كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن التعليم المرن واللا مدرسي، ومقارنة عوائد هذين بعوائد المنظومة الدراسية القائمة. هذه المقالة لا تدّعي الموضوعية ولا التعميم، وإنما هي مشاركة تجربة شخصية ونضال طويل مع تلك المنظومة، بين طالبة وأستاذة وموجهة طلابية؛ لمن شاء أن يستفيد.

 

من الناحية التربوية
بادئ ذي بدء، التعليم غير التربية، وإطلاق وزارة الشؤون الدراسية على نفسها وزارة التعليم والتربية لا يعني على الإطلاق تحقيق هذين المفهومين في مناهجها. فمفهوم التربية الحقة: هو إحداث تغيير أو أثر دائم مستمر، من خلال التوجيه بالتدريج والمتابعة عن قرب، بأسلوب يجمع الحزم في غير شدة والرفق في غير تساهل.

فإذا اعتبرنا مكونات العملية التربوية الناجحة لتحدث تغييرًا دائمًا مستمرًا: القرب والمتابعة والتدرج، فكل هذا لا يتوافر في ظل تضخم الفصول وتكدس القاعات، في إطار بعيد كل البعد عن المخالطة القريبة فضلاً عن الودودة. زد على ذلك أن ضيق الخناق زمنيًّا بالكاد يكفي “المقرر” الدراسي، وتوزيع الجداول والمناهج لا يتيح الاجتماع بالطلاب اجتماعًا إنسانيًّا، بل الهم منحصر في إنهاء الكلمتين المقررتين من المنهج، ومن ثَم يظل المدرس أو المحاضر مهما كان قدوة بفعله ومعلمًّا بأسلوبه، نموذجًا يلوح للطلبة من بعيد فيعجبون به، وأقصى ما يحملون منه لاحقـًا هو “ذكرى طيبة” ، يذكرونها – إذا فعلوا – بين الفينة والفينة في خِضَم الحياة العملية.

ومن نافلة القول إن المنظومة التعليمية القائمة لا توفر من قريب أو بعيد بيئة تربوية على الإطلاق، ولا غالب المدرسين مربون من حيث المنهج أو الأسلوب أو حتى القدوة، فمن خالف هذه القاعدة هو استثناء لا يقاس عليه.

 

مثلا ، هم يُدرّسون في حصص الدين أحاديث عن الكذب والغش، في حين أن أخلاق المدرسين في الغالب لا تخلو من أحد هذين، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم! ولعل ذلك يتبدى جليًّا في الحرص على سوء الأداء وتحري التعنت في معاونة الطالب لإجباره على الدروس الخصوصية. بل إن توجيهات المدرسين اليومية على مدى سنوات عمر التلاميذ والطلاب لا تخلو من تعبيد شخصيتهم، وطمس كرامتهم وقمع تقديرهم لذواتهم: “افعل كما نقول”، “لا تجادل”، “لا تناقش”، “هو هكذا”، “حتى وإن لم يعجبك فستفعله”، “اجلس كالكرسي الذي تحتك”!

والمأساة أن هذه المعوقات التربوية لا يستحيل التغلب عليها، لكن الهدف الأصلي الذي بنيت عليه المنظومة هو التلقين لأصنام معلوماتية لا تتبدل ولا تتحول ولا يسمح بنقاشها، وأقصى الجهود التربوية في تلك المنظومة هي أن ندندن حول تلك الأصنام ببعض الترتيلات الأخلاقية، التي صارت مفاهيم هلامية لا مكان لتطبيقها في واقع قائم على افتراس الأضعف واستغلال الأطيب والنفعية والأنانية، هذه هي خلاصة قصة الحياة الدراسية مهما طالت.

 

من الناحية العلمية
وأما مفهوم التعليم فحدّث ولا حرج. بداية لابد من التفرقة بين العلم والدراسة، فما يجري في هذه المنظومة ليس تعليمًا بقدر ما هو “تدريس” أي تكريس لما خطته الكتب الدراسية، وتلقين أصم للطلبة ليوم الامتحان المقدس. فالتعليم في مفهوم المنظومة الدراسية الحالية في الأغلب الأعم قائم على بناء كمًّ معلوماتي لا علمي، وهو حَشد متراكم لكنه غثاء كغثاء السيل . فالطالب يدرس ليستظهر ويسمّع، فيتفوق وينتقل من قالب معد سلفـًا إلى الذي يليه، ومع كل نقلة تتساقط التراكمات المعلوماتية كأوراق الخريف حيث لا عودة ولا مآب.

ويكفي أن يُعلَن عن انعقاد اختبار للمستوى العلمي للمعلمين في أية مرحلة دراسية كانوا ، ليظهر جليًّا أن المعلم نفسه لا يحيط من مادته إلا بالكلمتين في المقرر، وأن القدوة العلمية للطالب هي أول من تعاني من ركود حاد وعسر شديد، فإن لم ينقلوا هذه الفلسفة للطلبة بالكلام نقلوها بالأفعال: “احفظ الكلمتين أمامك” ، “تعبير الكتاب” ، “نص الكتاب” ، “موضوعات التعبير بالشبر” ، “التذوق الفني بالحفظ”، وهلم جرا!

والطريف أن الكثيرين ينمقون هذه المهزلة الفكرية بترديد أحاديث فضل طلب العلم، دون التوقف لمراجعة مفهوم العلم الحق الذي تضع له الملائكة أجنحتها رضا به، فقد استعاذ المصطفى  من “علم لا ينفع”، فإذن ليس كل “علم” نافع ، لأن النفع ليس لصيقـًا بالعلم من حيث هو علم أي تصنيف قائم في المعارف، وإنما العبرة بالآثار المترتبة على العلم على المستوى الشخصي والجمعي. وإن من أشد مساوئ المناهج أنها لا تفرق بين مراتب العلم من حيث اللازمة والعامة والاختيارية والتخصصية.

فماذا يفيد التلميذ من العكوف على المثلث الهندسي والمستطيل الفراغي ونظرية فيثاغورس وخلافها مما لا ينفع في دين ولا دنيا؟ وكيف تدَرَّس حصص العلوم والأحياء كما يدرس التاريخ والأدب، نظريًّا بغير تجربة؟ وما نفع المِجهر إذا كنا ممنوعين من الاقتراب منه؟ وما فائدة المعمل سوى التذنيب وقوفـًا على مدى ساعتين لحفظ معادلات كيميائية أتحدى أحدًا غير المشتغلين بهذا العلم أن يذكروها!

 

شتّان بين الثقافة المسئولة التي تنشأ عن حاجة حقيقة إليها، فتحدِث أثرًا أو تكون سببًا في أثر ينفع الناس، والمعرفة الباردة أو الترف الفكري أو التُّخَمَة الثقافية – سِيّان – التي منشؤها في الغالب “الأهمية المتوهمة”. لابد أن نحفظ هذا لأن المقرر الدراسي يملي علينا ذلك، لأن قوالب المجتمع لن تقبلنا بغير الشهادات المختومة، التي تفيد بأننا “اجتزنا” المرور على تلك التراكمات، بغض النظر عن فائدتها أو أثرها!

 

هذا النوع من المعرفة الباردة، التي لا تتعدى ثلاجات الأذهان، ولا تثمر حركة دافعة ولا قوة دافقة تطور الحياة وتنميها، هي هدف تافه رخيص لا يستحق إشغال النفس ساعات فيه، فكيف بإفناء أعمار في ركابه؟!! وما القيمة التي عادت علينا في حل مشاكلنا من اكتظاظ رفوف المكتبات بالدراسات والرسائل، واكتظاظ الأدمغة بمضموناتها وتوليفاتها؟

 

من الناحية النفسية
خير ما أعبر به عن أثر المنظومة الدراسية على هذه الناحية هو “الاستنزاف النفسي”. فهي تحتل وقت وفكر ليس الطالب فحسب بل كل دائرته القريبة منه، وتستنزف زهرة شبابه هو ووالديه معًا في “ساقية” تدور حول نفسها بغير عائد يساوي حجم هذه التضحية وحدها. كم من خلافات ومشاكل أسرية بسبب تلك المنظومة، كم من قهر نفسي وأمراض عصبية، كم من إهدار للأوقات والأموال بين المدرسة ثم الدروس الخصوصية بعدها، كم من تضييع للواجبات والأخلاقيات الدينية في سبيل فرص دنيوية.

ومن ناحية أخرى، لأن المدرسة لا تقدم علمًا ولا تربية حقيقية، ينشأ الطالب لا إراديًّا في عالمين موازيين، أو حياتين منفصمتين: الحياة المدرسية العامرة بالقوالب الجاهزة والنتائج المحسومة سلفـًا، والحياة الشخصية حيث يحاول الوالدان – إذا فعلا – تلقينه نظامًا أخلاقيًّا ومفاهيم معاكسة لما تتطلبه البيئة الأخرى عند التطبيق. فكم من طفل يلقنه والداه ألا يكذب عليهما، ثم يشجعانه على الكذب على المدرس في عمل الواجب مثلاً أو ادعاء مرض للتغيب! لا عجب أن مجتمعاتنا اليوم صارت مزدوجة المعايير، كل يريد أن يُعامَل بمعايير المدينة الفاضلة في حين يعامل هو الناس بخلاف ذلك!

وفي غالب الأحوال تذوب الهُوية الثانية في الأولى حين ينفض الوالدن أيديهما من أمور التربية والتعليم باعتبار أن المدرسة تؤديها! وبذا ينشأ فرد مدجّن، ينتقل طول حياته من قالب إلى قالب، كيفما تملي الأصنام الاجتماعية، لا معالم لشخصيته ولا طموح له ولا تطلعات خارج تلك القوالب الجاهزة: الابتدائية، الإعدادية، الثانوية، الجامعة، العمل، الزواج، مزيد من العمل، الإنجاب، مزيد من العمل، إدخال الأولاد للمدرسة، مزيد من العمل، تزويج الأولاد، الإحالة للمعاش … ؛ وتتكرر الحلقة المفرغة، مفرِّغة معها الفرد من روحه الفريدة وبصمته المتفردة، وهكذا بدأت سلالة القطعان الآدمية!

والمأساة أن الدائر في تلك الساقية يبدأ دورته ممنيًا نفسه أن تأتي اللحظة التي يمكن عندها أن “يتحرر” ويبدأ أن “يحيا” ، ولا يلبث في تلك المنظومة أن يفقد ذلك الحلم حتى يتبخر تمامًا على المراحل المتأخرة في الثانوية، أو يظل يتمنى ويصمد حتى يتخرج من الجامعة، فيفاجأ بصف قوالب جديد متراصة أمامه ، فيتضعضع ويستسهل اتباع آثار الأقدمين، على إنشاء أثره الخاص. إن مُعْتَرك الحياة العملية يمكن حقـًا أن يمسخ شخصية المرء مسخًا إذا لم يكن أسّس بنيانه على قواعد صلبة. وأنّى له ذلك في خِضم كل ما سلف؟

ما الرسالة؟
لا مفر من إدراك البون الشاسع بين حقيقة التربية والتعليم من ناحية والمنظومة الدراسية من ناحية أخرى، فإما سلوك سبيل التعليم المرن والتربية المنزلية الأصيلة، وهو على مشقته وتحدياته أعظم ثمرة وأرجى فلاحًا، ليصنعوا نشئًا الفرد فيهم بأمة وحده ، بدل الأكوام البشرية التي تخرّجها تلك المنظومات سنويًا، والفرد فيهم لا يعدو في الغالب فرديته، هذا إذا تمكن من الحفاظ عليها. فإن لم يكن ذاك فلا أقل من الوعي بما سبق ذكره مما يتطلب جهدًا مضاعفـًا من الوالدين، لأنهم في هذه الحالة يدفعون الطفل في عكس اتجاه التيار الذي وضعوه فيه.

وكما ذكرت في بداية المقال، هذه تجربة رأيت مشاركتها لمن شاء أن يستفيد. أمــا صورة الاستفادة ونوع القرار الذي قد ينجم عن الاقتناع بها، فهذا كله شأن شخصي، لكن تظل الحقيقة الخالدة أن كلاًّ حر في اختياره ومن ثم كل مجازى بعمله، محاسب على عمره فيم أفناه وشبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعلمه ماذا عمل فيه .
وإنما الموفق من وفقه الله تعالى، فاستهدوه يهدِكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد