عند انتصار الديموقراطية وبداية أفول نجم الشيوعية تم تصوير الأخيرة على أنها شر مطلق وعنف مطلق، ولا يمكن أن تكون إلا بالصيغة الأسوأ إذا ما أريد تطبيقها، وفي تصوري أن هناك قابلية للشيوعية وللديموقراطية الاتجاه صوب العنف أو الاتجاه صوب الاعتدال في التطبيق، فالحديث عن الاعتدال في الشيوعية اليوم لا يعدو كونه محاولة بائسة لتجميل ذلك الوجه القبيح الذي في يوم من الأيام حكم جزء من جنوب الجزيرة العربية، اليمن الجنوبي، الذي خرج من الاحتلال البريطاني لتختطفه زعامات الحزب الاشتراكي. إن مفهوم الاشتراكية الذي وصل زعماء الحزب الاشتراكي اليمني لم يطبق كما طبقه زعماء الاشتراكية – على ديكتاتوريتهم- بل كانوا أشد منهم وأسوأ، فحكم الحزب الواحد والفرد الواحد ديكتاتورية مستبدة لم ينادي بها ماركس ولا لينين اللذان نقل عنهما أن: مذهبهما ليس جامدًا، بل هو مرشدٌ للعمل.(1) وقابل للتحديث مع ماجريات الواقع والتاريخ. ولا أدل على ذلك مما حدث بعد ثورة المجر 1956 التي اعتبرها الاشتراكيون ثورة مضادة وتم سحقها، ولكن الذي حصل بعدها أنه أجريت نقاشات ومراجعات واسعة بين المثقفين الماركسيين وقادة الأحزاب الشيوعية، حيث طرحت خلالها أفكار كثيرة حول موضوع الديموقراطية والتعددية في الاشتراكية، ولعل كلام الزعيم الشيوعي الإيطالي “بالميرو تولياتي” الذي وجه نقدًا صريحًا على عهد ستالين وبعد أحداث المجر بأن: ما كان يحصل في الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين، وما حصل في المجر وطريقة معالجته، إنما يعبّر عن الخلل القائم الكامن في النظام الاشتراكي ذاته. ووصفه بأنه خلل بنيوي في التجربة الاشتراكية كما تمارَس الفعل.(1) إن لغة كهذه في ظل الحكم الاشتراكي لا يمكن تصديق أنها كانت تُسمع أو أن تجد لنفسها فضاء للنقاش والمداولة، ولكن رغبة المثقفين وفلاسفة الشيوعية في المركز الأم للشيوعية العالمية كانت لديهم تلك المساحة للتعبير عن آراءهم ونظرياتهم، بيد أن هذا لم يكن في الأطراف التابعة للمركز الأم، فاليمن الجنوبي الذي مثَّل طرفًا أو هامشًا لم يكن ليستطيع عامة المثقفين والمفكرين فيه في إبداء آراءهم أو محاولة تفسير المبدأ الشيوعي وفقًا للعرف العام والثقافة العامة للشعب آن ذاك. (فكل محاولة “لفرض السعادة” على شعب من الشعوب خارج إرادته وخارج وعيه، وتجاوز القوانين الموضوعية في هذا الاتجاه تحت أي شعار ومن أجل أي هدف، لا بد أن يعاقب مرتكبوها، سواء كانوا أحزابًا أم أنظمة حكم أم كانوا أصحاب أفكار علمانية إصلاحية أم كانوا أصحاب أفكار عقائد دينية أو حتى أصحاب أفكار عظيمة.)(1)

يحصل أن تتحول الأفكار إلى عقائد ومن ثم ترقى لأن تكون دينًا يدين به المؤمن بها بوصفها الإله وبمن يقوم بها بوصفه النبي، فلم يدرك الاشتراكي اللبناني “مروّة” لِمَ صمد عند موقفه السياسي والفكري واستمر في الانتماء إلى الشيوعية بعد أحداث المجر، إذ أن الذي ظهر له – فيما بعد- مدى دور الاقتناع الفكري عند الإنسان في استلاب الأفراد. (فحتى الماركسي بالمعنى الفلسفي المادي للإنتماء، يتحول إلى ما يشبه حالة الفرد المؤمن بدين من الاديان.)(1) ونقل في ذلك عبارة لإنجلز يقول فيها أن: الأفكار العظيمة، ومن ضمنها الفكرة الشيوعية، إنما تصبح، في فترة انتشارها بين الجماهير، أشبه بالعقيدة الدينية. “فمروة” رغم اقتناعه التام بالكوارث التي وقعت على المجريين إبان ثورتهم وبالأخطاء الفادحة أن يتزعزع إيمانه بها، ولم يشك في الشيوعية كفكرة، بل أنه خشي أن سقوطها سيفضي إلى فوضى لا يمكن احتواءها، ولهذا كان يذهب نحو الإصلاح الداخلي في المشروع رغم ما رآه من أحداث المجر ووأد ثورة بولونيا حينها.

إن آلية التطبيق عند الحزب الاشتراكي اليمني خضعت لفهم الزعيم وقتها ولرغبته الشخصية ومصلحته، فمثلًا، لغة عبد الفتاح اسماعيل مع المخالف له هي (العنف) الذي “يفرض السعادة” على الشعوب كما قال مرة. والذي بدوره – أي العنف – يحقق البهجة لبسطاء الناس، يقول: العنف ما نفع معه إلا العنف / فالعنف الإنساني / تشرق منه طريق السلم / تخلق منه أفراح البهجة / تترعرع كنوز الخير / ويضمن بسطاء الناس / الخبز والكرامة / فينتصر ضمير الشعب / وتمضي البشرية / على نفس الدرب.(2) وصف “سلام عبود” يفسر عن طبيعة تلك المرحلة وطبيعة جنس هذا النص الذي لم يطلع عليه ولكنه قريب مما كتب عنه، يقول: هذا المناخ المرعب، لم يكن أحد يفكر في الشعب ككيان اجتماعي تاريخي، وكقضية وطنية. كان إلقاء الحطب تحت مرجل الدم هو الوسيلة الوحيدة، الحاسمة، الموصلة إلى السعادة الاجتماعية في نظر الجميع.(3)

كان زعماء الحزب الشيوعي في اليمن الجنوبي ماركسيون أكثر من ماركس وشيوعيون أكثر من أي شيوعي في العالم، فقد نحى هؤلاء الزعماء صوب التطرف الحاد في سبيل ترسيخ المباديء الشيوعية، فأُقيم على إثر ذلك “مدارس خاصة جديدة لتعميم الثقافة العقائدية الماركسية في مدارس تعرف بمدارس العلوم الاشتراكية، ومدارس سالمين للبدو الرحل، والنجمة الحمراء، والزحف الأحمر، والشعلة، والبروليتاريا. وتم حظر المساجد باعتبارها “أوكار” للتآمر الأمر الذي جعل الناس يعتكفون فى بيوتهم لأداء فريضة الصلاة ، وأصبحت المساجد خالية من المصلين إلا من بعض الشيوخ من كبار السن والعجزة والمساكين الذي يؤمون المساجد (الخربة) للصلاة وللتسول أو النوم.(4)

ذات العنف بدرجة أقل أو أكثر نقرأه عند “سلام عبود” في كتابه (ثقافة العنف في العراق) الذي ناقش فيه طريقة تعبير الكاتب العراقي عن ذاته إبان حكم البعث الاشتراكي، (من يود أن يرسم تاريخا للعنف في بلادنا لن تعوزه الحيلة أبدا) بهذه العبارة المرعبة ابتدأ أحد فصول كتابه ليصطحب القارئ بعدها في رحلة تشم فيها رائحة الموت في كل كلمة، فلاحظ أن من يقرأ الأدب المعاصر يجد أن “الشعر” أول من سجل (فورة الدم التي كانت تغلي في جسد الواقع) ففي قصيدة سعدي إبراهيم (الدم في الشوارع) التي ابتدأها بسؤال (من يغسل الدم في الشوارع؟) ندرك كيف كان التطبيق الذي نظّر له عبد الفتاح اسماعيل عندما قال في قصيدته السالفة الذكر (العنف ما نفع معه إلا العنف) وندرك أن التشابه بين النموذجين على بعد المسافة الجغرافية بينهما كان كبيرًا جدًا لدرجة أن ما عبّر به السياب -وهو شاعر عراقي- من أن الدم كان (سيد الموقف)، ففي مطلع قصيده له يقول: الموت في الشوارع / والعقم في المزارع. وبمعنى آخر أن للسلطة الحق الكامل في تسخير من تحتها لخدمة ما تؤمن به، أو ما يؤمن به الزعيم حصرًا.

إن فكرة (العنف المبرر) فرعونية بامتياز، فهي تعطي الحق الكامل والمبرر للمستبد بأن يفعل ما يراه يحقق المصلحة العامة في رأيه الشخصي، فرعون قال لقومه (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد)، احتكار الحق في شخص والهداية والرشاد للشعوب لا يطمئن باستقرار في المستقبل بل هو نذير بأن تلك الشعوب على موعد مع الدماء، وفي هذا جعل فرعون مخالفيه مهددين للمجتمع ككل لا لشخصه فقط، فموسى -عليه السلام- يريد أن (يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) وموسى فرد واحد، وفي الاشتراكية كان مخالف الثورة يوصم بمحاولة “إعادة الامبريالية” وفي الديموقراطية كان مخالفها يوصم “بالإرهاب”، كتب “توماس ماثيس” أن: “مفهوم الإرهاب” مفهوم معقد، وبقدر ما ينص عليه التعريف، يعتمد الإرهاب إلى حد كبير على وجهة النظر السياسية.(5)

لقد أخذ العالم العربي أسوأ ما في التجربتين الاشتراكية والديموقراطية من الغرب، فطبقها بدون إجراء مراجعات داخلية عليها والذين قاموا بتطبيقها لم يكونوا بالقدر الكافي لتحقيق مبادئها، وعلى أننا نرفضهما ولا نعدهما صالحتان للعالم العربي إلا أن الإنصاف واجب علينا في طرحنا الذي نسعى لأن يكون موضوعيًا، فالاشتراكية على علّاتها وجدت من يراجعها ويجدد في بنيتها ومضمونها، والديموقراطية بحكم أن فضاء الحرية فيها واسع ولا محدود فإن قابليتها للتحديث كانت عادةً ما تسبق زمانها، لهذا كان عمر الاشتراكية والديموقراطية في الغرب أطول من عمرهما في العالم العربي، فأخذ المستبدون شعار الاشتراكية وشعار الديموقراطية ومارسوا أشد أنواع التنكيل والتعذيب بالشعوب، وعند تقييمنا للديموقراطية في العالم العربي لا نكتفي بالنظر فيما حققته من نزاهة في انتخابات بلدية أو رئاسية أو حريات عامة وكرامة للإنسان، وإنما ننظر إليها كمنظومة قيمية أخلاقية ذات بعد علماني إذا ما تحقق كله في بلد قلنا أن ذاك البلد حقق القدر الذي يجعلنا نسميه ديموقراطيًا، وعليه نجري أحكام الديموقراطية بشكل طبيعي، بيد أن الذي وصلنا منها كان شعارها فقط. درجات العنف في الشيوعية والديموقراطية تتفاوت في العالم الغربي وفي العالم العربي، ويرجع ذلك في تصوري لضابط مهم جدًا وهو الجمعيات الحقوقية والنقابات العمالية والصحفية…إلخ، وكون المنظومة ككل تعمل في دائرة تأخذ الطابع التكاملي لا الطابع الهرمي، فلعب دورها التكاملي دور التخفيف من حدة الاستبداد ومن قابلية العنف في المجتمع الغربي كثيرًا، بينما في العالم العربي كان هذا الضابط عديم المنفعة، مشلول تمامًا، لا يستطيع تنظيم تظاهرة أو رفع مظلمة أو تحقيق مصلحة، ولهذا عندما افتقد العالم العربي هذا الضابط تحولت الشيوعية التي تدعو إلى نصرة البروليتاريا إلى ديكتاتورية توظفهم في خدمة الحزب الواحد والزعيم الواحد، وتحولت الديموقراطية التي تدعو للمساواة والحرية إلى ديكتاتورية مستبدة عنيفة تستأثر فيها قوى متحكمة بالثروات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) أفكار حول تحديث المشروع الاشتراكي. كريم مروة. ص: 19-20، 109 بتصرف، 112، 106.
(2) نجمة تقود إلى البحر. عبد الفتاح اسماعيل . ص: 43
(3) ثقافة العنف في العراق. سلام عبود. ص: 170
(5) ما وراء 11 سبتمبر . مجموعة مقالات، فل سكراتون. ص: 172
عرض التعليقات
تحميل المزيد