يعد العنف أحد الظواهر الاجتماعية والنفسية الهامة؛ لما يترتب عليها من آثار مدمرة للفرد، فقد اهتم به علماء الّنفس، وحاولوا تفسيره، بالرغم من اختلاف مدارسهم وتوجهاتهم، هذا ما أدى إلى التباين الكبير في الأطر النظرية اّلتي تعتمد عليها كل نظرية أو مدرسة من مدارس علم الّنفس، وسوف نحاول التطرق إلى أهم النظريات التي فسرت العنف:

أ- النظرية البيولوجية:

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العنف يرجع إلى أسباب بيولوجية، ولقد أثبتت الدراسات التي أجريت في هذا المجال وجود ارتباط بين هرمون الرجولة الأندروجين، وهو السبب المباشر لوقوع العنف. بحيث أثبت رواد هذه النظرية أن العنف البشري غريزة فطرية، ولقد عمم كل من كونارد وأندري هذا المفهوم، ويريان أن الغريزة العدوانية غريزة فطرية في الجنس البشري، وتندرج فكرة الإرتقاء والتطور وراء هذه النظرية. كما يرى الباحثان أن الحيوانات العدوانية تستمر في البقاء بسبب الغريزة العدوانية، بينما الأقلّ عدوانًا تنقرض. ولقد أكد لورنز أن كلًا من العنف والعدوان يعدان في غاية الأهمية من أجل بقاء الحياة.

ب- نظرية التحليل النفسي:

يتزعم هذه النظرية سيغموند فرويد، حيث يرى أن العنف سلوك واع شعوري ناتج عن غريزة الموت التي افترض وجودها، وهي المسؤولة عن التدمير، وأن العنف دافع من الدوافع الغريزية المتعارضة، وهما: غريزة الموت، وتهدف لحفظ النوع. وغريزة الحياة، وتهدف لحفظ الفر.

ويشير رواد التحليل الّنفسي – وعلى رأسهم فرويد – إلى أن الإنسان منذ ولادته يمتلك عددًا من الغرائز العدوانية، والتي لا تعود إلى الطبيعة البيولوجية له، بل هي غرائز توجد في طبقات اللاشعور الداخلية.

فالشخصية الإنسانية عند فرويد تبنى أساسًا على ثلاثة عناصر متصارعة ومتناقضة، وهي: الهو. وتعني الدوافع القوية التي تبحث عن الإشباع بأية طريقة. الأنا العليا: وهي الصور المثالية والفضائل الأخلاقية التي يتعلمها في الصغر. الأنا: وهي الذات في الصور المثالية والفضائل الأخلاقية التي يتعلمها في الصغر. الأنا: وهي الذات في صورتها العاقلة، التي تكبح جماح الأنا الأعلى.

تضيف هذه النظرية أن العنف يحدث نتيجة الصراع بين الإنسان ونفسه، وبين معطيات العالم المحسوس الذي يعيش فيه، فعندما يريد تحقيق رغبة من رغباته، فيصطدم بعائق من العوائق، فإّنه يحدث صراعًا نفسيًا، والذي بدوره يحدث سلوك العنف.

بينما ترى ميلاني كلاين أن العدوان يعمل داخل الطفل منذ بداية حياته، فهي ترجع العدوان إلى العلاقة  الأولية مع الأم، من خلال تجربة الرضاعة، فالطفل عندما يرضع لا يبتلع الحليب فقط، وإنما تتشكل لديه في الوقت نفسه صورة عن الأم وعن نفسه. فإذا كانت هذه التجربة سارة ومطمئنة ومشبعة للطفل، تكون لديه صورة إيجابية عن الأم، وهذا ما تطلق عليه اسم: صورة الأم الصالحة، أما إذا كانت هذه التجربة مؤلمة أو محبطة، ولم يحصل الطفل من خلالها على الارتياح والطمأنينة، فتتكون لديه صورة سلبية عن الأم، وهو ما تطلق عليه الباحثة اسم: الأم السيئة. 

وصورة الأم هذه، سواء كانت إيجابية أم سلبية؛ تكون النواة الأولى لكل صورة يكونها الطفل عن الآخرين، وعن العالم وذاته ووجوده، وهكذا تؤدي صورة الأم الصالحة إلى تكوين صورة إيجابية عن الذات، وبالتالي تنشأ «أنا أعلى» ودودًا رفيقًا. أما الصورة السيئة فتؤدي إلى تكوين قيمة عن الذات، وإلى تكوين أنا أعلى هجومي عنيف يمارس بطشه على الآخرين، كما يلجأ إلى تدمير الموضوعات الخارجية خوفًا من تلقي الهجومات الانتقامية منها، وهذا التحطيم يولد في نفسه الخوف من انتقام هذه الموضوعات من خلال مبادلة العدوان والعنف، مما يؤدي إلى زيادة شدة القلق، وإلى المزيد من نزعات ونوبات العدوان والتحطيم[1].

ج- النظريات الاجتماعية:

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الظروف والمتغيرات التي عرفها المجتمع هي التي أدت بالفرد إلى استعمال العنف، وتعتبر نظرية الضبط الاجتماعي ونظرية البيئة أهم هذه النظريات:

– نظرية التعّلم الاجتماعي:

ترجع هذه النظرية إلى ألبرت باندورا، الذي يرى أن العنف سلوك متعلم من المجتمع، ويؤكد على التفاعل بين الشخص والبيئة، فتفرض عليه تعّلم السلوك العنيف كأي نوع من السلوك الآخر. فحسب هذه النظرية، فإن الفرد يكتسب العنف بالتعلم والتقليد من البيئة المحيطة به، سواءً في الأسرة أم المدرسة أم غيرهما، ولقد قام كل من والتر وباندورا 1983 بدراسة بعض العوامل، كالممارسة التربوية، والوالدين، وتأثير النماذج – الأب والأم – كنموذج يقتدى به، وأثر ذلك على العنف؛ فوجدوا أن الطفل يقّلد سلوكه.

كما ترجع هذه النظرية مصدر العنف إلى التنشئة المتسلطة ومشاهدة الأفراد للأفلام الكرتونية التي تعرف بقصص البطولة، والسلوكات العنيفة تؤثر فيهم عن طريق التقليد والمحاكاة [2]

– النظرية السلوكية:

يؤكد رواد هذه النظرية أن العنف شأنه شأن أي سلوك يمكن اكتشافه، ويمكن تعديله وفقًا لقوانين التعّلم، لذلك ركزت البحوث والدراسات التي أجراها السلوكيون أن السلوك متعّلم من البيئة، ومن ثم فإن الخبرات أو المثيرات التي اكتسبها شخص معين وفيها سلوك عنيف قد تم تعزيزه وتدعيمه.

–النظرية المعرفية:

حاول علماء النفس المعرفي أن يتناولوا سلوك العنف لدى الإنسان بهدف علاجه، وقد ركزوا في معظم دراساتهم وبحوثهم حول الكيفية التي يدرك بها العقل الإنساني وقائع أحداث معينة في المجال الإدراكي أو الحيز الحيوي للإنسان، كما يتمّثل في مختلف المواقف الاجتماعية المعاشة وانعكاسها على الحياة اليومية للإنسان؛ مما يكون لديه مشاعر الغضب والكراهية، وكيف هذه المشاعر تتحول إلى إدراك داخلي يقود صاحبه ممارسة السلوك العدواني[3].

بناءً على ما سبق ذكره من نظريات، نجد أن أول ما يلفت الانتباه، هو افتقارها للبعد الشمولي للفرد، على اعتبار أن الفرد متعدد الأبعاد، حيث نجد أنها انتهت إلى التركيز على بعض الأسباب، وإهمال البعض الآخر، فالاتجاه البيولوجي يقر بأن الإنسان عنيف بطبعه، وهو حصيلة لمجموعة من الخصائص البيولوجية، كما أسلمت كذلك بأن السلوك العنيف وراثي، أي يولد الطفل محملًا بجينات العنف من والديه. أما أنصار الاتجاه التحليلي، فيقولون بأن العنف سمة من سمات الشخصية، وأن الإنسان عدواني بالفطرة، حيث ربطوا العنف بغريزتي الموت والحياة، في حين ربطت نظرية التعلم الاجتماعي سلوك العنف بالملاحظة والتقليد، فالأطفال يتعلمون السلوك العنيف بنماذج تقدمها الأسرة والأصدقاء، أما الّنظرية التكاملية فهي تربط بين كل هذه النظريات، إذ تقر أن الفرد كلٌ متكامل، فسلوك العنف ينتج نتيجة عوامل بيولوجية عضوية، نفسية وبيئية.

العنف المدرسي: المفهوم والجذور

تعددت واختلفت التعريفات والأدبيات التربوية والاجتماعية التي حاولت إعطاء تعريف موحد للعنف المدرسي، ويعود هذا الاختلاف إلى الأطر النظرية التي يتبّناها كل فريق، إن تحديد مفهوم العنف المدرسي مرتبط بمجموعة من الخطوات التي تمكننا من التعرف على الأجزاء التي يتكون منها.

يعرف دوباكيي العنف المدرسي بأّنه انحطاط في النظام ومكوناته التربوية، ويحتوي على درجات تنطلق من عدم الحياء إلى القتل، مرورًا بالتخريب والتهديد.

العنف المدرسي يمكن تعريفه بأنه السلوك الذي يمارسه التلميذ في مدرسته، سواءً ضد زملائه أم أساتذته أم ضد ممتلكات المدرسة، والقائمين عليها، وهو مظهر من مظاهر سوء التكيف المدرسي.

أما ألان بووي فعرفه  بكونه سلوكًا أو تصرفًا يصدر من التلميذ داخل المدرسة، سواءً كان هذا السلوك جسميًا أم رمزيًا، يهدف لإلحاق الأذى والضرر بممتلكات المدرسة[4].

فالسلوك العنيف – إذًا – سلوكٌ يصدر عن التلاميذ داخل المؤسسات التربوية، بهدف إلحاق الأذى بالآخرين أو بممتلكات المدرسة، وهذا يمكن أن يكون رمزيًا أو معنويًا. أو هو استعمال القوة البدنية لإلحاق الأذى بالآخرين بغية تحقيق غايات شخصية كانت أم جماعية، قد يكون فرديًا أم جماعيًا، مباشرًا أم غير مباشر.

– عوامل العنف المدرسي من منظور علوم التربية:

تعتبر ظاهرة العنف المدرسي ظاهرة كغيرها من ظواهر السلوك الإنساني، فهو لا يرجع إلى سبب واحد، بل يرجع إلى أسباب عدة.

هناك عوامل عديدًة ترتبط بالعنف المدرسي، منها عوامل نفسية تتعّلق بالفرد، وعوامل مدرسية، وعوامل تتعلق بجماعة الأقران، وأخرى تتعلق بالمجتمع، فالعنف المدرسي لم يكن أحداثًا معزولة، بل هو جزء من مشكلة العنف العام في المجتمع.

أ- العوامل الفردية:

وهي عوامل ترتبط بالتلميذ ذاته، وبطبيعته البيولوجية، ومما لا شك فيه أن مرحلة الانتقال من التعليم الأساسي إلى التعليم الّثانوي تتزامن مع مرحلة المراهقة، وهي مرحلة تغيرات في مختلف الجوانب؛ عقلية، فيسيولوجية، انفعالية؛ مما يؤدي إلى ظهور مشاكل سلوكية، وتشير بعض الدراسات إلى أن البناء الّنفسي الانفعالي وخصائص الشخصية لديه، ومن بين هذه الخصائص الاندفاعية ما يولد السلوك العنيف، خاصة في مرحلة المراهقة.

تتخلل مرحلة المراهقة مجموعة من التغيرات، تتدرج في البلوغ بشكل خاص من خلال تسارع وتيرة الّنمو؛ فنجد زيادة مفاجئة في قامته ووزنه، كما نلاحظ زوال ملامحه الطفلية، وذلك بنمو عضلاته واتساع كتفيه، وتسارع في نمو الجناح والأطراف. كل هذه التغيرات التي تطرأ على المراهق، يمكنها أن تسبب له ضيقًا وتوترًا؛ ما يجعله يسلك سلوكيات لاتربوية، كالعنف المدرسي.

أما فيما يخص الّنمو الانفعالي، فيتأثر بتطور نمو المراهق، حيث تعتبر العواطف مظهرًا من مظاهر الحياة الانفعالية، إذ يعبر هذا الأخير عن انفعالاته في مظهرها الهيجاني والعاطفي بشيء من المغالاة. وتكون شخصيته مضطربة، وغير مستقرة [5]

من خلال ما سبق ذكره يمكن القول؛ إن المراهقة مرحلة عمرية تتميز بحدوث كثير من التغيرات، التي تسبب للمراهق عدم التوافق، الذي يجعله يعاني من مجموعة من مشاكل اجتماعية، نفسية، انفعالية، تؤثر على تصرفاته وسلوكاته، فيلجأ المراهق في أغلب الأوقات إلى العنف.

ب-العوامل الأسرية:

تؤدي الأسرة دورًا هامًا في تشكيل السلوك السوي والسلوك غير السوي للطفل ويعتبر السياق الأسري أحد العوامل الهامة التي تساهم في ظهور العنف داخل المدرسة، فهي التي تحدد تصرفات أعضائها. تعد الأسرة الجماعة الأولى التي تكسب الفرد الثقافة القيم، العادات والتقاليد، السائدة في المجتمع، ومنها يتعلم الفرد فكرة الصح والصواب يتعلم الأساليب السلوكية التي سوف يّتخذها أسلوبًا في سلوكه، ويتعلم ما عليه من واجبات، وما له من حقوق، كما أن للأسرة أثرًا على النمو الّنفسي للفرد: فبسببها ينمو الطفل نموًا نفسيًا سليمًا، أو نموًا نفسيًا غير سليم، فهي المسؤولة عن سمات شخصية الطفل، بما فيها عنصر العدوانية، فعندما تكون الأسرة مستقرة، وتلبي حاجات الطفل؛ ينتج عن ذلك سعادة الطفل. أما الأسرة المضطربة، فهي بلا شك أرضًا خصبة للانحرافات السلوكية والاضطرابات النفسية.

وهناك عوامل أسرية عديدة تساهم إلى حدٍّ كبير في حدوث سلوكات العنف فالظروف الأسرية تلعب دورًا مهمًا في دفع المراهق هذا النوع من السلوك[6].

فالتنشئة الاجتماعية إذًا عبارة عن عملية تلقين الفرد قيم ومعايير، وذلك لتهيئته للعيش والتفاعل مع المجتمع، فهي مصدر القيم التي ينشأ عليها الطفل، وهذه القيم هي التي تحدد للطفل السلوك المرغوب والسلوك غير المحبوب.

وعليه نجد أن من أهم المشكلات التي يتعرض لها المراهق في حياته، هي نوعية العلاقة القائمة بين المراهق والراشدين، وعلى الخصوص الآباء الذين يقفون بينهم وبين الحرية في تأكيد الذات عن طريق تحقيق المكانة في المجتمع، وذلك بالتدخل في شؤونهم الخاصة، بحيث تتنوع أساليب المعاملة الأبوية حسب اختلاف اتجاهات الوالدين؛ إذ يمكنهم أن يلجأوا إلى أساليب مختلفة، نذكر منها:

– أسلوب التسّلط:

يتمّثل في فرض الأم والأب لرأيهما على الطفل، ويتض من ذلك الوقوف أمام رغبات الطفل التلقائية، ومنعه من القيام بسلوك معين لتحقيق رغباته التي يريدها، حتى لو كانت مشروعة.

– أسلوب الحماية الزائدة:

يعرف أسلوب الحماية الزائدة بالميل المفرط لدى الأبوين لحماية أطفالهما بدنيًا ونفسيًا، بحيث يفشل الطفل في الاستقلال بنفسه. فنجد أن المراهق ينمو بشخصية ضعيفة غير مستقلة، تعتمد على غيرها في قيادتها وتوجيهها، وغالبًا ما يسهل استثارتها، ولا شك أن للحماية الزائدة نتائج سلبية في تكوين الطفل، حيث لا يستطيع تحمل الاحباطات المستمرة في الحياة، ويضطرب سلوكه وعلاقاته الاجتماعية.

– أسلوب العقاب:

يعتقد بعض الآباء أن العقاب نوع من الأساليب التربوية المهمة للتربية السليمة، ولكن ما أكدته الدراسات هو أن للعقاب خطورة من الناحيتين، الأولى تتمّثل في نوع العقاب ودرجته، فأما من ناحية نوعيته، فإّنهم يتجهون إلى العقاب البدني، وما له من آثار سلبية على جسم الطفل، بينما يلجأ بعض الآباء إلى العقاب الّنفسي، والذي يأتي بآثار وخيمة على المراهق وتصرفاته[7].

ج- العوامل المدرسية:

يعرف الباحث حامد زهران المدرسة على أّنها: المؤسسة التي تقوم بوظيفة التربية، وتوفير الظروف المناسبة للنمو النفسي للطفل، وتتأّثر شخصية الطفل التلميذ حيث يزداد علمًا وثقافة، كما ينمو جسميًا، اجتماعيًا وانفعاليًا.

تعد المدرسة المؤسسة الاجتماعية الثانية في الأهمية بعد الأسرة، من حيث مكانتها ودرجة تأثيرها على المراهق ورعايته، وصقل شخصيته، وتنمية مواهبه ومهاراته وتزويده بالتعارف، إضافة إلى أّنها توّفر له بيئة اجتماعية مليئة بالمثيرات التي يتم توجيهها بالاتجاه الذي يعود عليه وعلى مجتمعه. فهي إذًا منظمة اجتماعية، تعمل إلى جانب الأسرة، فهما متكاملان، وذلك لتكييف الفرد مع النظام المدرسي.

ومما لا شك فيه أن التلميذ في المدرسة لا يتوفر على قسطٍ كبير من الحرية والشعور بالمسؤولية، ومثل هذا المناخ المدرسي السلبي الذي يجعل التلميذ يشعر بالضيق والتوّتر، ما يجره أحيانًا إلى سلوك العنف.

وعلى هذا الأساس يمكننا القول: إن المدرسة مؤسسة هامة تساعد على تربية الطفل جنبًا إلى جنب مع الأسرة، فهي تكون شخصية الفرد، وتوجهه إلى اكتساب سلوكات سوية أو غير سوية، فهي إذًا يمكن أن تكون سببًا من أسباب انحراف الأفراد؛ مما يؤدي به إلى ممارسة سلوك العنف، وهناك عوامل عدة مدرسية يمكن أن تكون عامة غير مشجعة لهذا السلوك، وهي طبيعة العلاقة البيداغوجية بين التلميذ والمعلم، الجو المدرسي، بما فيه النظام وطرائق التدريس، إلى جانب التقويم التربوي الحديث، وجماعة الرفاق.

د– البيئة المدرسية:

يشير محمود أبود إلى أن نقص الإمكانات المدرسية، من وسائل تعليمية، مطاعم، ملاعب، وقاعات للنشاطات، يؤدي إلى خلق مشاكل سلوكية للتلاميذ، كنقص الأنشطة الترفيهية، التي تعتبر المتنّفس الذي يحاول المتعلم إخراج مواهبه وقدراته والتعبير عن طاقاته الكامنة، لذا لابد من المدرسة توجيه كل طاقاتها وإمكاناتها من أجل توفير احتياجات التلاميذ الترفيهية، كالأنشطة الثقافية، الرياضية والفنية.

ويضيف أنه عندما تكون البيئة المدرسية سلبية وغير آمنة، فإن المدرسة تعاني تحديات وصعوبات كثيرة وجمة؛ مثل نقص الانضباط المدرسي وتزايد العنف في المدرسة والفشل في توفير الفرص التربوية الملائمة للتلميذ، وانتشار الانحرافات السلوكية غير الملائمة.

ه– الإدارة المدرسية:

مما لا شك فيه أن إدارة المدرسة تلعب دورًا بارزًا في تحقيق الصحة الّنفسية للمتعلمين، وذلك من خلال أسلوب التعامل السائد في المدرسة، والذي ينعكس إيجابًا أو سلبًا على المدرسة عمومًا، والمعلم خصوصًا، فتسّلط الإدارة والعاملين فيها يؤدي إلى خلق جيل غير قادر على حل المشكلات، وقد يتطور ذلك إلى الإحباط واعتلال الصحة النفسية، التي بدورها تؤدي إلى سلوك العنف، فإذا تجاوزت حدودها المعقولة في فرض القواعد والتعليمات والنظم، واتبعت أسلوبًا صارمًا، فلا شك أّن ذلك يؤدي إلى نفور التلاميذ من المدرسة، وكراهيتها والهروب منها، والوقوع في السلوكات المنحرفة.

و– التقويم التربوي:

يقصد بالتقويم التربوي إصدار الأحكام على قيمة الأشياء والموضوعات لغرض اتخاذ القرارات. تكمن أهمية التقويم في تحديد مدى التغيير في سلوك الأفراد المعنيين بالتقويم: معلمين، تلاميذ، إداريين، لتحسين أدائهم في المجال المدرسي، فهو عملية منظمة لجمع وتحليل المعلومات حول البرامج المتعلقة بالمتعلم، المعلم، الإدارة والمرافق والوسائل، النشاطات، وذلك للتأكد من مدى تحقيق الأهداف.

يشمل التقويم الّتربوي كل المجالات التربوية، بما فيها المناهج المدرسية التي تعد من أبرز الميادين التربوية، وأهم مكونات النظام التربوي، فهي أداة مهمة تعتمد عليها المؤسسات التعليمية في تحقيق أهدافه.

يوحي الباحث الجزائري وديع حداد، في كتابه: التجديد في التربية.. إلزام أم إلتزام؟ إلى أن التجديد يحمل مجموعة من المشاكل، فعلى الرغم من النجاح النسبي لهذه المنظومة التربوية، فإن القرن الجديد يحمل معه مجموعة من التحديات والصعوبات والضغوط، التي تحتاج إلى إعادة النظر في التوجيه التربوي؛ لأن المؤسسات التربوية غير محضرة لها [8].

نستنتج من خلال ما سبق أن المدرسة ومقوماتها يمكن أن تكون عامة من غير عوامل نشوء سلوكات العنف لدى التلميذ، فالمعلم هو الركيزة الأساسية في العملية التربوية، فأي خلل في شخصية المعلم، وكفاءته؛ فسوف يعود سلبًا على سلوكات التلاميذ، فكل من طبيعة العلاقة البيداغوجية، وطرائق التدريس التقليدية، أضف إلى ذلك البيئة المدرسية المعتلة؛ تؤدي إلى العنف المدرسي.

ي– جماعة الرفاق:

تعرف جماعة الرفاق بأّنها: اتصال جماعة متقاربة في الميول والأهداف والمستوى الاجتماعي والاقتصادي، اتصالًا مباشرًا، وتربطهم علاقة محبة ومتبادلة، كما تربطهم قيم ومعايير متشابهة.

وتعد جماعة الرفاق من الجماعات الأولية التي لها تأثير مباشر على شخصية الفرد بعد الأسرة والمدرسة، وما يقوي هذه الجماعة هو الّتشابه والتجانس بين أفرادها من حيث العمر، الأهداف والاتجاهات؛ إذ نجد أّنه – وتحت تأثير الجماعة – يقل التفكير المنطقي، وتضعف عملية الضبط الذاتي، ومن ثم تظهر الاندفاعات العدوانية، فجماعة الأقران والنظراء تؤثر تأثيرًا بالغًا على المراهق، وعلى معاييره من خلال عملية التفاعل والتأثير المتبادل، كما أن للصداقة دورًا إيجابيًا، فكم من مراهق نشأ على الأخلاق والمثل، وإذ به – وبمصاحبته لرفاق السوء – انحلت هذه الأخلاق [9].

وعادًة ما نجد في جماعة الرفاق سيطرة القوي على الضعيف؛ ما يوّلد لديهم خلافات ومضايقات؛ مما يجرهم إلى المشاجرات والسلوكات العنيفة. وهكذا فالصحبة أو جماعة الرفاق، تعتبر من العوامل الأولى التي لها تأثير بالغ على سلوك التلميذ، وبالخصوص الصحبة السيئة التي يمكنها أن تجر المراهق إلى سلوكات العنف.

هـ- وسائل الإعلام:

لوسائل الإعلام دور بارز في تنامي ظاهرة العنف لدى المراهقين، فالبرامج الإعلامية، وخصوصًا التلفزيونية، من حيث إنها تقدم لهم عينة من التصرفات الخاطئة، مثل العنف الذي يشاهده المراهق لمجرد التسلية والإثارة، قد ينقلب في نهاية التسلية والإثارة لواقع مؤلم بفعل التأثير السلبي القوي والفعال لوسائل الإعلام لتجسيد العنف بأنماطه السلوكية المختلف. ولا يخفى علينا أن المراهقين لديهم القدرة على التقليد والمحاكاة لما يشاهدونه في التليفزيون، كما أّنهم ينجذبون لمشاهد العنف، ويجدون فيه المتعة، لذا نجد أن معظم حديثهم يدور حول البرامج التلفزيونية العنيفة، فإذا كانت وسائل الإعلام نافذة مفتوحة على العالم للمعرفة، والاتصال والترفيه، ولكنها تؤثر، إما بالإيجاب أو بالسلب، فمشاهدة القنوات الأوروبية واستهلاك ساعات من الأفلام، يثير رغبات وحاجات عديدة: أكلًا متنوعًا، ألبسة فاخرة، سيارات، لا يمكن للأب أن يوّفرها لأبنائه؛ مما يخلق الإحباط عند الأطفال[10].

تعتبر وسائل الإعلام إذًا سلاحًا ذا حدين، فهي بمثابة أداة تبرز التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم من جهة، ووسيلة تساعد في انتشار السلوكات الانحرافة.

خ- العوامل الاقتصادية:

يختلف السلوك العنيف باختلاف المستوى الاقتصادي للفرد، فقد أثبّتت مجموعة من الدراسات أن المراهقين الذين يعيشون في المستوى الاقتصادي المنخفض أكثر عدوانية من المراهقين ذوي المستوى الاقتصادي المرتفع، فقد وجد كل من سيرز و ماكوبي ولفين أن المراهقين في الطبقات المتوسطة أكثر عدوانية منهم في الطبقات المرتفع.

كما أكد ميشل جورام أن قلة المصادر وندرتها، وقلة النشاط الاقتصادي، يؤدي إلى العنف، كما يبدو واضحًا في أغلب المجتمعات الفقيرة والمحرومة[11].

وعليه يمكننا استنتاج أن للعنف المدرسي عوامل عدة تؤدي إلى إحداثه، ومن بين هذه العوامل نجد:

-أسباب أسرية، والمتمثلة في التنشئة الاجتماعية والتفكك الأسري والخلافات العائلية، أضف إلى ذلك أنماط المعاملة الوالدية.

– أسباب مدرسية، وتتمثل في الجانب التعليمي، وإهمال الجانب التربوي، التعامل السلطوي الذي يلجا إليه بعض الأساتذة، مع إهمال المدرسة للأنشطة الترفيهية.

– أسباب اقتصادية، مثل الفقر والمستوى الاجتماعي المزري، فعدم حصول الفرد على كل حاجياته ولوازمه يخلق لديه سلوكيات انحرافية.

– أسباب تتعلق بجماعة الرفاق والأقران، خاصة في مرحلة المراهقة، التي يخضع فيها المراهق لقواعد الجماعة، التي تنمي لديه سلوكات ومعايير قد لا تتفق مع قواعد ومعايير ذلك المراهق.

-أسباب إعلامية؛ فمضمون البرامج الإعلامية، وما تعرضه من برامج عنف تصبح نموذجًا يقتدي به الطفل في تصرفاته اليومية[12].

من خلال ما أشرنا إليه أعلاه يمكننا القول إن العنف المدرسي ظاهرة سلوكية منتشرة في مؤسساتنا التربوية، وهي تعتبر من أهم المشاكل السلوكية التي شغلت اهتمام العاملين في مجال التربية، خاصة في الآونة الأخيرة، وهذا لانتشارها المفزع في مؤسساتنا التربوية، وبالخصوص عند المراهقين المتمدرسين، تستدعي لم شمل كل المقاربات النظرية في ارتباطها بالاستراتيجيات  للحد من تفشي هذه الظاهرة.

————————-

[1]– أمل البكري، ناديا عجوز، علم النفس المدرسي، الأردن، دار المعتز للنشر والتوزيع،الاردن 2007، ص 25.

[2] – مصطفى ناصف،نظريات التعلم دراسة مقارنة، ترجمة علي حسين حجاج ومراجعة عطية محمود هنا، سلسلة عالم المعرفة، عدد 70. ص40.

[3] – مصطفى ناصف،نظريات التعلم دراسة مقارنة، ترجمة علي حسين حجاج ومراجعة عطية محمود هنا، سلسلة عالم المعرفة، عدد 70.ص 42

[4] – سوسن شاكر مجيد، العنف والطفولة، دراسات نفسية، عمان دار صفاء للنشر والتوزيع، بدون طبعة 2007، ص33.

[5] – سوسن شاكر مجيد، العنف والطفولة، دراسات نفسية، عمان دار صفاء للنشر والتوزيع، بدون طبعة 2007، ص34.

[6] -نفسه.

[7] -سوسن شاكر مجيد، العنف والطفولة، دراسات نفسية… ، ص39.

[8] -طه عبد العظيم حسين، سيكولوجية العنف العائلي والمدرسي، دار الجامعة الجديدة، ط 1، الاسكنرية 2007،ص44.

[9] -طه عبد العظيم حسين، سيكولوجية العنف العائلي والمدرسي…،ص46.

[10] -أحمد بن محمد بونوة، العنف المدرسي بين الإعلام والمدرسة، شبكة ألوكة للنشر، الجزائر 2015، ص51.

[11] -أحمد بن محمد بونوة، العنف المدرسي بين الإعلام والمدرسة…ص52.

[12] -خالد الصرايرة ( 2009 )، أسباب سلوك العنف الطلابي ضد المعلمين والإداريين في المدارس الثانوية الحكومية في الأردن من وجهة نظر الطلبة والمعلمين والإداريين، المجلة الأردنية في العلوم التربوية، مجلد 05 ، العدد، 02ص 40.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد