عندما تفجّرت الاضطرابات التي شهدتها مناطق إقليمي: أوروميا، وأمهرا، في إثيويبا خلال أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، سارعت حكومة هايلي مريام ديسالين إلى اتهام مصر وإريتريا بالوقوف وراء الأحداث التي كادت تعصف بالدولة الأكبر مساحة في إفريقيا جنوب الصحراء.

الاتهامات التي وجهتها أديس أبابا إلى كلٍ من مصر وإريتريا لم تأتِ من فراغ، فالأولى تخوض معها حربًا باردة على خلفية سد النهضة الذي يتواصل العمل فيه بوتيرة عالية وقد اقترب من النهاية، حيث من المفترض أن يتم تدشينه قبل نهاية العام الجاري، بالرغم من الاعتراضات المصرية، أما إريتريا، فالخلاف الإثيوبي معها قديم، إذ خاضت الدولتان: إثيوبيا وإريتريا، حربًا دامية استمرت ثلاث سنوات؛ إثر نزاع على الحدود صعّدته الحكومة الإريترية بحجة أن استقلالها عن إثيوبيا انتزع منها أراضٍ وطنية.

لكن حكومة أديس أبابا واجهت اضطرابات أوروميا وأمهرا بشجاعة تُحسد عليها، إذ اعترفت أولًا بوجود مشكلة حقيقية لم تستخف بها كما فعلت وتفعل بعض الدول الإفريقية، الخطوة الثانية تمثلت في إعلان حالة الطوارئ في البلاد لمدة ستة أشهر، بعد ذلك شكّل رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالين، حكومة جديدة من التكونوقراط،راعى فيها التمثيل المتوازن لمختلف المكونات القبلية خصوصًا التي كانت تعتبر أنها مهمشة من حزب الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية الحاكم.

أتى تشكيل الحكومة الجديدة في إثيوبيا مفاجئًا لكثيرين، فعلى الرغم من الانتقادات التي توجه لنظام الحكم هناك، خاصة على صعيد حقوق الإنسان والممارسة السياسية، إلا إن التنازلات التي قدّمها الحزب الحاكم في التشكيل الوزاري الجديد لم يتوقعه المراقبون؛ ربما لأن الجبهة الديمقراطية تسيطر على مقاليد الأمور في إثيوبيا لما يزيد عن ربع قرن، ومن الصعوبة بمكان لحزب حاكم أن يتنازل عن السلطة بسهولة، دون أن يتعرض إلى ضغوط شديدة، خصوصًا في إفريقيا!

المهم، أن الإجراءات التي اتخذتها حكومة ديسالين كانت كفيلة بتهدئة الأوضاع وتهيئة المناخ لقيام مصالحة وطنية يجري العمل عليها منذ فترة. الأمر الذي تسبب في خيبة أمل للذين كانوا يروجون إلى أن الاضطرابات التي شهدها إقليما: أوروميا وأمهرا ستوقف العمل في بناء سد النهضة.

في هذه الأجواء اتجهت الأنظار إلى مصر المتضرر الأول من قيام سد النهضة، حسب الرؤية المصرية، حيث استقبلت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الرئيس الإريتري أسياس أفورقي. ولفت مراقبون إثيوبيون إلى أن زيارة أفورقي تأتي ضمن تحالفٍ مصرى- إرترى ضد بلادهم . يعضدون تلك الرؤية بأن مصر دفعت ببعض جنودها منذ 2011م إلى إريتريا لتكون قريبة من الحدود الإثيوبية ونظرتها إلى أن ذلك هو السبيل الوحيد لمواجهة إثيوبيا وإثنائها عن إكمال بناء سد النهضة الألفية.

وترمى زيارة أفورقي إلى الحصول على الدعم العسكرى المصري، حسب وسائل إعلامية إريترية معارِضة، إلى جانب رغبته في بناء موقع قيادة متقدم فى تسرونا، وهى منطقة مواجهة حدودية بين إثيوبيا وإريتريا، وتبعد 75 كيلومترًا فقط جنوبى العاصمة أسمرا؛ مما قد يشكل تهديدًا خطيرًا لبقاء النظام الإرترى. أيضًا، هناك حديث عن تعاون بين البلدين مصر وإريتريا فى دعم المعارضة المسلحة الأثيوبية، خاصةً إثنيتى أورومو وأمهرا.

الشئ المحير هو العداء الشديد الذي يكنه نظام أسياس أفورقي لإثيوبيا، على الرغم من كون رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زناوي لعب دورًا في استقلال إريتريا عن بلاده، مع العلم بأنهما، زناوي وأفورقي، ينحدران من قومية واحدة مشتركة بين الدولتين، هي قومية التيغراي، حتى بعد رحيل زناوي أبدى خلفه ديسالين استعدادًا لزيارة أسمرا وتطبيع العلاقات بين الدولتين حفاظًا على العلاقات التاريخية والتداخل القبلي، لكن المشكلة تكمن في أسياس أفورقي الذي يرفض التقارب مع أديس أبابا بشكل قاطع.

ما يعزز نظرية سيناريو محاصرة إثيوبيا أيضًا، الزيارة التي قام بها رئيس جمهورية جنوب السودان سيلفاكير ميارديت، إلى مصر الأسبوع قبل الماضي. ولا يمكن النظر إلى زيارة سلفاكير بمعزل عن الجولة التي قام بها السيسى إلى كل من الجابون وأوغندا خلال الأشهر الماضية؛ لبحث تعزيز التعاون المصرى الإفريقي، حسب وسائل الإعلام المصرية. وربما تأتي التحركات المصرية ردًا على التقارب بين إثيوبيا ودول الخليج الذي برز في الآونة الأخيرة.

مخاوف إثيوبيا من التعاون المصرى الأوغندى مع جنوب السودان، تبدو واضحة، خصوصًا إن الحدود الإثيوبية منطقة جامبيلا، متاخِمة وقريبة جدًا من جنوب السودان الدولة المضطربة والهشّة منذ انفصالها عن السودان الأُم، يمكن استغلال هذه الثغرات وعبور القوات إذا تطورت الأمور إلى مواجهة عسكرية مع مصر، بالرغم من استبعادها حاليًا. وفي الوقت نفسه تراقب إثيوبيا بحذر شديد، الحدود السودانية التي لا تبعد عن منطقة سد النهضة سوى كيلومترات قليلة (حوالي 20 كليومتر)، وذلك لوجود قوات تابعة للحركة الشعبية المعارِضة في المنطقة, وهو ما يعني بالتالي سهولة التسلل من تلك المنطقة إلى منطقة السد.

غير أن التعويل المصري على الأنظمة الإفريقية مثل إريتريا وأوغندا وجنوب السودان لأجل محاصرة إثيوبيا دبلوماسيًا وعسكريًا، أو بإثارة مشاكل قبلية يبدو غير مجدٍ، ببساطة لأن هذه الدول الثلاثة لا تتميز بمواقف ثابتة يمكن الاعتماد عليها، إريتريا على سبيل المثال ساهم السودان في تنصيب رئيسها الذي يحكم منذ الاستقلال عن إثيوبيا،أسياس أفورقي، غير أنه تنكّر للسودان عندما آوى المعارضة المسلحة التي كانت تعرف بالتجمع الوطني الديمقراطي، ما حدا بالخرطوم إلى قطع علاقاتها معه لفترة من الزمن حتى أفلحت وساطة أمير قطر حمد بن خليفة آنذاك، الذي جمع الزعيمين عمر البشير وأسياس أفورقي في لقاء تصالحي عام 1999م؛ لتعود العلاقات بين الدولتين. الأمر كذلك ينطبق على رئيس أوغندا يوري موسفيني ورئيس جنوب السودان سيلفاكير ميارديت، الاثنان لديهما مواقف متذبذبة وغير ثابتة مع الجارة الشمالية السودان، خصوصًا دولة الجنوب الهشّة التي لا تزال تعاني من الصراعات وعدم الاستقرار.

موقف السودان الرسمي حاليًا أقرب إلى دعم إثيوبيا في مشروع سد النهضة لاعتبارات عدة، يتعلق بعضها بمحاولة الضغط على مصر في ملف قضية مثلث حلايب، الذي تسيطر عليه مصر منذ العام 1995، وترفض دعوات الخرطوم للتحاور حوله، فضلًا عن امتعاض النظام السوداني من دعم القاهرة للمعارضة السودانية، إضافة إلى رؤية حكومة السودان التي تؤكد أن سد النهضة لا يشكل أية خطورة على دولتي المصب، السودان، ومصر، بل إن هناك إيجابيات لقيام السد، مثل حصول الخرطوم على طاقة كهربائية رخيصة؛ وفق اتفاق مع أديس أبابا، فضلًا عن أن السد بعد اكتماله سيخفف من خطر الفيضانات التي تجتاح وتهدد الأراضي السودانية خلال فترة الصيف كل عام.

بالعودة إلى موضوعنا الأساسي، المخابرات الإثيوبية اشتُهرت بنظرتها الأمنية الحذرة والعميقة؛ حيث إن الزائر للعاصمة أديس أبابا يلاحظ الإجراءات المشددة والتدقيق بدءًا من اجراءات المطار، مرورًا بالتفتيش الأمني الصارم في كل مكان: الأسواق والمولات، دور العبادة، شركات الاتصالات، الفنادق وأماكن الجذب السياحي. لذلك ستراقب حكومة إثيوبيا، التحركات المصرية الإريترية وسعيهما لعقد تحالفات مع جنوب السودان وأوغندا، بل لا تستبعد أديس أبابا أسوأ الفروض، وهي شن هجوم عسكري على السد، فقد نشرت إثيوبيا منظومة دفاعات جوية مضادة للطيران لحماية السد من أي مخاطر محتملة. ولم تكتفِ السلطات الإثيوبية بهذا، بل فرضت حظرًا جويًا غير معلن فوق منطقة سد النهضة يمتد إلى عمق الحدود السودانية، إضافة إلى عمق مماثل لأجواء إثيوبيا، حتى حدود دولة جنوب السودان تحوّطًا وحذرًا من أية محاولة لاختراق الطوق الاحترازي المضروب حول السد لتأمينه، ويشمل الحظر أيضًا الطيران المدني، إلا بإذن من السلطات، بحسب الصحفي الإثيوبي أيوب قدي.

أديس أبابا تعتبر سد النهضة بوابة عبور للمستقبل، وتنظر إلى أنه ضرورى لتغطية احتياجاتها من الكهرباء، حيث يتوقع أن ينتج نحو 6000 ميجاوات من الكهرباء، أى 3 أضعاف إنتاج سد (هوفر) العملاق فى الولايات المتحدة، بينما تعتقد القاهرة أنَّ السد يمثِّل تهديدًا عاليًّا للأمن القومي المصري يصل إلى درجة التهديد الوجودي لحياة الإنسان والحيوان في مصر.

أخيرًا، واقع الحال يؤكد أن الحوار والتفاوض هو الحل الأمثل لتجاوز الخلافات، إذ إن الأحداث التي تعصف بالنطقة والعالم تشير إلى أن الحلول العسكرية والمكايدات السياسية لا تجديان نفعًا، غير تأزيم الأوضاع وتفجرها إلى أسوأ مما كانت عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

النوايا المصرية والإثيوبية في جنوب السودان
عرض التعليقات
تحميل المزيد