يخيل لذهن المتعلمين أن الاستعانة بالكتاب المدرسي، بمثابة الانطلاقة الأولى نحو عالم المعرفة في أوسع تجلياتها، إذ يخضع في تصميمه لسيرورة نقل «ديداكتيكي» ينقل المعرفة من سياقها الإبستيمولوجي لسياقها التربوي، هديًا من المنهاج وترسيخًا للاختيارات الكبرى للنظام التربوي. وصار «المدرس» ماضيًا نحو ترجمة مضامينه بدليل بيداجوجي ودليل للمادة المدرسة. فما تأثير هذه الممارسات البيداجوجية على المتعلمين؟ وكيف يمكن للمتعلم أن يتخلص من التبعية للكتاب المدرسي؟ وأي نموذج بيداجوجي يناسب التطورات المعاصرة؟

ترجع فكرة إحداث «الكتب المدرسية» للرغبة في إحداث نقل ديداكتيكي مواز لأقطاب المثلث الديداكتيكي، فالمنهاج كما عرفه ميشيل ديفيلاي في كتابه «d’un programme de connaissances à un curriculum de compétences» بأنه البرنامج في منبعه ومصبه: إذ يشمل الغايات والأهداف والطرائق البيداجوجية والتخطيط السنوي في منبعه، والمعينات الديداكتيكية والبيداجوجية والتكوينية التي تساعد المدرس على تنزيل مقتضياته في مصبه.

وانطلاقًا من تحديد الباحث الديداكتيكي سالف الذكر، فإن المنهاج عبارة عن تصور برنامجي متكامل يشمل مهام المدرس والانتظارات المرجوة من المتعلم. في هذا التحديد، فإن الكتاب المدرسي ترجمة لتوصيات المنهاج، وخير المعين للمتعلم قصد الاستجابة للرهانات، و«دليل الأستاذ» إطارًا منهجيًّا للمدرس في سبيل تنزيل السياسات التربوية.

وبالنظر إلى التطورات الكبرى في المجال المعرفي، فإن إصدار «الكتب المدرسية» يندرج في إطار المساعدة على تملك الاستراتيجيات التعلمية والتعليمية، باستحضار النموذج البيداجوجي المعتمد، والاستناد لنظريات علم نفس النمو بصفته المتدخل الرئيس في القطب السيكولوجي للمثلث الديداكتيكي. وهو ما يجعل المشهد التربوي المغربي مقيدًا بمفارقات تدبيرية كبرى، تتطلب حلولًا مستعجلة قبل إعلان المتعلم قرار «الانفصال النهائي عن الأجواء الدراسية»:

1. الكتب المدرسية بين صعوبة مسايرة التطورات والتنشئة الاجتماعية

وتعد الرؤية الاستراتيجية (2015/ 2030) في هذا الصدد، أن من وظائف المدرسة: «التنشئة الاجتماعية والتربية على القيم في بعدها الوطني والكوني». ويعد الكتاب المدرسي خير وسيلة لترجمة التوجهات لشموله لمضامين معرفية موجهة ومهيكلة للتعلمات، فالصياغة الأساس تعتمد نظام الوحدات المعرفية رهانًا أساسيًّا لتحقيق كفايات نوعية وكفايات ممتدة.

وفي الضفة المغايرة، فإن مخطط إدماج «تكنولوجيا المعلوميات والاتصال»، اعتراف ضمني بعدم قدرة الكتب المدرسية على مسايرة إيقاع التطورات الأسية للمعارف. وتوجيه المتعلم نحو البحث المتعدد المتخصصات باعتماد التكنولوجيات الحديثة كفيل بجعل المدرسة في قلب التحديث المجتمعي المنفتح على باقي الأقطاب التنموية.

ومن هذا المنطق، فإن «دمقرطة» التربية والتكوين، لا يمكن الاستجابة لرهانها إلا بتوفير مستلزمات البحث وتأصيل ثقافة البحث بوصفها إحدى الأوراش الكبرى لمدرسة الجودة.

2. الكتب المدرسية بين النقل الديداكتيكي والكفايات المنهجية

لا شك أن عملية تصميم الكتب المدرسية تخضع لمعايير متعددة، منها: مراعاة الضوابط المنهاجية، وتضمين الكفايات المنهجية المراد تدريسها، ودمج الأهداف الوجدانية الواجب استحضارها في كل محتوى تعليمي. والواضح، من خلال هذا التصميم، أن النقل الديداكتيكي منطلق رئيس في سبيل الاستجابة لمكونات المعادلة الثلاثية.

وعلى سبيل المثال، فإن تدريس «تاريخ المغرب» لا يمكن أن يستحضر جميع الجوانب المرتبطة بمرحلة تاريخية، فالرهان الأساس: امتلاك الخطوات الأولية للنهج التاريخي وآليات الاشتغال على الوثائق والشواهد المرتبطة بزمن الماضي. فالمقاربة وفق مدخل الكفايات تركز على دمج الكفايات المنهجية المكتسبة في المعارف المراد تلقيها داخل الفصل الدراسي وخارجه.

وارتباطًا بالأداء التدريسي، فإن التركيز على الجانب المعرفي يطغى على الكتب المدرسية، بفعل النقل الديداكتيكي المتطلب لتجديدات مرحلية تنسجم مع السياق المعاصر. فمن الطبيعي، إدماج مرحلة «جائحة كورونا» في الكتب المدرسية التي ستخضع للتجديد، مما يجعلنا نفترض أن الكفايات المنهجية لا يجري التركيز عليها بالشكل المطلوب في فلسفة تصميم الكتب المدرسية.

وفي هذا السياق، فإن «إطلاق العنان» للنهل من الموارد المعرفية المختلفة وتصويب تمثلات المتعلم خير معراج للارتقاء بمدرسة الجودة، فالاعتياد على كتاب مدرسي جامع للمعرفة وضابط لها تقزيم لثقافة البحث، وتأخير متوقع للاندماج في الحياة الجامعية المستقبلية، كما أن هذا الخيار استجابة حقيقية لمنطلق التربية على الاختيار بوصفها رافعة أساسية لبناء المناهج بالمغرب.

3. الكتب المدرسية بين التعليم والتعلم

في ظل إقرار «كتاب مدرسي» ودليل أستاذ مساعد، فإن معايير تقييم أداء المدرس لا تكاد تعرف طريقًا محددًا، فالمدرس مطالب بصيغة ضمنية ببناء جذاذة درسه بالاعتماد على تصميم الكتاب المدرسي لغايات منها: الاقتصاد في التحضير للدرس وتجنب تعميق التصور حول المادة المدرسة، وتوفير جهد مادي ونفسي للمتعلم عبر إيهامه بأن الكتاب المدرسي المرجع الأوحد.

والأصل، أن كل مؤسسة تتوفر على موارد بشرية ووظيفية، وأن استثمار الأولى للثانية المدخل الفعال لحكامتها، لهذا الغرض، فوضع تصورات محددة ومضبوطة لتقييم الأستاذ، يتطلب ترك مساحة حرة للتخطيط والتدبير والتقويم، منطلقة من الضوابط المنهاجية، ومزكية لكفاءة المدرس وفلسفة تدريسه، والعبرة بالنتائج.

وفي الضفة المقابلة، فإن «الاستراتيجيات المعرفية» و«الميتامعرفية» يصعب اكتشافها من لدن المتعلم، بفعل السياق الموضوع للتعلمات، كما أن النظرية السوسيو- بنائية تفوض الصعوبات لراشد مساعد، مما سيؤثر في نسق التعلم وبناء التفكير الاستراتيجي للمتعلم.

والحكمة تقتضي إقرار كتاب مدرسي «منهجي» يتضمن الكفايات المنهجية، كوسائل مساعدة للمتعلم وكتخطيط سنوي للمهارات المقرر إدراجها، مع ترك حرية المضامين المعرفية للمدرس في إطار تعاقد ديداكتيكي واضح المعالم، معزز بتعاقد بيداجوجي مهيكل للصعوبات ومتجاوز لها.

وعلى هذا الأساس، فإن الانتقال من المقاربة وفق مدخل الكفايات إلى المقاربة بالمشروع كنموذج بيداجوجي رائد، يتطلب إلغاء «الكتب المدرسية» وتعويضها بمشروعات تربوية متنوعة، دامجة للكفايات ومحققة لرهان ربط المدرسة بمحيطها، وفق رؤية تجعل من المدرسة منطلق التفكير وصناعة القادة، مما سيجعل المدارس المغربية تتنافس في تقديم أفضل الخدمات، وهو ما يضع باب «الاستقلال الإداري» للمدارس كبعد نظر ثاقب لإصلاحها.

على سبيل الختام، يمكن القول إن المدرسة تجسيد للمجتمع المصغر في تفاعلاته الدينامية التي يجب استثمارها في تنشئة الجيل الصاعد بالنظام المجتمعي السائد وتحدياته، كما أن للمدرسة مسؤولية مجتمعية مرتبطة بالمساهمة في النقاش العمومي والانفتاح على مختلف الفاعلين. ولا يمكن تصور مدرسة معزولة عن واقعها، ذلك أن تكوين المتعلمين في تسام عن الواقع يكسبهم ضعف التجربة وغياب الوعي المهني والاجتماعي، ويكرس في نفوسهم قيم الغرور والتكبر والفردانية، التي لا تتفق والتحديات المجتمعية التي تنتظر كل فرد من أفراد المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد