خدعة السلطة الكبرى هي أن يظن الناس أنهم يسيرون بإرادتهم، بينما هم لا إرادة لهم، خدعتهم أن ترى الحقيقة هراء ولا تكترث لها، هكذا يستمرون، وهكذا نتحرر من قيد إلى قيد أكبر.

نعم، في هذه الحقيقة يا عزيزي غصات أليمة لا تزول، ولكن لا نستطيع إبدالها أو إخفاءها، فهي جلية واضحة، ولكن شعبنا يخاف أن يرى.

لماذا ؟ لأن مشكلة شعبنا ليست «عيش، حرية، عدالة إنسانية»، ثورتنا ليست كل هذا، نحن جياع جدا، ليس هذا الهراء، «جوع الخبز»، نحن جياع «آدمية» يا سيدي، جياع أحلامنا، إعلام «الحاشية» طوق أعناقنا، ونحن نصفق.

متى ستنتهي تلك المهزلة؟ مهزلةُ التناقضات الإنسانية، مهزلة اخترعها ذهن إنساني ضعيف وصغير، بددوا بها «الحقيقة» التي تنبثق في وضح النهار، وظلوا يضحكون، ونحن نرتقي في سماوات الفتور، إلى أن يسكن جميع أنواع الغضب، وتستمر جميع جرائم البشر، لم يعد هناك ذهول، وهذه الحقيقة لن تتيحَ العفو عن جميعِ الأخطاءِ الإنسانية فحسب، كائنة ما كانت تلك الأخطاء، وإنما هي ستسلم بهذا كله! ولكن حتى في هذه الحالة، فإنني لن أقبل الأمر ولن أريد أن أقبله!

في مشهد لغياب الحقيقة  «غرفة أخبار هادئة نسبيًا إلا من حركة خفيفة للمحررين، يقتحمها فجأة روبوت مسلح برشاش آلي يُطلق زخّات عشوائية على مَن يصادفه مِن الصحفيين حتى يقتلهم جميعًا».

رؤية ساخرة لمستقبل الصحافة حسب برنامج «ذا دايلي شو».

مشاهد سينما: كم يتطلب الأمر كي تؤجر عقلك؟

فيلم ذيل الكلب  «Wag the Dog»

في بداية الفيلم كُتب على خلفية سوداء سؤال: لماذا يحرك الكلب ذيله؟

Why does a dog wag its tail

وكُتبت الإجابة: أن الكلب يحرك ذيله؛ لأن الكلب أذكى من ذيله، ولو كان الذيل أذكى، لحرك هو الكلب.
فمن الكلب ومن الذيل؟

قد فسر ليفنسون عنوان فيلمه، مشيرا إلى أولئك الذين يقلبون الحقائق ويفكرون في الوسائل التي تجعل الذيل هو الذي يهز الكلب، وليس العكس.

هكذا يبدأ فيلم wag the dog الذي أنتج عام ١٩٩٧م، وقام ببطولته داستن هوفمان وروبرت دينيرو.
ويقرر مستر بين أن الحرب ستكون ضد ألبانيا!
– لماذا ألبانيا؟
يجيب: لماذا ليست ألبانيا؟ ماذا يعرف الأمريكان عن ألبانيا؟
– لا شيء
– بالضبط

ليس مهما مع أي طرف، لأنها لن تكون حقيقية، يكفي أن يخرج الرئيس ويتحدث عن السلام والاستقرار، ويؤكد أنه لن يقوم بأي حرب ضد ألبانيا، وبعدها يتلقف الإعلام الطعم، فيشعل الحديث عن تكهنات بحرب مزمعة ضد ألبانيا، وهكذا تتحول الحرب إلى حقيقة، واستعان نائب الرئيس بمخرج سينمائي شهير لتنفيذ عملية الخداع المتقنة، وبدأ الشعب كله ينصرف عن «فضيحة الرئيس»، ويتابع تفاصيل قصة الحرب الوهمية التي رسم تفاصيلها المخرج السينمائي.

في فيلم «Wag the Dog» ترى ما خلف الكاميرا، ثم ترى ما أمام الكاميرا، سترى كيف يتم صناعة أخبار وهمية بحرفية شديدة، مثلاً: يتم عمل فيلم في استوديوهات هوليوود عن إنقاذ فتاة ألبانية من العصابات الإرهابية هناك، وكيف يتم خداع الشعب بجندي مختطف «خلف خطوط العدو» وكيف يتم وضع أغنية جديدة في أرشيف الكونجرس الموسيقي، فبدت كأنها أغنية أنتجت عام ١٩٣٠م لتناسب حدث الاختطاف، وكيف استطاع منتج الأفلام العبقري أن يجعل الشعب الأمريكي كله يكره ألبانيا ويعتقد أن هناك حربًاً تدور بالفعل، بينما شيئ من هذا لا يحدث، إلا في وسائل الإعلام.

مشاهد من داخل غرفة الصناعة الإعلامية

الأولى: هناك مشهد في الفيلم لجمهور مباراة كلة سلة في مدرسة ثانوية وهم يلقون أحذيتهم القديمة على أرضية الملعب؛ للتعبير عن تعاطفهم مع الجندي المختطف خلف خطوط العدو. ( استطاع المنتج ستانلي موتس أن يجعل إلقاء الأحذية القديمة يرمز عند الناس بالتعاطف مع الجندي المختطف، واستخدم أغنية جديدة، ولكنه دسها في أرشيف الكونجرس من أجل هذا ). المهم أن الشعب الأمريكي كان يلقي أحذيته القديمة ويرتدي القمصان المكتوب عليها عبارات كارهة للألبان، وهم يظنون أنفسهم ينصرون قضية حقيقية، لكن في الحقيقة هم يُحركون كعرائس الماريونيت.

استراتيجية الرومانسية الإعلامية وسياسة هدم القواعد

تأتي الرومانسية «التعاطف في الإعلام» كمذهب فني متحرر لتعصف بالمنطق وحجج العقل الواضحة، وتؤسس آلية جديدة تستوعب إنجازات الحس والخيال بدلا من العقل، ولعل أبرزها ما يتضمنه قول جان جاك رسو: «إن الخيال هو الذي يبسط لنا نطاق الممكنات ويغذي الرغبات بأمل تلبيتها».

أي أن استخدام الجانب العاطفي هو أسلوب كلاسيكي للقفز على التحليل المنطقي والحس النقدي للأفراد بشكل عام، فاستخدام الجانب العاطفي يفتح المجال للعقل الباطني اللاوعي لغرس الأفكار والرغبات والمخاوف والقلق والحض على القيام بسلوكيات معينة.

وقد أثر أسلوب الإعلام على الناس وجعلهم عاطفيين أكثر، وذلك لأن الكلمة المنطوقة عاطفية أكثر من الكلمة المكتوبة، فهي تحمل عاطفة بالإضافة إلى المعنى، وأصبح المتلقي يتسم بقدر أكبر من العاطفة، فكان من السهل تضليله بالشائعات، كما أن عواطفه كانت تكمن دائماً قريبة من السطح، فمشاهد «الانحياز العاطفي» جعلت عالم الأذن السحري يستسلم لعالم العين غير المحايد.

ويفسر هذا المشهد إعلاميا بنظرية الرصاصة

ظهر التيار النظري الذي يقول بالتأثير القوي لوسائل الاتصال في العشرينات من القرن العشرين، أي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وأطلقت على هذه النظرية عدة مسميات، من أهمها: نظرية الرصاصة، أو الطلقة السحرية، أي أن الرسالة الإعلامية قوية جدا في تأثيرها، وشبهت بالطلقة النارية التي إذا صوبت بشكل دقيق لا تخطئ الهدف مهما كانت دفاعاته، كما سميت بنظرية الحقنة أو الإبرة تحت الجلدية، وشبهت الرسالة هنا بالمحلول الذي يحقن به الوريد، ويصل في ظرف لحظات إلى كل أطراف الجسم عبر الدورة الدموية، ويكون تأثيره قويا، ولا يمكن الفكاك منه.
وتعني هذه النظرية أن الفرد يتأثر بمضمون الوسيلة الإعلامية تأثيرا تلقائيا ومباشرا، كما يرى أصحاب هذه النظرية أن وسائل الإعلام لها تأثير قوي ومباشر على الفرد والمجتمع يكاد يبلغ حد الهيمنة. وهذا التأثير قوي وفعال، مثل الرصاصة، ولايفلت منه أحد، وكما نرى أن تأثيرها قوي وسريع ومباشر، مثل تأثير رصاصة البندقية.

والثانية

عندما ذكر الفيلم أن الحكومة الألبانية تصرخ وتؤكد كل يوم أنها بريئة من الاتهامات، أظهر أنه لا أحد يهتم بهذا الكلام في الولايات المتحدة، وأظهر أن أصوات الحكومة الألبانية وشعبها لا تصل للشعب الأمريكي أبداً، بل إنهم جاءوا بفتاة ألبانية وجعلوها تصور فيلما في هوليوود، وكأنه يتم إنقاذها من الدمار هناك، وجاءوا بسيدة أخرى والرئيس الأمريكي يضع معطفاً على كتفها ليقيها المطر، بل غيروا المكان الذي ستنزل فيه طائرة الرئيس؛ لأن الأرصاد الجوية قالت: إن هناك مطرا في هذه المنطقة، وهو ما يناسب مشهد السيدة والمعطف.

يؤكد هذا المشهد أن صناعة الإعلام في العالم ليست عملية عبثية، لا هدف لها، بل هي صناعة مقننة تستهدف التأثير على المتلقي من الدرجة الأولى، فالإعلام يبيع السلع والخدمات والأفكار أيضا.

وهذا يفسر نظرية وضع الأجندة وترتيب الأولويات في مجال الإعلام وبناءً عليه يختار القائمون على وسائل الإعلام «بعض» الموضوعات والقضايا التي يتم التركيز عليها بشدة، والتحكم في طبيعتها ومحتواها.

قاعدة: إنك لا تعرف الخدعة؛ لأنك دوما لا تشاهد بعين عقلك، أو بمعنى آخر: «لأنك دوما تحب أن تخدع».

صانعو الخدع دوما يمكثون وراء الستار، بينما من تراه على خشبة المسرح هو فقط «مؤد»، وعندما ينتقل صانع الخدعة من الخلفية لخشبة المسرح فعليك أن تعلم أنه لم يعد قادرا على صنع المزيد أو أنه لم يعد يثق بقدرة المؤدي.

وهكذا يروج الإعلام المصري للمؤامرة على السيسي، إذ أخذوا يزعمون بعد حادث «الطائرة الروسية» كمثال أن العالم لم يوقف رحلاته لمصر ؛ بسبب مخاوف أمنية فقط، وإنما انطلاقا من رغبة للإضرار بالبلاد، ومنع الرئيس عبد الفتاح السيسي من تحويلها إلى دولة قوية للغاية.

حيث كتبت صحيفة الجمهورية في افتتاحيتها «الشعب يتحدى المؤامرة – مصر لن تخضع للضغوط»، وصحيفة الوطن التي عنونت المانشيت الرئيس بـ«مصر تتحدى إرهاب الغرب». ورأى الموقع الإسرائيلي أن «هذه النغمة تعكس التحفظ في الإعلام على كل انتقاد موجه لنظام السيسي». كذلك قال إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة «المقال» وأحد أبرز المحللين في التلفزيون المصري، إنه «بفرض سقوط الطائرة بقنبلة، هل هذا يعني أن يعاقب الغرب مصر بهذه السرعة ويهينها؟»

وفي أكبر صحيفة حكومية «الأهرام» كتب طه عبد العليم أن التصريحات الأمريكية والبريطانية حول تحطم الطائرة هي جزء من ضغط يهدف إلى إعادة الإخوان المسلمين للحكم وإذلال مصر، جنبا إلى جنب مع محاولة التأثير بشكل سلبي على الرأي العام في روسيا ضد الحرب على الإرهاب التي تشنها موسكو في سوريا.

إذن لا بَّد لكل إمبراطور عظيم من حرب واحدة أو «مؤامرة» في الأقل تنشب في عهده، وإلاّ خمل ذكره ولم يذع صيته.

وبناء على «استراتيجية المؤامرات» صرح السيسي بنبرة حادة في خطاب «مؤتمر رؤية مصر عام 2030» أنه يعي تماماً المؤامرات التي تدار ضد مصر، وأنا أعرف ما يحدث في مصر كما أنا أنظر إليكم الآن، وعلى الشعب ألّا يسمع لأحد غيري، وأنا أعي وأفهم جيداً ما أقوله، مشيراً، في حديث موجّه إلى معارضيه، إلى أنه «لا أحد يعتقد أن طول بالي وخلقي الحسن يعني أن أترك البلد تقع، وقسماً بالله من سيقترب منها هشيله من على وش الأرض».

ولأول مرة لم يكن حديث الرئيس موجهاً صراحاً أو ضمناً لخصومه المعروفين جماعة الإخوان المسلمين، وهم الذي اعتاد أن يذكرهم في خطاباته عند استخدام تلك اللهجة التحذيرية، ولكنه في هذه المرة يخاطب فئات أخرى طالبهم بالسكوت نهائياً، قائلاً لهم: «إنتو فاكرين الحكاية إيه! إنتو مين! ولو عاوزين تخلوا بالكوا معايا أهلا، لكن مش عاوزين اسكتوا»، أوضح لهؤلاء رسالة حاسمة عن موقفه من عدم تركه السلطة إلا بموته أو انتهاء مدته حينما قال: «إنتم فاكرين إن أنا هسيبها؟ لا والله أنا هفضل فيها لغاية لما تنتهي حياتي أو مدتي».

وعن تحليله لتلك الرسائل يقول الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، كان من الواضح أن الرئيس كان منفعلاً بشدة وغاضباً، وعلى عكس من حاول السخرية من الخطاب، فإن رسائله وغلظتها أثارت العديد من المخاوف لدي، وتزيد من مخاوفي في إحداث تغييرات أشدّ قسوة في الواقع السياسي.

وأكد نافعة لـ«هافينغتون بوست عربي»، أن السيسي مازال لديه قناعة داخلية بفكرة كونه المنقذ، والتي بدت في هذا الخطاب بثقة زائدة تصل إلى مرحلة الغرور، والتي معها لا وجود للغة الحوار أو الاستماع إلى الآخر، ولا يسمح بالنقاش، وتلك الحالة مع قوّة أمنية وعسكرية تحت يده تنذر بما هو أسوأ من الممكن أن يحدث في القادم.

القاعدة الثالثة: «إن وسائل الإعلام لا تنجح دائما في إبلاغ الجماهير كيف يفكرون، ولكنها تنجح في إبلاغه مع ما يجب أن يفكروا فيه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما
عرض التعليقات
تحميل المزيد