في صراع بطليه اللذين يمثلان رؤيتان مختلفتان عن العالم يطرح فيلم Scent of a woman أسئلة مثل جدوى التمسك بمبدأ أو “ركوب الموجة”؟ وأيهما مربح: النزاهة الأخلاقية أم العدمية الشاملة؟ وهل يمكن لصاحب مبدأ أن ينتصر أم أن أمثاله يخسرون في زمن الماديات؟ الفيلم يجيب عن هذه الأسئلة.

تشارلي (كريس أودونيل) طالب فقير مكافح حاصل على منحة مدرسية وسيعمل في الأجازة في وظيفة اعتناء برجل مسن. وفي ليلة آخر يوم قبل الأجازة أثناء تجوله وزميله في فناء المدرسة يشاهدان زملاءهما يدبرون مقلبا للمدير. يستدعيهما المدير لوجودهما بمكان المقلب ويرفضان الإفصاح عن هوية مدبري المقلب وينفرد المدير بتشارلي ليخبره أنه سيوصي بمنحة جامعية له إذا أخبره بمدبري المقلب ويرفض تشارلي فيطلب منه المدير التفكير حتى انتهاء الأجازة فستعقد لجنة تحقيق علنية لبحث المسألة. يتوتر تشارلي لتأثير ذلك على مستقبله.

 

67

يقابل تشارلي العجوز فرانك (آل باتشينو) الذي سيعتني به في الأجازة. فرانك نظرته للعالم عدمية ويظن أنه لا شيء مهم سوى النساء والسيارات وبعض الملذات الأخرى! فرانك كان عسكريًا مرموقًا ثم أصيب بالعمى ويتمتع بالذكاء رغم غرابة أفكاره فينصح تشارلي بأن يفضح زملاءه كما سيفعل زميله وأن عليه أن “يركب الموجة” لـ”يصبح مهمًا” مثل أباء زملائه النافذين.

68
عندما ينتبه تشارلي لوجود مسدس معه يطلب منه وعدًا بعدم الانتحار فيتسائل فرانك عن سبب اهتمامه بإنتحاره من عدمه؟ ليرد تشارلي بأن لديه ضمير فيطلب فرانك منه ساخرًا “إزالة الشمع عن أذنيه” ليسمع خبر وفاة الضمير! فقد صارت القيم السائدة بوصف فرانك “أغدر بزميلك وخن زوجتك واتصل بأمك يوم عيدها”!

 

وﻷن الفيلم لم يعرض ماضي تشارلي مكتفيًا بحاضره وﻷن نظرية “موت الإله” أو “موت الدين” يشار إليها في الغرب كتأثير لعصر التنوير والحداثة وما بعدها فلعل الضمير المقصود هنا هو الدين فلو كان المقصود الضمير الإنساني الذي تحدثت عنه فلسفة العلمانية الإنسانية باعتباره مرجعية بديلة للدين لما استخدم مصطلح “موت الضمير” المرتبط بالمصطلحات الفلسفية الغربية كـ”موت الدين” و”موت الإله”.

يقلق تشارلي حينما يجد فرانك بزيّه العسكري ممسكًا مسدسه فيحاول إثناءه عن الانتحار. فرانك يرد بتوقعه سير تشارلي “على طريق الرجولة الأمريكية” مثل زميله. هل يسخط فرانك على قدره؟ هل فشلت الملذات الدنيوية في إلهائه؟ هل أحس بزيف ما حارب لأجله؟ هل شعر أن شرفه العسكري وهم؟

 

من المؤكد أن هذا مرتبط بوصفه فضح تشارلي لزملائه بأنها خطوة نحو الرجولة الأمريكية فهذه نظرته عن القيم الغربية. تشارلي يصمم أنه لن يشي بزملائه وتتقلب مشاعر فرانك فبعد تصويبه المسدس ناحية تشارلي رافضًا تصديقه يخفض مسدسه قائلا أنه لا يعرف إن كان سيقتله معه أو يتبناه!

 

يمر فرانك بصراع داخلي ازداد بمعرفته لتشارلي فيقول أنه اتخذ مواقف لأنها جعلته يشعر بالأهمية أما تشارلي فيتخذ مواقف يعنيها فعلا ﻷنه نزيه. يترجم الصراع الكلامي بين رؤية تشارلي المثالية ورؤية فرانك العدمية إلى الاشتباك فيصوب فرانك المسدس لرأسه فيندفع تشارلي لمنعه ليصوب فرانك مسدسه لتشارلي ويهدده بالقتل إذا لم يتركه ينتحر وينصحه تشارلي باستكمال حياته فيصرخ فرانك أي حياة فهو في الظلام!

 

يطلب فرانك إعطاءه سببًا للحياة فيعيده تشارلي للتفكير في أشياء يحبها. لقد استنزف فرانك نفسيًا أمام مثالية تشارلي وتراجع عن الانتحار. يقول فرانك أن دافعه للحياة سابقا كان رغبته في الزواج بدلًا من حياته الحالية ويخبر تشارلي فرانك أنه محق فزميله سيحتمي بأبيه.

 

 

يحضر تشارلي التحقيق وحيدًا أمام زميله الثري وأبيه ويفاجأ بحضور فرانك. يسألهما مدير المدرسة فيفضح زميله زملاءه أما تشارلي فيظل كتوما ليثني المدير الغاضب على زميله ويهدد تشارلي بإضاعة مستقبله ويقول المدير أنه سيوصي بفصله لكونه مخادعا ليتكلم فرانك دفاعًا عن تشارلي قائلا أنه ليس واشيا وأنهم مخطؤن إذا ظنوا إنهم يعدون الطلاب للرجولة بمكافئتهم زميله لوشايته ومعاقبة تشارلي لحفاظه على مبدأ وأنه سبق وأن رأى رجالا أطرافهم ممزقة إلا إن الأسوأ هي الأرواح الممزقة وإن تشارلي نزيه وروحه نقية لا يقبل التفاوض عليها فقد رفض المنحة فهو لن يبيع أحدًا ليشتري مستقبله.

 

يتكلم فرانك عن نفسه ووصوله لمفترق الطرق في حياته وعدم اتخاذه الطريق الصواب لصعوبته أما تشارلي فوصل لمفترق الطرق واتخذ طريقا صحيحا مطالبا لجنة التحقيق بالحرص عليه وعدم تدميره فسوف يشعرهم بالفخر.

 

إن هذه المرافعة لدليل على تأثر فرانك بتشارلي ورؤيته للحياة، فتلاقي أقدارهما قد جعل فرانك يؤمن بوجود مثل عليا يحملها أشخاص كتشارلي. لقد أوشك على الإنتحار لسخطه من القدر لكن صدامه مع تشارلي جعله يرى فيه المثاليات التي فقدها منذ زمن بعيد.

 

تقرر اللجنة إعفاء تشارلي من أي تحقيقات إضافية وعدم مكافأة زميله ومراقبة المشتبه بارتكابهم المقلب ليترجم مبدأ تشارلي لانتصار علي أرض الواقع. ينتهي الفيلم بعودة فرانك لمنزله وطلبه مقابلة تشارلي لاحقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد