والذي كان بعد شهر من قيام الثورة أي في شهر أغسطس (آب) عام 1952م، فكتب عنه في مجلة كلمة الحق، (السنة الأولى، العدد الثاني 1967 م صفحات 37-39).

«وفي الموعد المحدد حضرت معه وكان النادي مزدحمًا بحدائقه وأبهائه الفسيحة. وحضرها جمع لا يحصى من الشعب. وحضر إلى النادي أبناء الأقطار العربية الإسلامية الموجودون في مصر . وكثير من رجال السلك السياسي، وكبار زعماء الأدب والفكر والقانون والشريعة، وأساتذة من الجامعات والكليات والمعاهد».

وكان مقررًا حضور محمد نجيب، وتوليه تقديم سيد قطب، إلا أن عذرًا عارضًا اضطر محمد نجيب للتخلف، وبعث برسالة تليت على الحاضرين تلاها أحد الضباط.

وموجز كلمة محمد نجيب أنه كان حريصًا على أن يحضر المحاضرة، ويفيد من علم سيد. ووصف سيد بأنه رائد الثورة ومعلمها وراعيها.

وبعث نجيب برسالته مع أنور السادات. وأناب عنه جمال عبد الناصر.

وحوَّل الضباط محاضرة سيد إلى مناسبة للاحتفال والاحتفاء به، وبيان مناقبه وبدل أن يحاضر سيد فيهم، صار الخطباء يتكلمون عن سيد ويثنون عليه وهو جالس.

افتتح أحد الضباط الحفل بآيات من القرآن الكريم وقال أحد كبار الضباط:

(كان مقررًا أن يقوم الرئيس محمد نجيب بتقديم أستاذنا العظيم، ورائد ثورتنا المباركة، مفكر الإسلام الأول في عصرنا الأستاذ سيد قطب .ولكن أمرًا حال دون حضوره وأريد مني تقديم الأستاذ سيد قطب، وإن كان في غنى عن التقديم وعن التعريف )

وكان حاضرًا الحفل الدكتور طه حسين، فتقدم وألقى كلمة رائعة قال فيها:

إن في سيد قطب خصلتين هما المثالية والعناد.

وذكر سيدًا وأدبه وعلمه وثقافته وكرامته، وعظمته وفهمه للإسلام… وذكر أثر سيد في الثورة ورجالها. وختم طه حسين كلمته بالقول:-

(إن سيد قطب انتهى في الأدب إلى القمة والقيادة، وكذلك في خدمة مصر والعروبة والإسلام).

ثم وقف سيد قطب، وألقى كلمة مرتجلة، وسط تصفيق المصفقين وهتاف الهاتفين له، وقال عن الثورة (انقلاب العسكر 1952):-

(إن الثورة قد بدأت حقًّا، وليس لنا أن نثني عليها، لأنها لم تعمل بعد شيئًا يذكر. فخروج الملك ليس غاية الثورة. بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام…)

ثم قال سيد: ولقد كنت في عهد الملكية مهيئًا نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضًا. فأنا في هذا العهد مهيئ نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل)

وهنا وقف جمال عبد الناصر وقال بصوته الجهوري ما نصه:

أخي الكبير سيد، والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا جثثًا هامدة. ونعاهدك باسم الله بل نجدد عهدنا لك أن نكون فداء لك حتى الموت…)

وصفق الناس تصفيقًا حادًّا متواصلًا!»

وللأسف تنتهي حياة الأستاذ سيد قطب على يد من تعهد بحمايته، وتم تخييره بين الحياة والموت على شرط أن يكتب اعتذارًا عن ما قدم للإسلام من أفكار أعلت من قيمة من يحملها وأن يصرح بأنه كان عميلًا لأمريكا حتى يزعن للطاغية عبد الناصر فقال: «ماكان لهذا الإصبع الذي يشير بوحدانية الله في اليوم والليلة خمس مرات أن يكتب كلمة اعتذار لظالم. لن أعتذر عن العمل مع الله».

ولم تفلح اتصالات وتدخلات العديد من الزعماء (بمن فيهم الملك فيصل ملك السعودية، ورئيس العراق عبد السلام عارف) والمفكرين والشخصيات والهيئات العربية والإسلامية في إثناء الطاغية المستبد عبد الناصر عن إعدامه، الذي أمرته المخابرات الأمريكية بالتخلص منه فورًا لأن بقاءه على قيد الحياة سوف يغذي ثورة إسلامية تطيح بالاحتلال الأمريكي الجديد لبلاد الإسلام.

ونفذ الإعدام في 29 أغسطس 1966م.

وقال مفتي تونس الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور عن اغتيال العلامة سيد قطب:-

«إنّ تنفيذ الحكم بالإعدام على سيّد قطب يعتبره الموقنون بحقيقة جهاده الإسلامي تتويجًا لحياته، لأن الشهادة في سبيل الله هي أقصى ما يتطلّع إليه أصحاب النفوس الإسلامية المؤمنة المطمئّنة، ولذلك فإن موت سيّد قطب أفرحنا وأحزننا: أفرحنا بما رزقه الله من مقام الشهادة، ونرجو الله أن يجزيه أجر العاملين المستشهدين في سبيله، وأحزننا للفراغ العظيم الذي يتركه في محيط الفكر الإسلامي».

وانتقل الشيخ سيد قطب إلى جوار ربه، ولكنه ترك فكرًا ثائرًا متنورًا عزيزًا، وترك لقاتليه الخزي والعار واللعنة وكانت حياته أطول من حياة جلاديه، وظلت كلماته حيةً تجوب الآفاق، وعبر فكره العالم الإسلامي كله وصار منهجًا لأفراد وجماعات بل دول أرادت تحقيق ما كان يصبو إليه.

قال الشهيد رحمه الله:- «إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة».

وهكذا سيظل الجميع في ذكرى استشهاده يتباكون على هذا النجم الذي كانت تسطع أضواؤه في سماء الدعوة إلى الله.

رحم الله شهيد الإسلام الاستاذ العلم المفرد سيد قطب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد