ينسل طفلك من رفقتك وأنت تصحبه في الشارع ويختلج قلبك اضطرابًا ما أن يقترب الطفل من رجل فقير رث الهيئة، وبينما تتوقع أن تسمع صراخًا من طفلك تجده يبتسم ابتهاجًا بمداعبة الفقير له وتتساءل لماذا ذهب ظنك إلى أسوأ الاحتمالات والفروض اعتمادًا على هيئة الرجل!

الانتصار للمشهد أم للقيمة

في بداية التسعينيات ومع اجتياح الجيش الصربي للبوسنة والهرسك، وقيام الصرب بمذابح مروعة ضد الأبرياء مقابل مماطلة غربية وأممية في الدفاع عن البوسنيين واستنقاذهم من بطش المعتدين، ولأن التصرفات الغربية متوقعة ومعتادة لم يعول كثيرون على الغرب في إيقاف المذابح، فانتظمت بعض الصفوف لنصرة البوسنيين بما استطاعوا بعضها لإغاثة الناجين من المذابح، وبعضها للقتال إلى جانب المقاومة البوسنية. مقاتلون إسلاميون خرجوا من بلدان عربية وإسلامية بعضهم له سابق خبرة قتال في أفغانستان وبعضهم خرج لأول مرة نصرة للضعفاء البائسين في قلب أوروبا.

انتهت الحرب باتفاقية سلام وتنازلات مريرة تخلى فيها البوسنيون عن جزء من أراضيهم وحريتهم، وعرف المقاتلون العرب بالعائدين من البوسنة كما عرف من قبلهم بالعائدين من أفغانستان.

يبدو لي كل العائدين أبطالًا خرجوا إلى أفغانستان لقتال المعتدين السوفييت وإلى البوسنة لقتال مجرمي الصرب والدفاع عن أبرياء خذلهم العالم كله، ولا أجد في حبي لهم غرابة لكن الأمر يختلف عند آخرين لا يرون في هؤلاء سوى متطرفين إسلاميين تعرفهم بلحاهم!

هكذا ببساطة لا يذكر لماذا قاتلوا ابتداءً وما القيم التي خرجوا لأجلها، لكن المشهد بالنسبة للبعض: إسلاميون متطرفون إرهابيون لم يكترث كثيرون ومن ضمنهم حقوقيون بمصير بعض العائدين إلى بلدان عربية من سجن وتعذيب امتد سنواتٍ، بل وصلت وقاحة البعض لانتقاد الإفراج عنهم في حكم المجلس العسكري بعد ثورة يناير وفي فترة حكم محمد مرسي!

داعش

بشكل إحصائي فاستخدام داعش في الإعلام يتم بشكل واسع دون توثيق يثير شك الكثيرين، ورغم أنه يتم الترويج لهذه الجماعة بشكل جيد بين العرب والمسلمين ومدح نهجها في ردع المخالفين والدفاع عن أفعالها، وهذا التأييد قد يبرره مرارة الاستبداد والقتل الذي تقوم به الأنظمة العربية من شعوب الربيع العربي، لكن على خلاف باقي الجماعات الإسلامية المعروفة والتوجهات المشهورة فداعش لا يستوي وصفها بحركة إسلامية لا حركيًا ولا أيديولوجيًا. أما على الصعيد الحركي، فالمشهد يبدو مريبًا؛ شعارات إسلامية ورايات سوداء وقطع للرقاب وعقاب رادع وقتل على أتفه الأسباب، تمامًا كأسوأ الترويجات الكرتونية عن حكم إسلامي. مشهد العربات الحديثة والتسليح النوعي لداعش على عكس تسليح طالبان والقاعدة الذين واجهوا صعوبات في التسليح ووصول المساعدات.

أما على الصعيد الفكري، فلا يوجد خط فكري ممنهج للدواعش ولا حتى شيوخ مجاهدون مثل الظواهري الذي نختلف معه في كثير من أفكاره التي بررت قتل مسالمين، لكن قيادات داعش أشخاص مبهمون ولا توجد قواعد حاكمة، فقط القتل هو العقاب لكل معصية كبرت أو صغرت، أو هكذا نسمع لا أحد يستطيع الجزم بصحة أو كذب الأخبار الواردة ومع نقص المعلومات لا يجب القول إن داعش حركة إسلامية، فالشعارات والرايات جزء من المشهد المحكم لكن الحقيقة ربما تكون معاكسة للمشهد!

عدالة الانتقام

يتساقط العشرات قتلى بعد تفجير نادٍ للشواذ في أورلاندو بولاية فلوريدا بالولايات المتحدة، يتضامن العالم مع الضحايا تضامنًا غير عادل عند البعض حيث لا يلقى الكثير من الضحايا في سوريا وبقية العالم الإسلامي مثل هذا الاهتمام، بل وجدت فرحًا عند البعض بقتل هؤلاء الشواذ العصاة على يد مجاهدي داعش ورغم أنه لا دليل قطعي على أن داعش جماعة إسلامية التكوين والعقيدة، وهناك اعتقاد قوي بأنها مؤسسة من قبل وكالات استخبارات غربية لخدمة أهداف عظيمة في الشرق الإسلامي ربما كان أحدثها اتهام دونالد ترامب للإدراة الأمريكية الحالية بتأسيس داعش، والملياردير الشهير بتطرفه ليس مجنونًا كليًا!

الشاهد أن الحزن على ضحايانا الأبرياء نابع من إنسانيتنا التي يهزها قتل مجموعة من ذوي الإعاقة الذهنية في مدرسة أمريكية، تمامًا كما يهزها جرائم القتل بحق مسلمين أبرياء وكراهية للولايات المتحدة لا يبرر الفرح بأي مصيبة تحل بأرضهم، وتفجير نادي الشواذ لا يسترد حق المظلومين والمنكوبين في بلادنا!

الانحياز للتنوع

تتوالى التعليقات على صور رياضيات محجبات شاركن في أوليمبياد ريو، أو أخريات منعن من ارتداء البوركيني على شواطئ فرنسا بعضها إيجابي وأخرى لا تخلو من السلبية وهمز الآخرين.

لا أعرف لماذا يجد كثيرون صعوبة في تقبل المحجبة أو غير المحجبة ويصر على التمييز بين أناس عاديين على أساس الدين أو العرق أو اللون. حتى أولئك الذين اختاروا الإلحاد والشذوذ والتحول الجنسي يستيسر كثيرون تكفيرهم ولعنهم بدلًا من دعوتهم بالحسنى. لم يطالبك أحد بتأييد الشذوذ والعمليات الجراحية للمتحولين جنسيًا، لكن دراسة الدوافع ومناقشتها أجدى نفعًا من وصم الآخرين بالنقص وكراهيتهم فالقيمة أن تتفهم أن للبعض اختيارات أخرى بعضها صحيح وبعضها خاطئ.

قرأت تغريدة لأحد الكتاب يشنع من تعدد الزوجات في البلدان الإسلامية ويطالب بمنع التعدد تمامًا كما فعلت دول غربية، لكن الكاتب تناسى أن الدول الغربية الملهمة تمنع تعدد الزوجات وتبيح زواج المثليين في حين أن البلدان الإسلامية تمنع زواج المثليين وتبيح تعدد الزوجات دون أن يوضح لماذا يقبل بثقافة دون ثقافة وتشريع دون تشريع!

فجر الخصومة.. 30 يونيو

تعلن لجنة الانتخابات الرئاسية فوز مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب ليس بعد الثورة فحسب بل على الإطلاق، ومنذ تولي محمد مرسي الرئاسة لا تمل وسائل الإعلام المناوئة لحكمه من نشر كل الأكاذيب والشائعات التي يعول عليها للتمهيد لإزاحته من السلطة.

يروج مرسي للدستور الجديد الذي شاركت في كتابته أطراف الحكم والمعارضة لشهور، بينما يروج نشطاء بوصفه بالدستور المسلوق ودستور أم أيمن وتشريعه لزواج القاصرات وشائعات أخرى يعلم مروجوها بكذبها لكن لا بأس طالما نهدد حكم الإخوان!

يستدعي الجيش حلفاءه لتمويل حركات معارضة لمحمد مرسي تمهيدًا لإزاحته. لم يعد هذا خافيًا على أحد؛ فقادة الجيش والمقربون منه يتباهون بتمويل حركة تمرد والتنسيق مع قادة وأحزاب جبهة الإنقاذ التي شكلت لمناوءة مرسي فقط.

محمد مرسي في سنة حكمه له كثير من الأخطاء المعتبرة التي تستوجب النقاش والاعتراض، لكن قليلين من فعلوا ذلك، قليلون من عارضوا قرض صندوق النقد الدولي الذي سعت إليه حكومة مرسي بعقلانية بعيدًا عن الأهواء، قليلون الذين اعترضوا على بعض نقاط الدستور اعتراضًا قائمًا على السعي لتحسين الوضع لا مجرد المعارضة نكاية في الطرف الحاكم.

العنصرية والكراهية والحقد كانت المحرك الأكبر عند كثيرين للتحريض على مرسي الإخواني الجامعي مهما تغلفت كثير من الأقوال عن استبداده وانفراده وفساد جماعته، لكن الاعترافات توالت بالتنسيق مع الولايات المتحدة والجيش للإطاحة بمحمد مرسي، أي أن الأمر كان مختلفًا عما تم ترويجه!

وبعد ثلاث سنوات من الإطاحة بمحمد مرسي وقتل آلاف المعتصمين السلميين واعتقال وتشريد عشرات الآلاف، لم تتحقق الشعارات التي تم ترويجها والمشهد الذي تم تصويره لأن الغاية لم تكن على مستوى المشهد!

ببساطة لا تجعل المشهد يخدعك. تحقق من كل أمر وابحث عن الغاية والقيمة من كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المشهد
عرض التعليقات
تحميل المزيد