في إحدى كليات جامعة مصرية عريقة، تعج بالعلماء والأساتذة، وآلاف الطلاب الطموحين، تستطيع أن ترى نور العلم يشع من أعينهم المتطلعة، وعقولهم المشبعة بالعلوم والآداب، آلاف مؤلفة تأتي وتذهب، تخرج للعالم منتفخة الأوداج، تحمل ألقابًا فخمة، وتهدي المكتبات بحوثًا ذات عناوين رنانة، تنم عن عمق لا مثيل له، الكثير من حرف «د» يسبق الأسماء، في مشهد رائع في حلم جميل.
لا يغرنك جمال المشهد من الخارج، فتحت السجاد الفخم ستجد أتربة بإمكانها أن تدمر رئتيك أسرع من فيروس كورونا.

لن أتحدث عن مرحلة الليسانس والبكالوريوس، فقد تجاوزتها منذ سنوات طويلة، ولا أعرف الكثير عما يحدث فيها الآن، وقد كانت الحال حينها أفضل بكثير، وقد صادفت نفرًا من جيل الأساتذة العظام، فأصبت شيئًا من علمهم وخلقهم والحمد لله، ولكني سأتحدث عن مرحلة الدراسات العليا، التي ما زلت أعاني فيها الإحباط وفقدان الشغف والحماسة.
هل سمعت عن «مافيا» كتابة البحوث الأكاديمية؟ هذه خدمة متوفرة في مصرنا الجميلة في كل مكان، بل إن هناك بعض المراكز التي تعلن تقديم خدماتها للباحثين، بل للأساتذة أيضًا، ممن يرغبون في إنجاز بحوث «الترقية» كي يتدرج هذا الأستاذ في السلم الوظيفي ببحوث مسروقة، لم يضع فيها قلمًا، ولم يكلف نفسه سوى بضعة جنيهات يرمي بها لبائس مزوِّر يكسب من وراء هذا الزيف المدمر للعلم والتعليم.

وهناك أيضًا الطلاب الوافدون من دول الأرز النفطي، ودول اليوان الصيني، يدفعون أيضًا من أجل الحصول على شهادات لا يستحقونها، كُتبت لهم في مقابل المال وأشياء أخرى، بمساعدة مشرفيهم الذين يوظفون تحت أيديهم من صغار الباحثين من باع ضميره وجهده مقابل المال، ومقابل رضا الأستاذ عنه.
ولا يخلو المشهد أيضًا من طلاب مصريين قادرين على دفع المقابل للأستاذ نفسه، الذي يقبل نقدًا أو هدايا قيمة تليق بمكانته العلمية العظيمة، وفضله الذي لا ينكر على صغار الباحثين الجاحدين الطامعين، تبًّا لهم.

وكيف تُدار هذه العمليات المشبوهة في ظنك سوى بالسطو على بحوث أخرى، تعب أصحابها في إنجازها، ثم أتى هؤلاء اللصوص غير الظرفاء فنقلوها نقلًا بدم بارد، فمن غير المعقول أن يُقدِّم المزوِّر اللص جهدًا حقيقيًّا سوى في البحث عن أدوات تزويره والسطو عليها.

هل حدثتكم أيضًا عن المضطهِدين من الأساتذة، الذين يقفون بالمرصاد لذوي النبوغ من الباحثين، يعطلون سيرهم ويبخسون حقهم في الدرجات، أو يرفضون موضوعاتهم لأسباب شخصية، أو رغبة في سرقة أفكارهم أو محوها، أو حتى بسبب خلافاتهم مع زملائهم المشرفين، أو يجبرون الباحثين على تسجيل بحوثهم تحت إشرافهم قسرًا، هذا أيضًا مشهد مألوف ربما لم تره سوى في الأفلام، ولكنه بالفعل واقع يعيشه بعض الباحثين، فمنهم من هجر بحوثه ودراساته إلى غير رجعة، بعد أن دفع الكثير من المصروفات وبذل كثيرًا من الجهد، ولكنه فقد الأمل في نيل حقه أو رفع الظلم عنه، بعد أن خذله الجميع وتركوه فريسة تعنت الأستاذ وغروره.

هذا الوضع المخجل رأيته بعيني وسمعته بأذني، بل طُلب مني مرارًا أن أشارك فيه بكتابة البحوث للطلاب المميزين عند أساتذتهم داخل مصر وخارجها، أو حتى لأقاربهم، ولكني لا أملك الدليل، وإن امتلكته لن يحدث أي شيء؛ فالسرقات العلمية تحدث كل يوم جهارًا، وطريق القضايا طويل طويل، ولا يعود الحق لأصحابه، يتفرق دمه بين اللصوص من الطلبة والأساتذة.
هذا الوضع المؤسف يشترك فيه الجميع، ويحمل وزره الجميع، ولا ينال ضرره سوى المخلصين الجادين في عملهم، الذين يسهرون على بحوثهم يطعمونها أرواحهم؛ ثم يتساوى اللص بالشريف، بل ربما تفوق اللص، في مشهد درامي بائس، يصدق فيه اللص نفسه، ويدعي أنه الشريف صاحب رسالة في العلم سامية، ولكن للأسف عزيزي المشاهد هو لا يعرف مَن سامية.

ناهيك عن «المتحرشين» من الأساتذة، الذين على أتم استعداد لأن يسخِّروا جيشًا من الباحثين، أو يستدعوا الزمخشري بنفسه من مرقده ليكتب بحثًا من أجل عيون جميلة، وصوت ناعم، ولمسة غير بريئة، وما أبعد من ذلك، وبالتالي فالباحثات اللاتي لا يقبلن بهذا، إن لم يجدن أستاذًا لديه شيء من ضمير، فليس لديهن أي أمل في الحصول على درجة علمية، تحصل عليها الأخريات بسهولة من مثل هؤلاء المرضى المنحلين، أما عن الباحثين الشباب، فليبحثوا عن الأستاذ الذي يقبل الدفع نقدًا أو بـ«شيكات»!

كل هذا يحدث وأكثر، ثم نجد القرارات الحكيمة التي اتُّخذت بليل، لتأتي على البقية الباقية من مستقبل البحث العلمي في مصر، إذ تزداد مصروفات الدراسات العليا بجنون وباستمرار، في دالة تصاعدية تسحق أحلام المخلصين؛ لتجعل العلم لمن استطاع أن يكيِّله بالمال، وكل هذه الزيادة في المصروفات لا يقابلها أي دعم حقيقي للعملية التعليمية، أو أي تطوير يذكر، اللهم إلا بعض الكتل الخرسانية غير المجدية، ليتها كانت أبنية جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة من الطلاب الذين يتكدسون في محاضراتهم، ولكنها مجرد زخرفة لا تمس العمليات الإنشائية النافعة.

ثم يأتي ويتبجح مؤيدو القرارات المجنونة بأن الدراسات العليا لا ينبغي أن تكون للجميع، لا بد أن تكون «للصفوة»، ولا أدري عن أي صفوة يتحدث، هل أصبح المال معيارًا علميًّا يميز الباحث الحقيقي من غيره؟ هل وضعتم يا سيدي أي معايير علمية تقبلون على أساسها الباحثين؟ هل منعت يا سيد «الصفوة» ما يحدث من تخريب للبحث العلمي ومعاييره المخلة المنحلة فاستطعت أن تقدم للعالم «صفوة» البحوث والأفكار والنظريات والاكتشافات العلمية؟

ليس لدي أي أمل في عالم الزيف هذا، الفساد ينخر فيه كله، حتى لو وُجد فيه بعض الصادقين المخلصين الذين لم يتلوثوا بعد، فهم عاجزون مقيدون، هم مجرد تروس في عجلة فاسدة تدور فوق الرقاب، أما غيرهم من المتسيبين الذين لا يرفضون بحثًا ولا يوجهون باحثًا، يوزعون الدرجات العلمية بالمجان على من يفتقرون إلى أدوات البحث العلمي، والذين ينقلون بحوثهم، التي تعج بالأخطاء، ويتساوى بذلك الذين يعلمون بالذين لا يعلمون، فهؤلاء أيضًا مشاركون فيما وصل إليه مستوى البحث العلمي من الرداءة والتدني.

وبعد كل هذا العفن، أصبحت كثير من الدول ترفض الشهادات المصرية؛ لأن رائحة الفساد انتشرت وأزكمت أنوف الجيران، أما الموحولون في وسط الرائحة فهم بالطبع لا يشمونها، ومستمرون في غيِّهم.

هذه حال العلم والعلماء في بلادي، لا علم ولا أخلاق ولا مبادئ، مثل كل شيء في بلادي، مجرد مظهر، كأنه علم فإن فتشت بداخله لم تجد شيئًا، مظهر كأنه أخلاق، فإن فتشت وراءه وجدت ما لا يسرك، مظهر كأنه مبادئ، فإن بحثت عنها وجدتها للاستهلاك الإعلامي فقط وقابلة للتجزئة أيضًا، ولذلك فالعلم في بلادي لا يُكيَّل بـ«البتنجان» يا سادة، ولكنه يكيَّل بمشويات و«سي فود».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد