عندما يُخرجُ العالِمُ الأديبَ

تمتد جذور الأدب المصري إلى آلاف السنوات، فمنذ بدء الحضارة الفرعونية ومهنةُ الكاتبِ مقدسةٌ، ويبلغ من التبجيل والاحترام أعلى الدرجات، كما نصت البرديات ولوحات المعابد الجدارية، كذلك كتاب الموتى له مكانة عظيمة ككتاب ديني يصف حياة الميت منذ وفاته وحتى حسابه أمام أوزوريس والآلهة، وبمرور الزمن وتقدمه وتعاقب الحضارات التي تَحِلُ بمصر تحتلُها ولا تُحِلَ ثقافتها وتُحيلها، يتمسك المصريون بهويتهم إبان وجود الغزو الروماني والبيزنطي، فيأخذون منهم ما يضيفونه إلى التاريخ المصري، ويبدلون أوضاعًا بأوضاعٍ للتجديد وإضافة الحداثة.

ومع دخول الإسلام الذي أول ما بدأ به «اقرأ» ازدادت الحركة الأدبية المصرية، وتغيرت أنظمتها، وبدأت حركة العلوم في الازدهار، وأضحت مصر في القرون الهجرية الأولى قبلة العلم ومنارة المعرفة، تضاهيها في العظمة والعلو مدائن كالكوفة، والبصرة، ودمشق، ونيسابور، والأندلس، وقرطاج، وتأسست مدارس عديدة لعلوم الفقه والدين، وعلوم الطب والهندسة، والزراعة، والفلك، ومع دخول مصر للعصر الحديث أحدث محمد علي ومن بعده إسماعيل باشا ثورة في مجالات العلوم وإرسال البعثات لتعلم كل ما هو جديد وتعليمه في المدارس لإنشاء الجامعة المصرية.

هذا الدور العظيم أدى لإذكاء شعلة الأدب وكتابة النصوص السردية منها والشعرية، فظهرت مدارس عديدة ومتنوعة في القرنين التاسع عشر والعشرين لأقلام نوابغ الأدب العربي عامة والمصري خاصة. فلا تخلو الأدبيات المصرية الحديثة من ذكر لدور العلم، سواء في بناء الرواية، أم في خط سير أحداثها وأشخاصها، وإذا نظرنا عن كثب في كلاسيكيات الرواية المصرية سنجد العديد والعديد من الأمثلة التي تتناول العالم، أو الباحث، أو الطبيب، أو الأستاذ الجامعي، فهناك الدكتور إسماعيل الذي يُبتَعثَ لدراسة علم أمراض العيون، ليعود ويحارب خرافة زيت «قنديل أم هاشم» في رائعة يحيي حقي، المجموعة القصصية التي تحمل الاسم نفسه.

وعلى الناحية الأخرى، هناك العديد ممن عملوا بالعلوم واشتغلوا بها كانت موهبتهم الكتابة، ولديهم مَلكَة تطويع الأحرف في صورة شيقة؛ فكانت كتاباتهم الأدبية عنوانًا لهم، الدكتور يوسف إدريس، الذي درس الطب واشتغل بالصحافة والكتابة، وكان الأبُ الروحي للقصةِ المصريةِ القصيرة، والذي كتب عنه الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي «أجد فيه من المتعة والقوة، ودقة الحس، ورقة الذوق، وصدق الملاحظة، وبراعة الأداء مثل ما وجدت في كتابه الأول (أرخص ليالي) على تعمق للحياة، وفقه لدقائقها، وتسجيل صارم لما يحدث فيها..»، فروائِعه من المجموعات القصصية تحتل مكتبات القراء طيلة العقود الخمس المنصرمة ومنها «آخر الدنيا، جمهورية فرحات، النداهة»، ورواية «الحرام» الشهيرة التي تحولت لأعمال فنية عُرضت بالسينما.

الدكتور إبراهيم ناجي، الشاعرُ رقيقُ المعاني والمفردات، لم يكتف سجله الحافل بالدواوين التي خلدته في سلك الشعراء، ولكن له في الفترة من 1933 وحتى 1953 أعمالًا قصصية غير ذائعة الصيت، وله كذلك ترجمات عديدة للآداب الإنجليزية، والفرنسية، والروسية، ودراسات فكرية وتراجم في علوم الاجتماع والنفس والتراجم والسير.

الدكتور مصطفى محمود الذي درس الطب وأبدع في كتاباته عن العلوم والفلسفة الإسلامية وروايتي «العنكبوت»، «رجل تحت الصفر»، اللتين تأخذان منحى الخيال العلمي، والأخيرة حازت جائزة الدولة التشجيعية في الأدب في مطلع السبعينيات، وله مجموعات قصصية ومؤلفات متعددة مختلفة الموضوعات العلمية، والدينية، والفلسفية، والاجتماعية، والسياسية، بالإضافة إلى القصص القصيرة، والروايات، والمسرحيات والتأليف في أدب الرحلات.

الدكتور أحمد مستجير، رائد علم الوراثة والهندسة الوراثية، وأستاذ الكرسي بقسم الإنتاج الحيواني، كلية الزراعة جامعة القاهرة، استطاع بأسلوبه الأدبي الشيق أن يكتب عن علوم الجينات، وأن يقدم الوراثة بطريقة مبسطة ويسيرة للدارسين والقارئين غير المتخصصين على السواء، دكتور مستجير كذلك له دواوين شعرية غير مشهورة، إذ تطغى كتاباته العلمية وترجماته على مؤلفاته الشعرية الرقيقة المعاني، البليغة التصوير والتراكيب، والتي ينقل فيها صورًا متعددة عن الطبيعة بلغة جذابة قريبة إلى القلب.

محمد المخزنجي رائد أدب الرحلات المصري، ففي كتابه «جنوبًا وشرقًا» يتحدث عن تجربته وتجواله مرتحلًا من شرق أوروبا الى غرب المحيط الهادي، ومن بحر البلطيق شمالًا إلى البحر الأسود جنوبًا، ومن شمال أفريقيا إلى جنوبها، وفي شبه جزيرة الهند وفي الشام ناقلًا ثقافات وعادات لأماكن متفرقة، طبيب اُبتُعثَ لدراسة الطب في الاتحاد السوفيتي في السبعينيات، ومن ثم صار كاتبًا اسمه عظيم في أدب الرحلات.

المفكر السياسي الدكتور ميلاد حنا الحاصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 1999، وجائزة سيمون بوليفار من منظمة اليونسكو 1998، ووسام النجم القطبي من ملك السويد 1998 هو أستاذ هندسة الإنشاءات المدنية بجامعة عين شمس، الذي درس الدكتوراه بجامعة سان أندرو الأسكتلندية، وله مؤلفات عديدة في السياسة.

حديثًا لم يخلُ الأدبُ المصري من أقلامٍ علمية، فالدكتور نبيل فاروق الطبيبُ الذي قدّمَ لجيلِ الشباب سلسلةَ رجل المخابرات المصري المستحيل، أدهم صبري، نموذجٌ للأخلاقِ العربيةِ في وقت كانت نماذج الأبطال مستوحاة من شخصيات روايات أجنبية عن البيئة والقيم المصرية، كجيمس بوند، وكذلك سلسلة أعماله الشيقة التي عَرضت الخيال العلمي في صورة «ملف المستقبل»، والتي قرأتها أجيال كاملة من ثمانينيات القرن العشرين وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في مفارقة إذ إن الأعداد الأولى من السلسلة تبدأ في حقبة المستقبل آنذاك عام 2017.

مسلسلات التسعينيات حملت أشعارًا غاية في الرقي ببنائها وتعبيراتها البليغة التي تعبر عن حال المجتمع المصري، وحملت جميعها إمضاء سيد حجاب، فشاعر العامية الأشهر، كاتبٌ بمجلتي سمير وميكي، اللتين تصدران للناشئة والأطفال، والعديد من المؤلفات الشعرية والمسرحية، تخرج في كلية الهندسة جامعة الإسكندرية، ثم انتقل منها إلى جامعة القاهرة لدراسة هندسة التعدين، إلا أنه أحب الكتابة واتجه للأدب لتخرج إلينا روائع القصائد العامية التي لم يسبق لها مثيل.

لا يعرف الكثيرون أن الدكتور حسن كمال صاحب المجموعة القصصية «كشري مصر» الحاصل على جائزة نجيب ساويرس ومؤلفاته الروائية «الأسياد، المرحوم، ونسيت كلمة السر» هو أستاذ باحث في أمراض المفاصل والروماتيزم، ونائب رئيس وحدة الطب الرياضي بشعبة البحوث الطبية في المركز القومي للبحوث، واللجنة الأوليمبية المصرية والاتحاد الدولي للتايكوندو.

الدكتور أحمد خالد توفيق، أستاذ أمراض المناطق الحارة بكلية الطب جامعة طنطا، الطبيب الذي قدم أدب الرعب للشباب لأول مرة في الأدب العربي الحديث، وله العديد من المؤلفات الروائية والمجموعات القصصية والمقالية، وله دراسة نقدية في عالم الكتابة النصية «اللغز وراء السطور» عن دار الشروق 2006، ذكر فيها علاقة الطب بالأدب، وأنها ظاهرة محيرة، فطبيعة الأدب هي البوح والخيال وطبيعة الطب هي الواقعية والكتمان، فكيف يتفقان؟ فالعلاقة بينهما معقدة يمكن سردها في عدة نقاط، منها الطب يفيد الأدب؛ فالناس في مجتمعاتنا تعلق اهمية كبيرة لكل ما يقوله الطبيب، وأيضًا الأدب نفسه يقترب كثيرًا من عالم الطب، فكيف يصف الأديب حمى تصيبه إن لم يكن طبيبًا. والجمع بين الأمرين صعب يقتضي الصراع المستمر، وهناك من حسموا أمرهم واختاروا الأدب وتخلصوا من الطب، وهناك من حسم الصراع وأوقف هوايته في الكتابة أو نظم الشعر ليصير طبيبًا مشهورًا.

عن تلك المتقابلات في العلم والأدب، يقول الدكتور علاء الأسواني «الأديب والطبيب يهتمان بالإنسان، لذا مجال عملهما واحد تقريبًا». الدكتور الأسواني طبيبُ الأسنان روائيٌ قدير، رواياته لها ثقلٌ في الأدب الحديث، روايات «عمارة يعقوبيان، شيكاغو، نادي السيارات وجمهورية كأن» غنية في تفاصيلها، متشعبةٌ أحداثها وطبائع شخصياتها.

روايات «قمر على سمرقند، انكسار الروح، وأنا عشقت»، والمجموعات القصصية «من قتل مريم الصافي، وعشاء برفقة عائشة» للكاتب الروائي محمد المنسي قنديل، الذي رشحت روايته «يوم غائم في البر الغربي» لقائمة البوكر القصيرة للرواية، هو طبيب تخرج في جامعة المنصورة وحظيت أعماله القصصية بالعديد من الجوائز.

الكاتبة الصحفية القديرة والشاعرة فاطمة ناعوت، الحاصلة على جائزة جبران العالمية من سيدني 2014 ولها العديد من الترجمات والمقالات والدواوين الشعرية، تخرجت في كلية الهندسة جامعة عين شمس حيث تخصصت في الهندسة المعمارية، وهي عضو بنقابة المهندسين بالقاهرة، وكذلك عضو باتحاد الكتاب.

إسلام البنا مؤلف روايتي «باب الحجاز» التي ترشحت لجائزة البوكر للرواية العربية، و«سرايا الجابي» التي حصلت على جائزة نجيب ساويرس 2018، تخرج في كلية الصيدلة ويعمل بمجال العلوم الصيدلية.

والعديد من الأمثلة التي إذا أتيح المجال للحديث عنها لتملأ أطروحة عظيمة في الأدب، فهناك من ينادي بعدم جبرية دراسة الكاتب/ الأديب لفنون الأدب ليصير كاتبًا، بل على العكس فتلك موهبة تختلف درجاتها عند البشر، أن يطوع الإنسان الكلمات ليصف ويرسم بها حالة من حالات النفس البشرية، فتخرج في رواية أو قصة أو حكاية، والشاهد أن معظم هؤلاء الأدباء منهم من امتهن الهندسة ودرس الرياضيات أم العلوم، وعاش مع الأرقام المجردة والمصفوفات والمعادلات والعلاقات البيانية، فتمكن من بناء قصائدٍ، ونظم أشعار، وكتابة شخوص روايات بدقة بديعة. ومنهم من اشتغل بالزراعة وتغذت عيناه وروحه بجو المزروعات وحياة النباتات، والتي تبعث البهجة وتعيد النضارة للروح، وتلهم الإنسان قرض الشعر، أو كتابة القصص. ومن الكتاب من مارسوا مهنةً تقتربُ إلى النفسِ البشريةِ حدًّا كبيرًا، تتوغل في خلايا الإنسان العصبية وتبرر وتحدد سلوكه النفسي، وتخترق خلايا أنسجته وحشاياه، فتُغرقها كريات الدماء بأكسجين، وقلق، وتوتر، ومشاعر عطف وحب، وأمومة، وكبرياء وغرور، وطمع، وحزن، وألم وانكسار، وحقد فتولد في الأقلام أرواحًا، وترسم شخوصًا تنقل إليهم تلك المشاعر فتخرج إلينا روائع أدبية لا مثيل لها، تنتقل عبر الأجيال لتسطر حكايات خالدة عبر الزمن لأُناس درسوا العلم واشتغلوا به وكان شاغلهم، فأخرجوه إلى القِرطاس، وترجموه إلى أدب عظيم.

وللحديث بقية، إن كان في العمر بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد