ينتشر مرض الجرب الجلدي في أماكن المهجرين، وفي السجون، وحتى في المدن، مثلما حدث في الآونة الأخيرة في منطقة مكة المكرمة. أما الجرب السياسي فهو منتشر في دول العالم الثالث، أو النامي، أو بتعبير أدق «العالم المتخلف»!

ويوجد حوالي 300 مليون مريض بالجرب حول العالم[1]. أما الجرب السياسي، فهو موجود في كل دول العالم، ما عدا الدول التي تطبق معايير حقوق الإنسان العالمية، وهي قليلة، وأغلبها في الغرب!

الأعراض

يغزو طفيل الجرب «sarcoptes scabiei» الجسم عن طريق عدوى بالتلامس المتكرر مع مريض الجرب، أو باستخدام أدواته ومتعلقاته، مثل الفوطة أو الملابس، أو النوم على سريره، أو ممارسة الجنس معه.

أما طفيل الجرب السياسي فيغزو البلدان بانقلاب عسكري، والذي يُسمى بعد ذلك «بثورة»، أو بتسلط عصابة مسلحة تُكَّون بعد ذلك «حكمًا ملكيًّا غير دستوري» يتوارث حكمًا سماته الطغيان والديكتاتورية والفساد، أو بانقلاب مسلح عنيف لجماعة إرهابية أو طائفية.

وفترة الحضانة «Incubation period» لمرض الجرب هي من اثنين إلى ستة أسابيع. وأثناء هذه الفترة، ما برح طفيل الجرب يحفر أنفاقا في الجلد، ويضع بويضات في أماكن متفرقة من الجسم. وتنقضي فترة الحضانة ثم تبدأ صرخات المريض من الحكة شديدة، وخاصة بالليل والجسم دافئ، والحكة تكون في أغلب أجزاء الجلد ما عدا الوجه وفروة الرأس، والحكة العنيفة وبكل الجلد حتى بالرأس والوجه في حالة مريض «نقص المناعة المكتسب» الإيدز والأطفال من عمر يوم حتى سنة.

وفي حالة الجرب السياسي، فإن العصابة الانقلابية تستولي على مقادير البلاد ومؤسساتها وثرواتها، وتحفر أنفاقا وجيوبًا فيها، وتزرع فيها عملاءها «القاضي تحت الطلب، ومجلس النواب الذي يُدار بالريموت كنترول وأدوات قمعية من محاكم عسكرية، ومحاكم أمن دولة، وسجون وأقسام شرطة عبارة عن سلخانات لذبح المعارضين والشرفاء وكل مواطن حر»، وأخيرًا تُكَّون «دولة عميقة» عبارة عن سوس ينخر في أساس المؤسسات، وحتى في كل شبر من البلاد!

وبعد استقرار طفيل الجرب في الجلد، فإنه يبدأ في عملية التبويض، ثم يفقس البيض بجيل جديد من طفيليات الجرب تغزو أماكن جديدة من الجلد، لتتغذى على بروتين الجلد، وخاصة البروتين «الضاني»، والموجود بين الأصابع وحول السرة والبطن والأعضاء التناسلية والأفخاذ والأرداف، أما جلد الكفين وباطن القدمين فلا يقترب طفيل الجرب منه؛ لأنه سميك وغير مغذي «لحم جملي»، بالإضافة إلى أنه غير دافئ «مُعرى».

وفي حالة الجرب السياسي، فإن العصابة المستولية على الحكم ما فتئت تمص خيرات البلد وثرواتها، وتجرفها وتحولها إلى بنوك سويسرا وأخواتها لتنتظرها هناك؛ فربما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتنقلب عصابة أخرى على الحكم.

وما فتئت أيضًا تجرف التعليم من محتواه وأهدافه، وتغيب الوعي لدى الجماهير، وتحارب أصحاب العقول الذين يفرون خارج البلاد إن استطاعوا الهجرة، وترسخ الجهل والتخلف والأمية؛ لأن الشعب الجاهل سلس القيادة، وترسخ دولة الخوف وزوار الفجر، وتبث الرعب داخل نفوس الجماهير، وتثبتْ الفقر والعوز والحاجة؛ لأن الشعب الفقير يلهث وراء لقمة العيش، ولا يفكر ثمة تفكير في أي شيء آخر، إنما يصرخ ويصرخ مما يلاقيه ويعانيه من العصابة الحاكمة بأمرها، وتنشر العشوائية في كل شيء حتى في اللغة؛ لأن العشوائية تهدر الكرامة وتفرز كل الأمراض الاجتماعية، مثل التحرش الجنسي، والاغتصاب، وحتى الانتحار، وتنشر المخدرات لأن الشعب المسطول سلس القيادة و…؛ وأخيرًا تتحول الدولة إلى زريبة![2]

وإذا كان الجرب الجلدي معديًا للغير، فإن الجرب السياسي معدٍ أيضًا من دولة لأخرى؛ وانظر إلى قارة أفريقيا وكيف كانت تُعد مهد الانقلابات العسكرية بسبب كثرة الانقلابات العسكرية «المعدية» من دولة إلى أخرى، وانقلاب السيسي ليس عنا ببعيد!

العلاج

علاج مرض الجرب لا يفيد فيه أنصاف الحلول، وبمعنى آخر يمكن أن نقول إن معادلة العلاج من هذا المرض اللعين «صفرية»؛ فإما الطفيل يُترك ليتطفل على الجسم ويتغذى على بروتينه ليترعرع أكثر وأكثر، وتزداد ذريته تناسلاً وتكاثرًا وشراسة وعدوى للآخرين، وإما أن يُقضى عليه نهائيًّا حتى يُقطع دابره تمامًا.

والبلدان المبتلاة بالحكام المتطفلين عليها، وعلى شعوبها وثرواتها، في حاجة شديدة أيضًا للعلاج الجذري من أولئك الحكام الطفيليين، والذين لا ينجع معهم أي أنصاف حلول.

وأطباء الأمراض الجلدية يصفون «مرهمpermethrin 5% » لعمر شهرين فما فوق، ويغسل بعد 12 ساعة من الجسم بحمام، ويعاد دهان هذا المرهم بعد أسبوع، مع غلي الملابس وكل متعلقات المريض مثل الفوطة وغيرها، مع قص الأظافر، وتجنب الاتصال الجنسي حتى يتم الشفاء.

وتوجد مراهم أخرى، وحتى طرق أخرى للعلاج من الجرب مثل استخدام حبوب Ivermectin.

أما الحكام الطفيليون فلا ينجع معهم سوى استئصالهم تمامًا بثورات شعبية عنيفة، أو بانقلابات عسكري لصالح الشعب «نموذج سوار الذهب في السودان»، والأخير نادر جدًّا؛ لأن الحرية لا تمنح لأي شعب، إنما تنزع نزعًا من مخالب الطغاة.

———————-

[1] إن ثمن الحرية غالٍ ونفيس.

[2] انظر إلى مقالنا جمهورية زريبة العربية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد