أواخر ستينات القرن الماضي، كان الفيزيائي الإيطالي فينيزيانو يعمل على إحدى معادلات علامة الرياضيات السويدي، أويْلَر، الذي عاش في القرن الثامن عشر.. حيث بدا له وقتها أن تفسير التفاعلات القوية بين الجسيمات تحت الذرية يعطينا صورة لتلك الجسيمات على أنها أوتار، كأوتار الكمان، وليس نقطة هندسية كما كان شائعًا.

لقد بات معلومًا أن فرضيته تلك أسست لما نعرفه اليوم بنظرية الأوتار الكونية، التي تجعل الوتر أصغر وحدة بنائية، ذا طاقة عالية، يتذبذب بمقدار ما، فينشأ الإلكترون، ويتذبذب بمقدار آخر فينشأ أحد أنواع الكواركات، التي يتألف البروتون من ثلاثة منها… وهكذا.

كي تتصور حجم الوتر، تخيل أن الذرة أصبحت بضخامة المجموعة الشمسية.. فيكون الوتر بطول شجرة!

تطورت نظرية الأوتار، وبدأ المنظرون من علماء الفيزياء في نشر بحوثهم حولها.. فتشعبت وتشابكت فروعها حتى أصبحت متاهة من المعادلات لا يجمعها رابط.

ثم جاء الفيزيائي الأمريكي إدوارد ويتين ليجمع هذا الشتات فيما بات معروفًا بالنظرية م M theory حيث صنف متاهة الرياضيات في نظرية الأوتار إلى خمسة أقسام.. تكاملها معا يمكن تشبيهه بخرائط عديدة لأماكن على الأرض، تشكل مجتمعة خريطة كاملة لها.

تطورت النظرية إلى وصف جديد، يمكن فيه للوتر أحادي البُعد أن يصبح ثنائي الأبعاد، أسموه الغشاء Membrane، واختصارًا brane.

بالرغم من النجاحات التي حققتها نظرية الأوتار فيما يتعلق بالمفاهيم الأساسية لفيزياء العالم تحت الذري؛ مما جعلها المرشح الأول لتكون نظرية كل شيء Theory of Everything، بل ساهمت أيضًا في تطوير الرياضيات، إلا أن ذلك تطلب قبول فكرتين غاية في الغرابة.

الأولى أننا نعيش في عالم يتكون من 11 بُعدًا هي الأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة، الطول والعرض والارتفاع، منسوج داخلها أبعادًا ثلاثة مخفية في المستويات تحت الذرية، علاوة على ثلاثة آخرين منسوجة داخل الثلاثة السابقة.. تلك إذًا تسعة أبعاد مكانية، ومعها بُعد الزمن، وبُعد الطاقة!

الثانية وجود أكوان متعددة، أسموها الأكوان الجنينية.. ثم نحتوا لفظًا جديدًا في اللغة الإنجليزية Multiverse ، بمعنى الأكوان المتعددة، اشتقاقًا من لفظ الكون Universe.

كل هذا العمل على نظرية الأوتار كان أصله فرضية فينيزيانو.. وكلما ظهرت رياضيات جديدة ألزمتنا بنتائجها مهما كانت غرائبية.

أتصور أصحاب الإيمان وهم يتلقفون كل إعلان عن تطور جديد في نظرية الأوتار، يقولون: انظروا إلى طلاقة قدرة الرب.. لقد خلق أكوانًا متعددة، وليس كونًا واحدًا فحسب.

كما أتخيل الذي اختار الإلحاد، منكرًا وجود الخالق نفسه.. وبالتالي ينكر البعث، ويوم القيامة، والجنة والنار، والأديان، والرسل، والرسالات.. نجده يقول، ها هي الطبيعة تخلق، ولا حدود لقدرتها. وها هي نظرية الأكوان المتعددة، إن أمكن إثباتها فستكون الدليل الدامغ على عدم جدوى الاعتقاد في وجود الإله.. لأن الكون ببساطة سيستمر في إنتاج أكوانا جديدة.. ولا شيء وراء ذلك.

ترى.. هل الملحدون على صواب، أم المؤمنون؟

أم أن ثمة مسارًا آخر، غير مسار الكفر أو الإيمان، في محاولة الإنسان فهم هذا الكون!

قبيل البعثة المحمدية عاش قس بن ساعدة، ويبدو لي من كلماته التي حفظها لنا التاريخ أنه كان رجلًا باحث عن الحقيقة.. قال مخاطبًا الناس في سوق عكاظ:

«أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئًا فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا؟ تبًا لأرباب الغافلة والأمم الخالية والقرون الماضية».

تلقى قس بن ساعدة بقلبه إشارات مما حوله فتساءل عن جدوى هذا العالم إن كان الموت نهاية كل حي.

استلزم الأمر نبي، رسول من رب العالمين يبلغهم رسالة ربهم.

لكن.. لماذا بالضرورة نبي أو رسول؟ تلك مسألة أخرى.

المسألة بسيطة إذًا!

للعلم والإيمان مساران مختلفان.. الإيمان طريقه القلب، الفطرة، الوجدان، المشاعر… إلخ، والعلم طريقه العقل، والمدركات الحسية القابلة للقياس… إلخ. طريقان لا يتقابلان. لماذا إذًا إصرار أصحاب الإيمان على استخدام لغة العلم على نحو يريدون به أن يؤمن الناس جميعًا؟ ولماذا يُصمم الملحدون على نشر إلحادهم ودعوة أصحاب الدين لنبذه، مستخدمين اللغة ذاتها، العلم، مُشككين في العقائد، جاهدين أنفسهم ليُثبتوا – بالعلم – أنها أساطير!

سيستقبل قلب المؤمن أبسط الإشارات ليؤمن بإله خالق. ولن تجدي كل علوم الدنيا نفعًا في اقناع عقل الملحد بفكرة الخلق والخالق.

الإيمان بالله طريقه القلب، لا العقل الجدلي. وفي الحقيقة ليس علينا أن ننتظر لا نظرية الأكوان المتعددة ولا غيرها كي نؤمن، أو نزداد إيمانًا.

هذا العالم، على أية صفة كان، وهذه الحيوات فيه، لا بُد لها من خالق، وجودها يستلزم وجود إله. فمن هو الله؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد