من كتاب الدراسات الاجتماعية للصف الثاني الإعدادي – الفصل الدراسي الثاني ص٥٩:
“وقد كان للتقدم العلمي الذي حققه العرب المسلمون دورٌ كبيرٌ فيما حققوه من تقدم في كافة المجالات، فبنوا المساجد والقصور والقلاع، وحدثوا وسائل الري، وصنعوا الأدوات والأدوية والعطور، ووضعوا النظريات العلمية التي كانت أساس النهضة الحديثة، وقد وقف وراء هذه النهضة العلمية عدد من العلماء المسلمين المرموقين. لاحظ الشكل التالي لتتعرفها…”.

“الطب والصيدلة: كان من أبرز العلماء فيهما أبو بكر الرازي الذي وضع كتابه الحاوي في الطب، والذي انشأ أول مستشفى في الإسلام”.

“وكان المجتمع الإسلامي مجتمعًا متماسكًا يسوده الود والتراحم بين جميع عناصره لا فرق بينهم بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، كل له حقوقه وعليه واجباته”.

أنت الآن طالب لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وربما تسمع لأول مرة عن الدولة الإسلامية فتخرج من حصة التاريخ مفتخرًا بتاريخك وحضارتك المستقرة، التي دامت لأكثر من سبعة قرون أموية وعباسية، لم يعكر صفوها إلا هولاكو سنة ١٢٥٨ ميلاديًّا، بل وستصب غضبك على دولة المغول أجمعين بسبب تدميرهم عاصمة الخلافة، ولن يُخبرك الكتاب المدرسي أن المغول أنفسهم سوف يعتنقون الإسلام بعد ذلك التاريخ بسنين قليلة، وسيكون حفيد هولاكو نفسه مسلمًا على المذهب السني، واسمه “محمود غازان”.

وعندما ترجع إلى المنزل بعد يوم مدرسي طويل، ويسألونك عن ما درسته اليوم، ستكون الإجابة بكل ثقة: “العالم المسلم الجليل الطبيب أبو بكر الرازي”!!

 

اعتقد أن المقرر قد نسي أن يخبرك بشئٍ بسيط، ألا وهو أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي (المتوفي سنة ٩٢٣م) لم يكن عربيًّا. وفقًا للإمام شمس الدين الذهبي في كتابه الضخم “سير أعلام النبلاء”؛ فقد وُلد الرازي في مدينة الري – إيران حاليًا- في عهد الخليفة العباسي الثاني عشر “المستعين بالله” لأب فارسي، وليس عربيًّا كما هو مذكور.

ونسي المقرر أن يُخبرك بأنه ليس مسلمًا أيضًا. عقيدة الرازي واضحة وعبر عنها في كتب كثيرة من تأليفه مثل “العلم الإلهي”، ومن بعده كتب “مخاريق الأنبياء” و”رسائل فلسفية”.

 

فقد أنكر ابن زكريا فكرة النبوة وقال عنها ما نصه: “إن البارئ -عز اسمه- إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة، وإنه من أعظم نعم الله عندنا وأنفع الأشياء لنا، وبالعقل أدركنا جميع ما ينفعنا، وبه وصلنا إلى معرفة البارئ عز وجل، فما الحاجة بعد إلى قومٍ يختصون بهداية الناس إلى هذا كله؟”.

من الفقرة السابقة يتضح منهج وفلسفة الرازي؛ فهو يؤمن بالله الأوحد لكنه ينكر فكرة النبوة تمامًا سواء عن موسى، أو عيسى، أو حتى محمد.

ويمكن تلخيص الأسس التي بنى عليها إبطاله للنبوة في ثلاث نقاط:
١- العقل وحده يكفي لمعرفة النفع والضرر، فما فائدة رسل أو أنبياء يختصون بهداية الناس؟

 

٢- لا معنى لتفضيل سلالة معينة من الناس واختصاص الله إياهم لفكرة النبوة، وهنا يشرح امتداد نسل الأنبياء جميعًا من جد مشترك وهو إبراهيم.

 

٣- الأنبياء متناقضون فيما بينهم، وما دام مصدرهم واحدًا وهو الله، فكيف يختلف منهج موسى عن منهج عيسى عن منهج محمد، إنهم لا ينطقون عن الحق، وبالتالي النبوة باطلة. وهنا يشرح الاختلافات العقائدية بين الثلاثة أديان.

لا يوجد اختلاف على قيمة الرازي العلمية، فهو أحد أعظم أطباء البشرية على الإطلاق، وإضافة كبيرة تحسب للحضارة الإسلامية أنها أنجبت مثل هذه العقلية، لكن الرازي بدأ حياته ملحدًا وأنهاها ربوبيًا فأين “العالم المسلم الجليل”من الموضوع؟

 

مع إطالة القراءة في ذلك الكتاب المدرسي ستجد أنه يحدثك عن الفاطميين ودخولهم مصر، ولكن لن يذكر مذهبهم الشيعي، كأن عدم ذكره سيخفي الشيعة من على وجه الأرض. ستجد أنه يصف الخليفة المأمون بن الرشيد بالسماحة والعلم والعفو وتشجيع العلم والعلماء، ولكن بالطبع لن يذكر لك شيئًا عن دوره في الفتنة بين الأشاعرة والمُعتَزِلة، وتعذيبه للإمام الكبير أحمد بن حنبل.

سيحدثك الكتاب عن الحروب الصليبية، لكن حروب الزاب بين بني أميَّة وبني العباس، وحروب السنة والشيعة، وحتى حروب السنة فيما بينهم لا يوجد لها مكان. فالمجتمع الإسلامي في نظرهم كان متماسكًا يسوده الود والتراحم بين جميع عناصره، لا فرق بينهم، فكلهم لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم!!

 

كذبٌ يصنع عالمًا مثاليًا يخالف سنة الله الكونية، لينتهي الأمر إلى جهلة مغيبين، مقابل مثقفين متعالين يتباهون بالسخرية من ثقافة الناس.

58

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد