حديث أخر عن التعليم

طال مكوث الآنسة المحترمة في الباحة الهادئة لمدرسة ابنتها الصغرى الابتدائية في انتظار انتهاء الدوام كي يسعها مقابلة المعلمة التي استدعتها بخصوص مسألة عاجلة تخص مستقبل ابنتها.

بالطبع لم تجد الأم صعوبة في الربط بين الرسائل التي باتت تتلقاها مؤخرًا من إدارة المدرسة بخصوص تصرفات غريبة بدرت من الصغيرة، بالتحديد: إفراط في الحركة. جلست السيدة وهي تفرك أصابعها تستنجد بكل خلية وهبها إياها الرب أملًا في إيجاد عذر أو تبرير ولو مؤقت لحركات الطفلة المدللة ريثما يسعها التخلص من عادتها السيئة وتعدل المعلمة عن قرار فصل البنت الذي سيدخلها لا محالة في دوامة إيجاد مدرسة جديدة، والحقيقة أنها سأمت من هاته الدوامة المتكررة.. ولم لا تستطيع هاته الغبية الحقيرة «سمحت الآنسة لنفسها لبرهة من الزمن في تناسي أن الحديث هنا بخصوص ابنتها» أن تحافظ على هدوئها قليلًا وتحصل في المقابل على تعليم عادي ورفقة طيبة؟ غريب أمر الأطفال.

لم تنتبه الأم لشدة غضبها أن الساحة كانت ملأى بالأطفال الراكضين، وأن المعلمة كانت تقف أمامها منذ برهة مثلما هو واضح من نظرات الدهشة على وجهها، وهاته الأخيرة بدأت تفكر في قرارة نفسها في مدى غرابة العائلة التي تورطت معها: أم جامدة كتمثال، وطفلة هائجة كنهر.

سنجلس أنا وأنت صديقي القارئ بعيدًا، حيث لا يسعنا سماع حديث السيدتين المتبادل، أو قل «المونولوج» الذي تلقيه المعلمة على ضحيتها بخصوص المصلحة العامة للتلاميذ، وكيف أن تواجد ابنتها الصغيرة الجميلة معهم يعوق مسار التعلم عليها وعلى رفقائها الصغار المبهجين، لتختم حديثها بتشخيص يظهر الجانب الآخر منها الذي كان يحلم بدراسة الطب عند الالتحاق بالجامعة لولا الظروف قائلة: أظن أن ابنتك تعاني من أعراض «ADHD».

أنا وأنت لحسن الحظ لم نستمع لكل هذا لأننا كنا نحلق مع الصغيرة بحفاوة بين الأزهار، ويبدو أنها حقًا تعاني من مرض، إلا أني أشك في أنه الـ«ADHD»، أعتقد أنها تعاني من الطفولة: ورم لا يقل خطورة ثبت أنه يستحيل استئصاله دون هلاك روح المصاب، لكن وفي المقابل نسبة الشفاء منه هي 100% ما إن يبلغ صاحبه سن الثالثة عشر.

وطالما أنك هنا دعنا نرحل للوراء قليلًا، لعام 1930 حيث تجلس صديقة أخرى لنا في قاعة انتظار لأحد الأطباء، اللون القاتم يغرق المكان ووحده فستان رفيقتنا الأرجواني كقشة أمل في وسط القاعة، سبب وجودنا هو فكرة طرحها أحد المعلمين بأن على صديقتنا استشارة الطبيب ما دامت لا تنفك تتصرف بغرابة بهلوان وكأن روحًا تعتريها، ندخل رفقة الصغيرة للغرفة وبعد مدة يطلب منا الطبيب أن نرافقه للخارج لحديث جانبي، وتبقى هي داخل القاعة رفقة أنغام رنانة تملأ الغرفة، لنشاهدها من الخارج وهي ترتجل رقصتها الخاصة رامية بالعالم من حولها عرض الحائط في لحظة نورانية، ومن الواضح أنها تحتاج لعناية خاصة ودواء مختلف، تحتاج أن تلتحق بمدرسة خاصة.. بتعليم الرقص حسب رأي الطبيب، وبهاته النبوءة بُعِثت من صَمتها جيليان لين، مصممة الرقصات الشهيرة، وبقية القصة يسردها «جوجل».

نعود لباحة المدرسة حيث غادرت المعلمة وكل الأطفال وبدت الساحة فارغة إلا من الأم وابنتها والمسافة الفاصلة بينهما، وقفت الصغيرة تطالع أمها ونحن من خلفها، أنا وأنت كملاكين، يعم صمت لا يطاق المكان، نشاهد أول دمعة على وجنة الأم.

عالمنا هذا يسير بخطى ثابتة نحو إنكار ذاته ووأد أطفاله بشتى الطرق، بالفقر، بالألم، بالجهل، بالتعليم أحيانا أخرى.

الأنظمة التعليمية التي تجبر طفل في أكثر سنين عمره توهجًا على الجلوس لطاولة دون حراك لساعات خالية من أي نفس متعة، ثم تتهمه في المقابل بأنه مفرط في حركته هي أنظمة فضائية دخيلة جاهلة بأبسط الأمور بخصوص أطفالنا، أو لعلها أنظمة صدئة وعاجزة في آن على تقبل فكرة أنه قد ولى زمانها، أنظمة تراثية مكانها المتحف، مصيرها النسيان، نجدها متشبثة لآخر رمق بمشاكلها التي لا تعد ولا تحصى، لعل أسوأها هي الطريقة التي يتم بها التعامل مع فكرة التعليم على أنها فعل جاف لا مكان فيه للأخذ والرد، عملية تلقين لا يتخللها أي مرح أو دهشة معاذ اللّه، وفي اجتماعاتهم المغلقة حيث تلتقي حفنة ممن لا يهمهم أمر الضحايا كونهم لا يشاركونهم الميدان، في هاته الاجتماعات تعقد المصائر ويعمل بها كوحي لا جدال فيه. عندما يلتقي هؤلاء العميان لإرشاد بصير فهاته مأساة، عندما يدعي البصير العمى وحاجته لمشورة العميان، تلك مأساة ثانية.

إن كن نعلم أن الأستاذ والتلميذ هما الأدرى بمصلحتهما فلما نعيق عليهم المأمورية بدلًا عن تسهيلها، لم يكون طرح الأسئلة والأخذ والرد، ثم قطع الداء من منبعه منهجنا، هل كتب على المدرسة أن تكون ساحة تتبخر فيها الأحلام ويعاقب أهل الاختلاف فيها وينعتون بالتخلف؟

لابد أن نتساءل: ما دام الأساتذة في مدارسهم يزعمون أنهم يعملون ويعلمون فأين ثمار جهودهم، لماذا هناك تدريس لا يتبعه تعلم، لم لا يخرج لنا أطفال واعون بمتطلبات العيش قادرون على اتخاذ قرارات حاسمة متحملين للمسؤولية، لم لا يخرج شباب بروح الطفولة التي دخلوا بها أول مرة وبإقدام أكثر واستعداد للمخاطرة في سبيل إظهار إبداعهم للعالم، لماذا نحصل مقابل سعينا على شباب مهدمٍ مسجون في الصندوق متورط به ليس بيده أن يفكر خارجه حتى؟ لا بد أن نتساءل ونجيب دون تردد بما يمليه علينا المنطق، ومن ثم نعمل على تحقيق ما هو أفضل، لأننا نعلم مهما بدا الطريق وعرًا أن التعليم فعل حميمي يتم داخل قاعة مغلقة وجو دافء في حضرة اثنين لا أكثر: عقل متفتح وأذن تصغي. وبوسع معلم ملهم واحد أن يخلق من جحيم الدرس فردًا ومن عذاب التعليم حَلوى. ألسنا في نهاية المطاف أكثر الأمم حظًا بأكثر المعلمين إخلاصًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد