وهم الخلود يراود الإنسان المتأله الذي عشق ذاته ونسي أصله وفصله، ولا شيء يعيد للإنسان توازنه ورحمانيته مثل إيمانه بأنه مخلوق عابر وأنه حياته زمن يتلاشى وأن عمره المتبقي يبدأ بعد وداعه المعمورة ووقوع يوم القيامة، وقد تناوب كبار المفكرين على ربط الشعور الديني ببدائع القرآن وتصويراته الفنية واستعراض مشاهد القيامة في القرآن الكريم، وكان في مقدمة من كتب في عصرنا الراهن الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى عبر رائعته القرآنية بجزأيها (التصوير الفني في القرآن الكريم) و(مشاهد القيامة في القرآن الكريم) وذلك لما تشكله من (هاجس في ضمير البشر وحياة الإنسانية) لكن الملاحظ أن الذين يؤمنون به لا يكادون يعرفون عنه إلا القليل الذي لا يشفي غلة الصادي، ويقين التائه المعذب كما يقول المؤلف الفاضل د. أحمد محمد عبد الله العلي.

وفي جانب آخر غالبًا ما يرتبط الوعظ الديني بمبالغات تنافي أصل الدين، بل إنه ليؤسفنا القول إنه عبر التاريخ تم توظيف الأساطير واختلاق الأراجيف في توصيف يوم المحكمة الإلهية، وذلك حسب ظن الوضاعين أن ذلك أقرب إلى التخويف وترقيق الأفئدة. ولعل هذا كان هو الدافع الخفي وراء المؤلف كما لمست ذلك بقوله عن أهمية المنهج وأنه (يخلص من بلبلة الأفكار وشطوط الآراء والتخمينات، وضلال العقائد الفاسدة، وترك وراء ظهره المباحث العقيمة التي لا طائل من ورائها سوى سفسطة لا يجني منها المسلم غير الخبال وسوء المآل).

الدنيا دفتر وقلم وعداد يجمع ويعرض يوم القيامة

إن فقدان التوازن في الشخصية الإنسانية مرده إلى فقدان الإيمان باليوم الآخر ومحدودية العمر وقد ورحم الله الإمام النورسي الذي بين ببديع لطائفه حقيقة الدنيا لدى أهل الهداية في قوله: لما زالت الغفلة، أبصرت نور الحق عيانًا وإذا الوجود برهان ذاته، والحياة مرآة الحق، وإذا العقل مفتاح الكنز، والفناء باب البقاء. وانطفأت لمعة الكمال، وأشرقت شمس الجمال. فصار الزوال عين الوصال، والألم عين اللذة. والعمر هو العمل نفسه، والأبد عين العمر. والظلام غلاف الضياء، وفي الموت حياة حقة. وشاهدت الأشياء مؤنسة، والأصوات ذكرًا. فالموجودات كلها ذاكرات مسبحات. ولقد وجدت الفقر كنز الغنى وأبصرت القوة في العجز. إن وجدت الله فالأشياء كلها لك. نعم إن كنت عبدًا لمالك الملك، فملكه لك، وإن كنت عبدًا لنفسك معجبًا بها فأبصر بلاء وعبئًا بلا عد وذقها عذابًا بلا حد. وإن كنت عبدًا لله حقًا مؤمنًا به، فأبصر صفاء بلا حد، وذق ثوابًا بلا عد، ونل سعادة بلا حد.

إن الحديث عن يوم القيامة ليس هروبًا من الحياة الدنيا، التي هي دفتر وقلم وعداد يجمع ويعرض ما فيه يوم القيامة، لكن وحسب رأي المؤلف الفاضل أظهر ما يلفت النظر عند التأمل في الكتاب والسنة هو الحديث عن الآخرة، فلكأنه على كثرته يمنع الناس من الشطط في التهافت على حطام الدنيا والتنافس في احتيازها، فهو يقرع أسماعهم في كل حين وعند كل عمل يقومون به منذ أن تفتح العيون حتى تهدأ الأجساد في مضاجعها وتسلم نفسها لعالم ينفصل بها عن عالمها الذي تعيشه.

وقد وجدت هذه الكثرة الواردة في الكتاب من يحاول استنطاقها والبحث في دقائقها وتفاصيلها، فألفت كتب كثيرة في القديم والحديث، توفرت على خدمة كتاب الله، ودرست – من ضمن ما درست – تعلق أمور الآخرة بكل تفاصيل أمور الحياة الدنيا. والحديث الشريف يشابه القرآن الكريم في الإلحاح على تذكير الناس في كل آن بذلك الغيب الذي سيقدمون عليه، ويجدون فيه أعمالهم تنتظرهم بين أيديهم ليحاسبوا عليها، وينالوا جزاءهم كما وعدوا حيث لا خلف اليوم.

لا شك أن ما قدمته الدراسة في معرفة ما يشير إليه البيان من قوة في إحياء معنى اليوم الآخر في النفوس لهو قمة في البلاغة، ويلمس ذلك في:

1. تدفق الأحاسيس والمشاعر من خلال الصور المنظومة في عقد البيان.

2. هذه الأحاسيس والمشاعر تسري في عروق السامعين بذات القوة والنبض والتدفق، فتنفذ إلى السويداء، وتتخلل أرق ما تمر عليه من تكوين الإنسان. وهذا لا يتأتى لأي عمل فني ما لم يخلص صاحبه في إفراغ ذاته بين يدي قارئه، وهو الذي يحفظ أثر الكاتب لدى الأجيال، فدرجة الصدق هي التي تقدم صاحبها إلى قرائه.

لا يمكن التماس الحقيقة عبر تغليفها بالكذب

ومن منطلق علمي إسلامي وتفكير منطقي رشيد لا يمكن التماس الحقيقة عبر تغليفها بالكذب، بل إن الله يتعبدنا بالوسيلة الطاهرة كالنية الصافية والغاية المرضية في تلازم بلا شقاق فالدينا مزرعة وكما يشير المؤلف الفاضل (فكل عمل في الدنيا يرتبط بالجزاء في الآخرة برباط وثيق، وما هذه الحياة الدنيا إلا دار عمل، وفي ذلك اليوم جزاء ولا عمل. وهذه الحياة قصيرة مهما تناهی طولها، وهي إلى جنب الآخرة قطرة في بحر، ولكن الناس يجهلون.

وقد أكد المؤلف في دراسته القيمة على أن السنة النبوية حوت من تفاصيل مشاهد يوم القيامة ما لم يرد ذكره في القرآن الكريم، كما أن هناك مما أشار إليه القرآن ولم أجد له في السنة نصًا بعنيه، كالعيون مثلًا، فقد ذكرت الأنهار والعيون في القرآن الكريم، وورد ذكر الأنهار في السنة دون الإشارة إلى العيون. ونجد نصوصًا كثيرة تعرض لمشاهد اليوم الآخر دون أن يسجلها القرآن الكريم فيما سجل من مواقف ومشاهد، ولعل مرد ذلك إلى استفسارات الصحابة الدائبة عن كل صغيرة وكبيرة مما يقع تحت أعينهم أو يجول في خواطرهم، فيجدون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الجواب الشافي.

ويزيد نبي الله -صلى الله عليه وسلم- في الرد على هذه الاستفسارات بانتهاج أساليب تربوية خاصة تشفع بالتوضيح الدقيق لدقيق المسائل والقضايا المطروحة، وكانت طريقته التعليمية أن يلفت أنظارهم إلى صلة هذه الدنيا بالآخرة وشدة ارتباطهما، وما من دقيقة في حياة هذه البشرية إلا ولها يوم الدين سؤال وعقاب أو ثواب. ونرى ذلك في صورة القصاص العادل بین الخلائق حتى لنجد قصاص البهائم، وهو أمر قد لا يرد على الخاطر ذكره لولا أنه شيء يرى في الحياة تتمثل فيه نوازع النفس البشرية من الأنانية أحيانًا والنزاع المميت. وتمر مشاهد النار وأنواع العذاب واستجارة المعذبين في صور شتی حفل بها الحديث الشريف، كما تناول أيضًا صور النعيم، وتقلب أهل الجنة فيما اشتهت نفوسهم. وقد نرى من الإشارات القرآنية ما لا تدرك معناه على وجهه الحقيقي، فإذا التمسناه في الحديث كان جليًا ناصعًا، كالحديث عن الشفاعة والحوض والميزان والصراط وغير ذلك كثير.

التوثيق مقترن بالجمال الأدبي والإبداع في العرض البلاغي

ومما يضاف إلى رصيد هذا الدراسة التوثيقية التجمعية الجمال الأدبي والإبداع في العرض البلاغي، وهو ما أشار إليه المؤلف بقوله (والدراسة وهي تعني ببحث مشاهد اليوم الآخر تعيش أجواء البلاغة والبيان في دقة التعبير وجلال المعنى؛ فكان الحديث عن الأسلوب النبوي الكريم، وهو الأسلوب العربي الرصين الذي يحتذيه البلغاء وتخضع له رقاب الفصحاء وقد أبانت الدراسة عن خصائص وسمات هذا الأسلوب، وعرضت لأهم جوانبه مشيرة إلى نقائص البلغاء قبله، المتمثلة في الأسجاع والتصنع والتكلف واعتساف القول.

ويتوج ذلك قصور البلغاء المرموقين في فهم من بعدت ديارهم واختلفت ألسنتهم وهم عرب أقحاح، فإذا بخاتم الرسل -صلى الله عليه وسلم- يفهم خطابهم ويجيبهم بأجلی بیان وأعذب عبارة، فيستولي على السامعين الدهش وتظهر على وجوههم علامات الاستغراب؛ لأنهم يظنون أنفسهم أقطاب البيان فإذا هم في لمحة لا يحسنون ما يسمعون، ولا يفهمون العرب أمثالهم، فيسلمون للأمي، ويلقون بين يديه أعنة البيان.

وتكمن قيمة هذه الدراسة التي بين أيدينا كونها تقدم زادًا متفردًا في جمع ما صح من السنة ووافق القرآن، يقول المؤلف هذه النصوص الكثيرة في السنة النبوية مادة علمية تنتظر جهود الدارسين لإظهارها للناس، واکتشاف آفاقها، فهي كنوز لا تنفد، وبإبرازها للناس تبدو قيمتها الحقيقية. وقد رأيت أن السنة خدمت خدمة جليلة من علماء الأمة في غابر الأزمان، وحفظوا لنا نقاءها وصفاءها مع ما اعتراها من غبش الضالين الذين ما فتئوا يهيلون عليها ركامًا من أوهامهم وأباطيلهم، ولكن يقين الموقنين وإخلاص المجتهدين أزال عنها ما أهيل عليها، وأزاح عن وجهها المنير ما حاول المضلون طمسه من إشراقات النبوة الزكية.

وفي السنوات الأخيرة لاحظت اهتمامًا واعيًا بدراسة السنة وعلومها، وتجديد ما سلف من جهود العلماء، وذكر الفضل لأهله في الإشادة بعلمهم، مع الرصد الشامل لما غبر على السنة منذ ذلك الحين حتى تظل سليمة من الكيد، نقية من الزيف، عصية على كل تمر وخروج. وكان اتجاه الدراسات الأدبية نحو الكتاب العزيز حافزًا للتوجه نحو البيان النبوي الذي يمثل القمة البلاغية الثانية بعد كتاب الله المنزل، والذي يعد المصدر الثاني في أمر العقيدة الإسلامية.

إقبال الوامق المحب

لم تكن رحلة المؤلف سهلة في سبك هذا المصنف البديع الرقيق والمهم في مضمونه وهو يعلن عن مخزون ضخم يتعلق في هذا الجانب والملفت عيش المؤلف في معاني دراسته التي اختارها لنيل درجة الدكتوراة فنراه يصرح (هالتني هذه المادة الثرية المتعلقة بالحياة في اليوم الآخر، فطفقت أقرؤها وأتملاها، وعشت معها زمنًا أقلب الرأي في جمعها وتبويبها ودراستها دراسة أدبية بعد توثيقها من مصادرها الأصلية، وعنّ لي أن أتتبع ما حولها، فأخذت نفسي بالبحث والاستقصاء فوجدت أن نزرًا يسيرًا من الدراسات قد تعرض للجوانب الجمالية من الحديث فيما يختص ببلاغته وأسلوبه.

وعزمت على اختياره موضوعًا لرسالتي لنيل درجة الدكتوراة، ففاتحت أستاذي الدكتور يوسف خليف فيما استقر عزمي عليه، فوجدت عنده رغبة شديدة في أن يتوجه طلاب الدراسات الأدبية إلى خوض هذا الغمار، ووجدته يحملني على المضي في فكرتي فيه ويبارك هذا التوجه مع إشفاق غير قليل من صعوبة المسلك ووعورة الطريق، لكن حماسته كانت أشد مما قوّى فيّ العزم على انتهاج هذا السبيل وارتياد الوادي طالما كان الصاحب سنة يستضيء المدلج بضوئها وهداها.

وسكنت نفسي إلى هذا الرأي، وأقبلت عليه إقبال الوامق المحب، فوضعت نصب عيني أنني أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعه وأتملى حديثه فأجد في بيانه خلاصة رسالة، ومحور دين، ودعوة لا تهدأ، وإشفاق نبي على أمته، كما أجد في بيانه أمة بليغة تتحدث، فتفحم البلغاء، وتدحر المتفاصحين، وتزري بالمتفيهقين الثرثارين).

المنهجية العلمية التي التزم بها المؤلف في عرض مشاهد القيامة في السنة النبوية

1. جمع النصوص، حيث يبين (وكانت مصادري هي التي اعتمدتها الأمة، حافظة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم دون تشويش أو إعراض، فكانت الكتب الستة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وأضفت إليها مسند الإمام أحمد، وموطأ مالك، وسنن الدارمي.

لقد وجدت فيها غناء عن إضافة كتب أخرى وإن كان ذلك لا يغض من قيمتها أو ينقص من قدرها في صيانة سنة النبي الأمين، فقد وجدت أن المادة المنقولة من هذه الكتب كافية بالغرض وافية بالموضوع.

ولم يفتني أن أبحث عن توثيق أي حديث من الأحاديث التي لم أجدها مخرجة في بعض هذه الكتب، مع حرصي على ترك ما لا يطمئن إليه قلبي ما لم أجد له تخريجًا في مكان، ووجدت نصًا بديلًا في مكان آخر انطبقت عليه شروط الصحة، وبذلك جنبت عملي مغبة الاعتماد على نصوص موضوعة أو ضعيفة.

هذه الدراسة التي تناولت موضوعًا من موضوعات العقيدة الإسلامية، أو ركنًا من أركانها، وهو الإيمان باليوم الآخر، حاولت أن تنظر بمنظار أمين لمصير البشرية. وهذا المصير الحتمي واضح شديد الوضوح في الإسلام، فلم يدع القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة مجالًا للتخبط في أمور الغيب؛ فآيات الكتاب المبین جلت ذلك العالم الغيبي ودلت عليه أبين دلالة، وتحدثت عن هدفه السامي، وحذرت من مغبة إتيانه بالجهل والعصيان والتمرد.

وكانت السنة المشرفة مفسرة وموضحة لما يتعاقب في أذهان التالين للكتاب والسامعين لشروحه وتفسيراته، فاستكملت الصورة وبدت شديدة البروز لا تلفها شبهة أو يعتريها غموض. وآيات القرآن العظيم ناطقة بهذا الاهتمام الكبير بذلك اليوم المرتقب، كما أن نصوص السنة المطهرة حافلة بشتى أنواع مشاهده ومواقفه.

التصوير الفني

يخلص المؤلف إلى أن (في بحث التصوير الفني تكمن دلائل واضحة على حاجة البلغاء إلى الاقتباس من بيانه صلى الله عليه وسلم، فتكون كلماته وعباراته وأمثاله مفتتح خطبهم وواسطة عقد أقوالهم، وتزیین خواتيم مقالاتهم وأحاديثهم.

وكان البحث يتجاوز الأطر البلاغة التي درج الدارسون على صب دراساتهم ضمن قوالبها؛ تجنبًا لاحتكار هذه الأطر لإشعاعات تلك البلاغة التي لا يمكن أن تنطوي بين جوانح المصطلحات التي قد تضيق عنها أحيانًا، فلا تبلغ أن تؤدي معناها المقصود مع عدم الإخلال بما تمليه القواعد المتعارف عليها، فكان الحديث عن التشبيه والاستعارة والكناية، وهو المألوف في الإبانة عن المقاصد في الكلام، وإبراز وجوهه الفنية وتشکیلاته الجمالية من قبيل ذلك.

وأما الظواهر الفنية الأخرى فذات أثر لا يخفى على قارئ متمعن في الحديث النبوي الشريف، ولو أجرينا مراجعة لعناوين التقسيمات البلاغية لوجدنا لكل فرع من هذه الفروع من الثروة والغزارة ما ينبئ عن ظاهرة خلابة من الصور والمعاني الرائقة. وقد كان التركيز على أظهر ما يلاحظ القارئ المحقق، فالقصة وأثرها الذي تؤديه، يبدو في الحديث متأثرًا بالقرآن الكريم غاية التأثير، وهذا ما دفعنا إلى القول بأن الذي ورد في السنة ولم يرد في القرآن عائد إلى سؤال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم عن موضوعات أدركوا المعنى الكلي لها، ولم يحيطوا بتفاصيلها، فأوضحها لهم سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام. وكان هدف القصص واضحًا منذ البداية، فكما ابتغى القرآن العظيم من حكاية قصص السابقين العظة والعبرة، فإن الحديث الشريف قد نمّی هذا الجانب فأقبل السامعون على المحدث وهم في شوق حتى كانوا من شخصياته الحوارية.

والظاهرة الثانية.. ظاهرة ضرب المثل، وهو الشائع لديهم في الحياة واستخداماته عامة في جميع أوساطهم، فوظف المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا الجانب الفني في إطار الدعوة الإسلامية، فظهرت أمثال سلكت سبيلها في الحياة حتى غلبت على أقوال سابقة، فاشتهرت وتنوسي ما قبلها، لبلاغتها ودقتها وسر قوتها، ولا يزال المعجبون بالأمثال يترنمون بها، ويزينون بها الحياة واستخداماته عامة أحاديثهم. وكانت الموسيقى من الظواهر التي تعلن عن نفسها بقوة، فالجرس اللفظي والعبارة الرنانة والإيقاع المؤثر، واضح كل الوضوح في الكلمة والعبارة والجملة والمقطع القصير والمقطع الطويل، وانتفت مع استخداماتها كل عوامل التكلف والتصنع التي غالبًا ما تصاحب الأعمال الفنية لدى البشر العاديين، فيقعون في المزالق، وتخونهم الأساليب، ویستتبع ذلك قيام النقاد بكشف عوارتهم وتخطئتهم في استعمالهم اللفظ مكان اللفظ، واتهامهم بالضعف والركاكة والإطالة والتكرار ونبو الكلمات، واختلاط المفاهيم في استخدام العبارات.

لكن بيانه صلى الله عليه وسلم نزه عن ذلك كله، لأنه لا ينطق عن الهوى، فاضطروا للأخذ عنه والتتلمذ على بلاغته وفصاحته صلى الله عليه وسلم.

إن في الحديث الشريف من هذه القضايا ما لا قبل لدراستنا هذه به إذ تناولت قسمًا خاصًا آثرت ألا تخرج على الالتزام بمضمونه، ولأن موضوع البيان النبوي يقتضي القيام بدراسة مستفيضة يتفرغ لها دارس يعكف على تحليلها واستخراج كنوزها وتفردها وتميزها وإظهارها في حلتها اللائقة بها، متكاملة غير منقوصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد