هل جربت مرة أن تكون بلا عقل؟ حسنًا! لقد جربت كثيرًا أن تكون دماغي فارغة تمامًا كأني وضعت عقلي بالخارج، فأصبحت أشعر باللاشيء، اللا أمر، اللامنطق، كل شيء من حولي فارغ من مكنوناته، الأمور لا أشعر بها، حتى ذلك الشيء المُسمى «فرحًا» بات شيئًا عاديًا لا يتعدى عن كونه مناسبةً لطيفة فقط.

أحسست مرة كأني أعافر تمام المعافرة لأصل إلى ذاتي، وكأنني أُبعدت عنها قهرًا ذات مرة، ولا أعلم لماذا ولا كيف؟ ولكن أعلم جيدًا أنني أصبحت خارج جسدي، ولا أعلم من فينا «أنا» بذاتها الجسد أم الروح، الجسد يتحرك في كل مكان، ويذهب إلى هنا وهناك، حيث الدراسة والأصدقاء والأهل، والروح تقبع كما تركتها آخر مرة شريدة تائهة.

لا يفهمون، نعم تلك هي الحقيقة أنهم يغفلون عن إدراك ذاتك طالما بقيت في غربتها بعيدة عنهم، لا يفهمون لمَ تبتعد، ولماذا تتصرف بكل هذا العنفوان وكل هذا الضيق! وهم لم يفعلوا أمرًا سوى محاولة المساعدة، يخفى عليهم كثيرًا أن المساعدة تكون بالوجود فقط، وكأن صمتهم في حرم جمال الوجود جمال، فيتحدثون كثيرًا عنك وعن وجوب خروجك مما أنت فيه، وهم يغفلون عن تلك النقطة العميقة التي وجدت، يغفلون عما مررت به كثيرًا في شعورك ولم تتحدث عنه.

تنهيدة قوية! تقول لي صديقتي لأن البعد موحش، والديار بدوني خراب، لكن هي لا تعرف أنني في البعد أفضل، أستوحش عنهم لأبكي طويلًا وأنا التي لا تحب البكاء، أتغيب لأبحث عن ذاتي الضائعة في سراديب النفس وغياهب الوجود التي ضاعت في كثرة الحديث معهم، ومحاولة التوضيح كثيرًا أني تعبى بدون طائل من الفهم، الأمر عادة يفهم على أنه الكثير من الشكوى لكن، مللت الحديث عن هذه الأمور.

لكن على كل حال لقد قال لي في إحدى أحاديثه إن كل شيء سيصبح على ما يرام إذا لم أعبأ، أصدق حديثه هذا، أن تعبأ بكل شيء فهذا يعني أن تصبح كالمجنون، تركز في تفاهات الأمور وهوامشها، أما أن تترك الأمر وكأن شيئًا لم يكن فهذا أكثر راحة تشعر أنك هادئ إلى حد كبير، وأن الأمر سكن بداخلك، الرضا هو أن تشعر بتمام السعادة لما تمر به، وترضى بما قُدّر لك على كل حال، وتتيقن في أنه كان الأفضل ولا أفضل سواه، هكذا قرأت.

ما خلُص إليه الأمر أن نفسي تستحق العناية بها أكثر من ذلك، وأنه لا يعبأ بك مثل نفسك، وأن قراراتك لا يتحمل تبعاتها إلا أنت، فخذ ما يريحك منها بقوة واضرب في الأرض طريقًا لا تخاف فيه دركًا ولا تخشى، هكذا أفضل ستحسب أنك بخير كثيرًا إذا ما تحملت عواقب ذلك القرار الذي طالما كنت تريد أن تأخذه وخرجت منه بكامل قوتك، العثرات لا تُوقع كما كنت تحسب وأنت صغير، العثرات فقط تنبهنا إلى ما امتلأ به الطريق من الشعث والغبار، فإذا وقعت في واحدة فستنتبه لباقي الطريق، العثرات تجعلنا أقوى، لكن الأهم على كل أمر أن تقف من عثرتك سريعًا، وأن ترمي بكلامهم عن ضعفك وخيباتك عرض الحائط، فقط حديثهم سيوقعك ونفسك سترفعك، لا تسمع سوى من هؤلاء الذين اختاروا رفقتك طويلًا، ولم يقعوا في منتصفات الطرق، الذين وافقوك حين خالفك الجميع، حينما علموا منك القوة في ذلك الوقت الذي راهن فيه الجميع على ضعفك، واعلم أنمَا أنت بعثراتك وهواجسك وخطراتك ذلك القوي من نفسك، فافعل ما تمليه عليك نفسك، ودع عنك خوفك ذلك الذي جعلك تتراجع مرارًا حتى تشبثت بالعثرات، وظننت حينًا أنها الطريق لشدة غفلتك وخوفك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد