تواصل مرنيسي مشروعها لدراسة وتفكيك «الحريم» باعتبارها ليست ظاهرة شرقية فقط، بل إنسانية، فالغربيون ليسوا محصنين ضد الحريم، وللغربيين حريم ناعم تصفه مرنيسي بـ«الحريم اللامرئي».

الحريم الشرقي: معناه ومبناه

ذكرت فاطمة مرنيسي في كتابها أن الصحافيين الذين أجروا معها حوارات حول مؤلفاتها كانوا عندما يحين طرح السؤال المتعلق بالحريم يبتسمون، ابتسامة يخالطها أحيانًا الاحمرار خجلًا أو نبرة استغراب من كون كاتبتنا نشأت في حريم، وتقول إنها كانت تجهل على – وجه التحديد –  سر الابتسامات المتكررة، وربما كان هؤلاء الغربيون يجهلون بدورهم أن الحريم كان يعني لكاتبتنا دفء الأسرة وذكريات الطفولة، مكانا لتلقي التربية والقيم وتعلم احترام الحدود، ولا شك أن ذاكرتها تربط هذا المكان، بكل تفاصيله وخصائصه المعمارية، بحقبة متميزة في تاريخ المغرب تمثل نوستالجيا عزيزة على من عايشوها.

أما إذا أردنا تفكيك الكلمة لغويًا فإنها تحيل على الحرام، بمعنى الممنوع والمحظور، و«ليس في ذلك ما يدعو للبهجة» كما تقول الكاتبة، فهو دليل على أن الحريم مكان حيث تسود قوانين صارمة ومعقدة تتحكم في سلوك وتحركات الأشخاص المنتمين إليه، وهو إذًا على العكس تمامًا مما يظنه أصدقاؤنا المبتسمون مكان لممارسة الإباحية تتجول فيه الإماء عاريات.

يتجلى الحريم الشرقي في تحكم الرجل في التقسيم المكاني: بين فضاء عام يحظر على النساء التواجد فيه وفضاء خاص ليس لجميع الرجال حق دخوله، وهو التقسيم الذي يعول عليه الرجل الشرقي في ضبط العلاقات التراتبية بين الجنسين، والتمرد عليه وتجاوز الحدود بين مجاليه يعني قضاء على الحريم وعلى الذهنية المؤسسة له، وخلق نوع جديد من العلاقات بين الجنسين يتسم بالتكافؤ والمساواة، وهو ما تبشر به الكاتبة بعد اقتحام المرأة العربية للمجال العام.

إن أغلب مظاهر الهيمنة الذكورية العربية ترتكز على المبدأ سالف الذكر: مبدأ التقسيم المكاني. ولنلاحظ مثلًا أن الحجاب الذي يعد أبرز إشكالية نسوية في الثقافة العربية الإسلامية يحمل أبعادًا مكانية من الناحية اللغوية. 

الحريم على الضفة الشمالية للمتوسط

في مقابل الحريم الشرقي تضع مرنيسي الحريم الغربي وتقسمه إلى مستويين: حريم متخيل لا وجود له إلا في أعمال المستشرقين ولوحات الفنانين ثم – مؤخرًا – في أفلام هوليوود، تصور فيه النساء عاريات غارقات في الشرود والتفكير بسيدهن، في وضعية استلقاء واسترخاء فيها من الاستسلام والخضوع ما يفضح استيهامات الرجل الغربي الجنسية.

تتساءل فاطمة مرنيسي عن واقعية هذه الصورة، إذ لم تحضر النساء في الفنون الشرقية (المنمنمات الهندية والفارسية) بهذه السلبية، وإنما كن فارسات مدججات بالأسلحة، تنبض حركيتهن بالرغم من سكون الصورة، وهن في الأدبيات العربية فاعلات سياسيًا طامحات إلى السلطة، ينتزعن حق التقرير السياسي من خلف أسوار الحريم. «كيف حولتهن اللوحات الغربية إلى كائنات مفرطات في السلبية؟»، تطرح فاطمة السؤال ثم تشرع في محاولة الإجابة.

كُسر جناحا شهرزاد في رحلة عبورها إلى الغرب

إن شهرزاد التي استحضرتها العروض المسرحية في أوروبا ووظفتها السينما الأمريكية شخصيةً راقصةً، هي في المخيال العربي نموذج للمرأة المقاومة للموت التي تسكنها رغبة الاستمرار، وترفع التحدي مهما بلغ فيه الخطر، إنها امرأة موهوبة تجيد إدارة انفعالاتها والتغلب على خوفها في الأوقات التي لا يجدي فيها الخوف، لم ترقص شهرزاد أبدًا، بل شحذت قواها العقلية لتنسج من خيوط الخيال سحرًا دام ألف ليلة، كان الرهان لدى شهرزاد أن تطفئ شهية القتل لدى رجل دمرته الخيانة، بأن تقنعه بأن على الرجال أن يكفوا عن التعويل على طاعة النساء لهن، وتسرد له عن عصيان النساء المستمر واستعصائهن على الإخضاع؛ مما يوحي بإرادة المرأة المستقلة.

وعليه فبدلًا عن «العلاقة التعسفية للحاكم بالمحكوم»، على العلاقة بين الجنسين أن تُبنى على نمط يستوعب حقيقة أن المرأة كائن فاعل ومتحرك قادر على مقاومة التسعف الممارس عليه وعلى خرق القواعد والتمرد على المنظومات التسلطية التي تلغي حريته.

كثيرة هي الحكايات التي تماهي بين المرأة والطيور في «ألف ليلة»، أو تقرن بها فعل التحليق في رمزية دالة على نشدان النساء للحرية.

«يبدو أن حريم الغربيين مرتع للهو حيث ينجح الرجال في تحقيق معجزة مستحيلة في الشرق: أي أن يتمتعوا في اطمئنان بحشود النساء الخياليات في الحريم التي يحلمون بهن، دون خوف من ردود فعلهن، على عكس حريم الشرق الواقعي الذي يتوجس فيه الرجال من كيد النساء».  فاطمة مرنيسي، «شهرزاد ترحل إلى الغرب».

تصور ألف ليلة وليلة الحريم مصدرًا للألم للرجل والمرأة معا: هو للرجل مصدر قلق من أن تفشل الأسوار في تحصين شريكته، وهو للمرأة غُل ثقيل، في حين تصوره «الليالي العربية» في نسختها الغربية مصدرًا للمتعة والإباحية؛ إذ يستفيد الرجل من خدمات جنسية لا محدودة، ويتمتع بسلطة وإرادة مطلقتين، وترفل النساء في أثوابهن الشفافة في قمة الرضا والاستكانة، لا هم يشغلهن سوى إرضاء السيد، مُغْفِلةً أن الشرقيين يستعيدون ذكريات الحريم ببالغ الحرج والاستنكار، وأن الانتصار على الحريم عد مكسبًا تاريخيًا – اجتماعيًا وسياسيًا – للشعوب الشرقية.

فاطمة مرنيسي: حريم الغربيين لا مرئي

«يملي الرجل الغربي على المرأة القواعد التي تتحكم في مظهرها الخارجي، إنه يراقب صناعة الموضة بكاملها، من تصور مواد التجميل إلى توزيع رافعات النهود». فاطمة مرنيسي، «شهرزاد ترحل إلى الغرب»

هناك حريم أخريات يعيش فيها الغربيون، وهو حريم محلي بخلاف الحريم المستورد من الشرق بعد تشويهه، يتلاءم هذا الحريم مع نمط الحياة العصرية ومع الأدوات التي توفرها الرأسمالية، وهو حريم يستمد وجوده من «تحكم الرجل في الزمن بدل المكان»، حسب مرنيسي، ومن امتلاكه للصورة، عبر الترويج لنموذج الجمال الأبدي، ولإصدارات الموضة التي تتجدد كل عام وعبر وضعه لمقاييس الرشاقة المضبوطة، ولسمات الأنوثة الناعمة، وصرف رساميل ضخمة للاستثمار في صناعة الموضة ومواد الزينة، وجراحات التجميل، وضخ كل ذلك في الإعلانات الملأى بصور النساء حيث يُقَدم نموذج الجمال المثالي الذي ينبغي اتباعه.

إنه حريم لا بالمعنى المجازي، بل الحقيقي، وحريم بكل ما تعنيه الكلمة، سجن تعيش فيه المرأة موهومة بالحرية – حيث كل الفرص مشروعة أمامها – تشعر فيه على الدوام بأن جسدها مادة للنظر، إنه عنف رمزي يستهدف وعي «المعنَّف/ة» ويتدخل في صياغة علاقته بالجسد عن طريق تكثيف حضوره والتركيز عليه وسيلةً لتحقيق الجاذبية (والجاذبية فقط).

يتنامى لدى المرأة إحساس بالقلق؛ قلق ألا تكون مادة مشبعة للنظر، وهو قلق مرهق يغرق المرأة في دوامة الاستهلاك (استجابة للإعلانات المسوقة للجمال) ويستنزف طاقاتها في السعي وراء النموذج المطلوب، ويجعلها تنسحب تلقائيًا إذا فشلت في تحقيقه، وطبعًا لنا أن نرى انعكاسات ذلك على المستوى النفسي وحتى المهني والإنتاجي للمرأة.

هكذا تفسر فاطمة مرنيسي فارق الأرقام التي تكشف حضور المرأة الشرقية القوي (خلال الحقبة التي سبقت الألفينات) في المجالات الأكاديمية والعلمية والتقنية (بمتوسط لا يقل غالبًا عن 40% من طلبة الجامعات والأطر التقنية والعلمية) وفي البلدان الأكثر ذكورية كإيران والسعودية، متفوقة بذلك على الحضور النسائي المسجل في البلدان الغربية.

يبدو أن خطر الحريم الشرقي، سواء التاريخي أو ذاك الذي يسكن خيال الغربيين، لا يبلغ في شيء خطر نظيره، على الأقل يولد الحريم الأول وعيًا بعبودية المرأة فيه ومقاومة من لدنها.

لقد ورطتنا العولمة في حريم كوني يصعب اعتلاء أسواره، فأسواره مخفية، وحتى إذا ما تبدى لنا سور وأمكننا الفكاك اكتشفنا بعد زمن أننا قضينا قسطًا لا يستهان به من حياتنا وسط أسوار أخرى مختبئة بين ضباب الإعلام وزخم الاستهلاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد