لا شك أن في دراسة تاريخ الأمم والمجتمعات له فوائد جمة، وكثيرة، أهمها أخذ العظات والعبر من دروسه ثم إستنباط وتوقع وتنبؤ أحداث المستقبل، فالتاريخ ماهو إلا صفحات متشابهة تتكرر فيه الأحداث وما يختلف فيه إلا الأسماء والأدوار، فتارة تري القوي ضعيفًا، ثم تدور الدنيا وتتداول الأيام وتري الضعيف قويًا، ومن كان صديقًا بالأمس يصبح عدوًا اليوم، ومن كان عدوًا اليوم يصبح صديقًا بعد غد بحسب المصالح والظروف التي تفرضها الحقبة التاريخية على البشر وهكذا.

وأهم قاعدة أرساها رب العالمين، وصارت ناموسًا من نواميس الكون هي هلاك المستبدين والظالمين والمجرمين وكل من ادعى الألوهية أو حتى ظن أنه ظل الإله في الأرض، ولم يقم بالقسط والعدل بين الناس فهذه من مسلمات الكون ولن يخلوا تاريخ أمة من الأمثلة الدالة على ذلك.

وكذلك فإن من متلازمات الاستبداد التي تلحق به وتتابعه ولا يمكن لأي حاكم ظالم متجبر الانفكاك منها أو الابتعاد عنها أو حتى محاولة التبرؤ منها وهي متلازمة الفساد.

والفساد بمعناه الأشمل والأوسع هو ذات المعني الذي قصده العلامة ابن خلدون في مقدمته لعلم الإجتماع وسماه الظلم وأطلق قاعدته الذهبية الشهيرة التي تمثل منهج في علم الديموجرافيا (علم توزيع السكان) وعلم النفس المجتمعي وهي أن (الظلم مؤذن بخراب العمران)؛ لأن هذا الظلم وهذا الفساد مثل الغول الذي يأكل مقومات التقدم والازدهار وينشر في ربوع الأمة مظاهر الجهل والبدائية والفوضوية والعشوائية، ولا يترك البلاد إلا وقد رجعت قرونًا للوراء وكأنها تغرق في بحر من الأوحال.

إذا ما نظرنا إلى الحالة العربية والإسلامية التي تحياها الأمة فيما بعد المحطات العصيبة التي سجلها التاريخ مثل: (سايكس/بيكو 1916) و(لوزان 1923) و(قرار تقسيم فلسطين 1947)، ثم الانسحاب المادي العسكري الفرنسي البريطاني من البلاد الإسلامية، ثم ملء هذا الفراغ من خلال التوغل الأمريكي الصليبي الذي قام على الاستفادة من آخر صيحات الاحتلال الصليبي للعالم الإسلامي، وهو الاحتلال الفكري والتغريب والعلمنة الذي مثّل أبشع وأصعب حلقة تاريخية تحياها الأمة منذ سقوط الدولة العثمانية في العام 1923 وحتى وقتنا الحاضر.

فالدول الإسلامية أصبحت محتلة بالوكالة، وتم الضحك على الشعوب بنعرات قومية وحدود وهمية وعبارات براقة كالذهب، ولكنها مزيفة مثل الاستقلال والسيادة وحق تقرير المصير والجلاء، وأصبح لدي كل قُطر إسلامي نشيد وخرقة قماش ترفرف في سمائه وجيش وطني فاخر لا يحمل قادته ولاءً إلا للسفير الأمريكي، أو الفرنسي، أو البريطاني، ونخبة تدعي الثقافة والعلم، وما هي إلا عصبة عميلة مجرمة ممولة باعت تراثها الإسلامي وتخلت عن أمجاد الماضي وصارت مسخ بشع لا هي استفادت من الشرق، ولا حتى احترمت القيم التي يدعيها الغرب، وبعد ما كانت أقطار الإسلام جزءًا من الإمبراطورية الإسلامية العظيمة التي أرهبت أوروبا وما عداها طيلة 600 عام صرنا إلى ما صرنا إليه بغفلتنا وحماقتنا وجهلنا وعدم وعينا وعدم قراءتنا للتاريخ قراءة جيدة.

ولكن من سنن الله في الأرض أيضًا الاستبدال والاستخلاف وتنقية النوع فجيل الجاهلية تلاه صدر الإسلام، ثم بعد ارتقاء الوعي وسمو المنهج ووضوحه والإيمان به، وعلو روح الاتحاد تلا ذلك الفتح، ثم بعد الرسوخ والتمكين بدأ الانتشار والتوغل والازدهار والقوة ثم لما بلغ العقل الإسلامي ذروة سنامه أصبح يتصدر أستاذية العالم، ثم لما بدأ التخلي عن عناصر القوة المتمثلة في التمسك بالعقيدة وتمجيد وتعظيم العلم وعدم الثبات على المبدأ صرنا إلى الانحدار.

وها نحن اليوم وقد وعينا اللعبة، وفهمنا أن الاحتلال لم يزول، وأننا لا نملك قرارنا ولا مصيرنا، علمت الجماهير وأدركت أن وطننا الإسلامي قد قسمه أعدائه إما إلى إمارات نفطية يقوم على رأسها ثلة من عملاء الغرب يتحكمون بأموال المسلمين وينفقونها على حرب الله ورسوله صباح مساء، وإما جمهوريات ظلامية على رأس كل منها طغمة عسكرية تأتمر بأمر أسيادها من الصهاينة والأمريكان.

وأصبحت بلاد المسلمين بركان يغلي وينتظر لحظة الإنفجار العظيم الذي سوف ينتج عنه ثورة دموية وفوضي ليس لها مثيل وسوف يكون لها ثلاثة سيناريوهات على الشكل التالي:

السيناريو الأول: كما حدث في تشيلي، وتركيا، وباكستان، والسودان، بعد الانقلابات الدموية التي قادها جنرالات في هذه البلاد، ثم حكموها بالحديد والنار، ثم تغير الحكم نتيجة الثورة، أو انتقال حكومة ديمقراطية تمثل ضمير الشعب، تم ملاحقة هؤلاء المجرمين ومحاسبتهم على ما فعلوه في البلاد، فالجنرال بينوشيه قائد انقلاب تشيلي تم ملاحقته قضائيًا، وبعد وضعه رهن الإقامة الجبرية بأربعة أيام مات، وذلك في العام 2006.

أما الجنرال كنعان إيڤرين قائد الانقلاب التركي الدموي سنة 1980حيث تم إصدار حكم بحقه بالسجن المؤبد في عام 2014، ونقل بعد ذلك إلى مستشفى عسكري؛ لسوء حالته الصحية وتوفي بتاريخ 10 مايو (أيار) 2015.

أما الجنرال برويز مشرف الذي إنقلب على قائده نواز شريف في العام 1999في باكستان، فقد أخذ حظه من السلطة، ثم جاءت لحظة الحساب، وتم القبض عليه وتوجيه تهمة الخيانة العظمي له للانقلاب على الدستور والقانون، وأصدرت المحكمة الخاصة في إسلام أباد حكمها عليه بالإعدام 17 ديسمبر (كانون الأول)  2019.

أما الجنرال البشير الذي انقلب على حكومة الصادق المهدي في العام 1989، ولم يسلم السلطة لحكومة منتخبة كما فعل الجنرال عبود وأحمد سوار الذهب، بل انفرد بالسلطة وقام الشعب بالثورة عليه وقام الجيش السوداني بالانقلاب عليه وخلعه في 11 أبريل (نيسان) 2019، وتم القبض عليه وتم توجيه له تهم تتعلق بالفساد وقتل المتظاهرين.

السيناريو الثاني: وهو الانقلاب على الانقلاب وتصفية المنقلب كما حدث في سوريا لما انقلب حسني الزعيم في 29 مارس (أذار) 1949، ثم حدث انقلاب سامي الحناوي في 14 أغسطس (آب) 1949، تولى فيه سامي الحناوي السلطة بعد أن نفذ حكم الإعدام بالرئيس حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي.

السيناريو الثالث: وهو الذي حدث برومانيا عام 1989 بالطاغية تشاوتشيسكو وزوجته إلينا اللذين حاولا الفرار من العاصمة في طائرة هليكوبتر إلا أن الجيش الروماني ألقي القبض عليهما لاحقًا، ثم عقدت محكمة عسكرية خاصة وسريعة في 25 ديسمبر، وتمت إدانتهم بتهمة الإبادة الجماعية وتخريب الاقتصاد الروماني في محاكمة شكلية استمرت لساعة واحدة تقريبًا، ثم تم إعدام تشاوتشيسكو وزوجته على الفور رميًا بالرصاص وتم إذاعة الإعدام على التليفزيون وذلك لمحاولة امتصاص غضب الجماهير.

وهكذا فإن الانقلابات العسكرية دائمًا ما يكون مصيرها الفشل والخسارة، ولا طريق غير ذلك، وها نحن ننتظر الأيام المقبلة التي سوف تحمل خبر النهاية الذي بات وشيكًا جدًا حيث أن كل عوامل ومقومات وأسباب الثورة موجودة على الأرض ولن تستطيع أجهزة المخابرات الغربية والخليجية الالتفاف على الثورة أو احتوائها ليقظة الجماهير ووعيها، وانتهاء الدور الحضاري لأمريكا والغرب بعد نفاد رصيدها عند المسلمين وانكشاف دورها الحقير في دعم الاستبداد وقتل المصلحين في الأمة، وإن غدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد