يظهر الممثل “أحمد صيام” في مشهد من فيلم السفارة في العمارة مستنكرًا وجود السفير الإسرائيلي مع صديقه الممثل عادل إمام داخل نفس المصعد. ويعاتبه أنه كان يجب ألا يرد سلامه بالبيت “أترى حين أفقأ عينيك وأثبت مكانهما جوهرتين. هل ترى؟ هي أشياء لا تُشترى”. يتعجب عادل إمام ويسخر خائفًا كيف يقول لسفير أن تُفقأ عينيه؟

حقيقة أن هذا هو في الأغلب الاحتكاك الوحيد الظاهر بين الدولة المصرية والشاعر “أمل دنقل”، تداول الكثيرون هذا البيت لسنوات بعد هذا الفيلم بدون معرفة من هو كاتبها.

ولد محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل بمحافظة قنا سنة 1940 وتوفي سنة 1983 عن سن 43 عامًا. تأثر الشاعر تأثرًا كبيرًا بوالده حيث كان شاعرًا وعالمــًا بالأزهر كما أثر والده بشكل مباشر في تكوين شخصيته عندما كان يمنعه من اللعب مع من هم في سنه في الشارع جعل أمل في عزلة فقط مع الكثير من الكتب التي نهم منها حيث كان الكتاب هو بابه المفتوح إلى العالم الخارجي.عندما توفي والده كان في سن العاشرة حيث أصبح أمل هو رجل البيت كعادة قرى الصعيد.

ذهب إلى القاهرة ورجع هاربًا منها بعد سنة ونصف كما يقول حيث أنه لم يستطع إدراك هذا العالم – عالم المدينة الصاخبة – بشكل سريع، ليس فقط الأشياء المادية كالأضواء والبنايات العالية والمترو وغير ذلك، لكن الأفكار أيضًا. لكنه قرر أن يرجع مرة أخرى إليها وهذه المرة مع صديق عمره الشاعر “عبد الرحمن الأبنودي” حيث اتفقوا على تقاسم الاختصاصات فأمل يكتب بالفصحى، أما الأبنودي بالعامية ولا يتعدى أحد على اختصاص الآخر، قرروا مواجهة هذا العالم الجديد ومواجهة أدبائه وشعرائه ورواد الثقافة آنذاك كما يقول “لقد جئنا وعليكم أن تسمعونا”، وحيث لم تكن الثقافة في الستينات في أوجها صعد نجمه سريعًا.

كما كان يرى أمل قبل أن يتحول إلى شاعر أن الشعر فن لا يصنعه الأحياء، حيث كل من قرأ لهم في ذلك الوقت كانوا أمواتًا وكان يعتقد أيضًا أن الشعر لا يؤلفه بشر حتى.

يدخل رجل فقير عزاء الفقيد أمل بملابسه المتسخة وملامحه التي هي ليست كالبقية كما الأدباء والشعراء وغيرهم من الطبقة المثقفة الذين كانوا حاضرين ليكتشفوا أنه كان صديقًا لأمل، كان هذا هو مثال أخو أمل الأستاذ أنس دنقل الذي يدلل به أن أمل لم يكن أبدًا شاعر الدولة وأنه كان شاعر المجتمع والفقراء والعامة. كما تقول زوجته أن أمل لم يكن ذا شخصية ازدواجية مثل التيار المسيطر على باقي المثقفين آنذاك وكانت مواقفه واضحة في شعره أنه ضد السلطة.

ظهور كتاباته بعد النكسة والتي يزعم أنه كتبها قبل ذلك ولكنها لم تنشر والتي كانت سببًا واضحًا في شهرته هو ديوانه “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” ليعبر عن حزنه وصدمته من دولة 67 والنكسة خير دليل على ذلك، وكما عانى في زمن جمال عانى في زمن السادات حيث نُشر ديوان “أقوال جديدة عن حرب البسوس” منه قصيدته الشهيرة “لا تصالح” التي ظلت تتردد مع بداية ثورة يناير حتى آخر وقت وكانت بيانات كتائب عز الدين القسام لوقت قريب تبدأ بها والتي كان أصل كتابتها معارضته الشديدة لمعاهدة السلام مع إسرائيل في ذلك الوقت.

تدخل الصحفية عبلة الرويني من باب مقهى ريش الذي اعتاد الشاعر وأصدقاؤه ارتياده وأصبح مكانًا شاهدًا على الكثير من الشخصيات العظيمة من المثقفين والأدباء على مر العصور، لتجري معه حوارًا صحفيًا فتبدأ قصة مليئة بالجمال والنور والتي تظهر في رسائله إليها، لتكون شريكة حياته حيث يقول أمل في آخر لقاءاته في أن حياته لم تعرف السعادة إلا عندما دخلتها عبلة وأصبح هو شخصين في مواجهة العالم.

داخل المركز الطبي للأورام يمكث الشاعر لتلقي العلاج على سريره يعدّل صديقه موضع الوسادة تحت رأسه ليقول له “شكرًا” فيتعجب الأستاذ محسن عبد ربه بالرد “أمل قال لك شكرًا؟” “ابسط يا عم” “على العموم لا شكر على واجب” بسخرية فيرد أمل والجدية تبدو واضحة على وجهه “بس ده مش واجب” فيعُم الضحك على الغرفة خوفًا من تحول الموقف إلى التعقيد.

.

ومن الجلي أن أمل لم يكن يخاف الموت أو آلامه فكان رأيه أن المشكلة ليست في الموت لأن العالم لن يتوقف عند شخص ولكن كانت المشكلة من وجهة نظره تكمن في عدم قدرة الشخص على المشاركة الاجتماعية بسبب قوة المرض أو دوائه حيث لا تستطيع النطق أحيانًا أو السمع جيدًا أو لا تدرك من حولك … إلخ.

“ليت أسماء تعرف أن أباها صعد، لم يمت
هل يموت من كان يحيا كأن الحياة أبد
كأن الشراب نفد
وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد
عاش منتصبًا، بينما ينحني القلب بحثًا عما فقد”
هكذا أنهى أمل مسيرته كشاعر، بقصيدة “الجنوبي” رثاء لصديقه المحبب يحيى الطاهر عبدالله، كانت الورقة الأخيرة في ديوان “أوراق الغرفة 8” وهو واحد من أصدق دواوينه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمل دنقل
عرض التعليقات
تحميل المزيد