استيقظ المنبه باكرًا كعادته، وكطفلٍ صغيٍر بدأ في الصراخ، يدّعي أن حصتي من النوم قد انتهت، لن يمكنني التأكد من صدق ادعائه، إلا إذا نظرت في عينيه، إلا أن عيناي لن يعيناني، سأنهض علي أية حال؛ فالمنبهات لا تكذب، هذا يوم عملي حملت حقيبتي التي أعددتها ليلًا، وانطلقت مسرعًا؛ لألحق بالحافلة التي تقلنا إلى موقع العمل، أعلم جيدًا ما أنا مقبل عليه: صوتٌ عالٍ، وسباب، وحكايات معادة، عن السياسة وكرة القدم والجنس، وخيالات تفوق أفلام «بوليود» الهندية، عن أيام الإجازة، دائما هناك حدث جلل لا يمكن تأجيل الحديث عنه إلى أن نصل، أتعجب كيف يستيقظ شخص في السابعة صباحًا ليسافر إلى عمله في محافظة أخري بهذا النشاط ! وهذه الرغبة في الكلام.

على العموم اعتدت ذلك منذ مدة، ومستعد دائمًا للمواجهة، أسلحتي دائمًا في جيب بنطالي: سماعات الأذن، وهاتفي، هما ما أعني، أضع هاتين السدادتين العجيبتين في أذنيّ، ولسان حالي يقول «عذرًا لن أشارككم في هذا»، لن أستمع إلى أحاديثكم الهامة؛ لأنني سأستمع إلي شخص آخر قد يبدو كلامه أقل أهمية، إلا أنني أفضله؛ لأنه علي الأقل لن يطلب مني أن أجيب عليه بشيء، لن يطلب رأيي، ولن أضطر حتى أن أهز رأسي بالموافقة أو الرفض، سيتحدث وفقط، صوت الشيخ نصر الدين طوبار، يبدو أكثر عذوبة في وقت الفجر، إلا أنه لا بأس به في الصباح أيضًا، كم هو عظيم هذا الرجل، جلست في الكرسي الخاص بي، وحين هممت بوضع السماعتين في أذني؛ لأنفصل عن هذا العالم، بدأ أحدهم في السباب مبكرًا، انفعاله بهذه الطريقة أثار انتباهي، وجعلني أنحّي السماعتين جانبًا، خاصة عندما علمت أن الشخص الذي تنهال عليه كل تلك الشتائم هو «ميسي»! نعم لاعب كرة القدم، بلا أدنى شك، ثم بدأ السباب في نادي «برشلونة»، ثم تطور إلى مشجعيه ومن يحبونه، ماذا حدث يا ترى؟

قادني الفضول لانتظار سماع الأسباب، وحصلت سريعًا على ما أريد بقوله «شُفت علم إسرائيل، اللي طلع في المدرجات، أول ما جاب الجون، اليهودي ابن الـ…»، بدا التأثر على معظم المستمعين، أخفضوا رؤوسهم حزنًا، وأبدى معظمهم امتعاضًا مما حدث، استطرد قائلًا «فرقة يهود، فاكرين لما كانوا بيعيطوا عند حائط المبكي»، ثم أكمل وصلة من السباب التي يمكن التجاوز عنها قطعًا في مثل هذه الحالات، فالأمر يتعلق بالوطنية والانتماء والدين والدم!

أنت تمزح بالتأكيد، أليس كذلك؟ أردت أن أسأله، لكني عدلت عن الفكرة! ما هذا الذي أسمع! زميلنا المدافع الجسور عن النظام الحالي، وعاشق توفيق عكاشة، الذي لم ينكر عليه استقباله للسفير الإسرائيلي في بيته؛ لأن هذا في مصلحة الوطن من وجهة نظره، والذي لا ينكر على القيادة السياسية إغراق الحدود مع غزة؛ بحجة حماية الوطن من قوى الشر، ولا ينكر التعاون الحادث بين مصر وإسرائيل، والتنسيق للقضاء على الإرهاب في سيناء، كما يشاع، ينفعل بهذا الشكل من أجل علم رفع من قبل مشجع إسرائيلي في مباراة كرة في دولة أوروبية لناد لا يخصص مقاعد لروابط المشجعين, بمعني أن هذه حالة فردية، كما يمكن لشخص فلسطيني أو مصري أو كائنًا من كان أن يرفع علم بلده، لكن هذه ليست هي المشكلة، فقد نتقبل ردة الفعل هذه من أشخاص آخرين، لكن المشكلة هنا في هذا التناقض العجيب، كيف يمكن للأهواء والأيديولوجيا أن تجعل الإنسان بهذا التناقض، هل تشجيع نادٍ غريم أو تأييد شخص أو فكرة يمكن أن يجعل الإنسان بهذا التناقض، دون أن يشعر بهذا التناقض، فكرت لوهلة، فوجدت أننا جميعًا مليئون بالتناقضات، ننكر أفعالًا على الناس، ونقبلها لأنفسنا، نستجدي المحسوبية في كل مناحي حياتنا، ونسب من يستخدمها دوننا، الأدراج المفتّحة للرشاوي في المصالح الحكومية لا تتعارض مع الصلاة في وقتها بالمسجد، والصلاة في وقتها لا تتعارض مع قبول أموال الربا، وأموال الربا لا تتعارض مع أداء الزكاة وكثرة الصدقات، تدين لا يدعو لإنكار منكر، ومشايخ يدعون إلى نبي جديد، حجبٌ لا تعني حشمة ولا تنفي تبرجًا، حياة قائمة على التناقضات، والأعجب من ذلك هذا الرضا الذي يغمرنا ليلًا، فننام هانئين.

متى، أو كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ لا أدري، وليس لدي تفسير لهذا، إلا أننا مرضى بـ«الشيزوفرينيا»، شيزوفرينا نتجت عن عوامل عدة، أهمها: تحكم الأيديولوجيا والأهواء فينا، وسيطرتها علينا، أصبحنا لا نعترف بالصواب والخطأ، ولا حتى نعرفه، لا نرى الفعل مجردًا لنحكم على صوابه أو خطئه، لم نعد نرى الحقيقة، لأننا ننظر إليها عبر مرآة الأيديولوجيا، والأيديولوجيا مرآة كاذبة، تمنحك الصورة التي تحب أن تشاهدها، تصبغ المشاهد بالألوان التي تحب عيناك أن تراها، ترى كل شيء كما تريده، وكأنك ترى انعكاسًا لأفكارك، الحقيقة بالنسبة لها لا تعني شيئًا، الساحرة الشريرة قد تبدو «سندريلا»، و«نرسيس» قد يبدو مسخًا ملعونًا، فقط إن أردت أن ترى ذلك.

أما في السياسة، فحدّث ولا حرج عن مرضاه، تعرفهم بسيماهم، دون عناء أو مشقة، تبدل المواقف بين ليلة وضحاها أمر لا يجب أن تتوقف عنده كثيرًا، تعجبت كثيرًا في المرة الأولى، التي استمعت فيها إلى حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي يقول فيه «يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»، لكن عجبي زال الآن، صدقت يا رسول الله، وأنا على ذلك من الشاهدين، نعم رأيناهم وعرفناهم، يسب أحدهم الفلسطينين لأعوام؛ لأنهم في نظره باعوا أرضهم لليهود، ثم يبرر بيع جزء من أرض وطنه لدولة أخرى؛ مقابل اليسير من الدولارات، أو حفنة من الأرز، ناشط يُسَب اليوم، ويستشهد بكلامه غدًا، مشاهد تعاد مرة أخرى، لكن المواقف والأدوار تتبدل، مدافعو الأمس أصبحوا معارضي اليوم، والعكس صحيح، ما كان واجبًا شرعيًا أصبح حرامًا، وما كان يذهب الشرعية يمكن الآن التجاوز عنه، أصبح هذا منطق الجميع، دون استثناء أحد، لا معايير، ولا ثوابت،  كل شيء قابل للتحريف، وقابل للتصديق أيضًا.

الأهواء تسيطر على الموقف، والجميع يرى أنه على صواب، ضمير غائب أو نائم في أحضان تلك الأيدولوجيا، تمنعنا من العودة إلى الحقائق أو مراجعة أنفسنا، مرض نادر العلاج؛ لأن المشكلة ليست في طريقة التعاطي مع الأحداث والمواقف بقدر ما هي مع منبع الرؤية لهذه المواقف، الأمر يشبه نظرة مصحح لورقة إجابة، من خلال نموذج إجابة خاطئ، كيف يمكن أن تقنع شخصًا بأن كل أفكاره وقناعاته التي تنتج مخرجات عقله بها خلل ما، كيف يمكن أن تقنع مريضًا بالشيزوفرينيا أنه مريض؟

انتبهت لشيء خطير، أنا أيضًا مريض، لم يعنني الأمر، إلا لأنني أحب «ميسي»، وأشجع برشلونة، أنا لم أنتقد هذا الشخص، إلا من أجل الدفاع عما أعتقد وأحب، الأيديولوجيا أيضا تحكمني، تتملكني وتسيطر على تعاطي عقلي مع الأحداث، لكني لن أهتم بالأمر، لن أشغل بالي بذلك، سأمرر الأمر، وكأنني لم أنتبه إليه، سأضع السماعات في أذني، وأغرق في سبات عميق؛ لعلي أنسى ذلك أو أعود إلى رشدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد