(1)

لعل الراحل الكريم أحمد شوقي يسامحني في هذا التصرف في بيته الشهير:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم .. لم يبن ملك على جهل وإقلال

فإن ظني أن الثنائية الأكثر رسوخًا في رقي الأمم وتقدمها وبقائها هي ثنائية (العلم والعدل) وليست (العلم والمال).

(2)

ربما يبني العلم والمال الأمم، لكنه لا يبقيها، أما الذي يبنيها ويبقيها فهو العلم والعدل، فالعلم والعدل يأتيان بالمال، بينما العلم والمال على الظلم يذهبان بكل شيء.

(3)

ولقد أدان الله سبحانه وتعالى في كتابه في كثير من المواضع الاستطالة بالعلم والمال في غياب الإيمان والعدل، ومنها قوله تعالى «يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ، أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ، أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ…»، وقوله تعالى «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بعاد، إِرَمَ ذَاتِ العماد، الَّتِي لَمْ يُخلق مِثْلُهَا فِي البلاد، وثمود الَّذينَ جَابُوا الصَّخْرَ بالواد، وَفِرْعَوْنَ ذي الأوتاد، الَّذينَ طَغَوْا فِي البلاد، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفساد، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عذاب، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمرصاد».

(4)

ولقد كان عاد وثمود وفرعون وقارون عندهم العلم ومال، قال قارون: إنما أوتيته (أي المال) على علم، فاجتمع له العلم والمال، فخسف به الله وبماله الأرض، وبنى فرعون وشيد، ثم زاد، وتلك عقبى التعدي.

(5)

وإذا انتقلنا إلى التاريخ الحديث والمعاصر فالأمثلة أكثر من أن تحصى، استعانت اليابان في أوائل القرن العشرين بالعلم – على ظلم – فسادت وانتصرت على الروس والصينيين والكوريين واحتلت بلادهم وجاءت بالمال، وبالعلم والمال بنت ملكها، وطغت فدمرت، ثم قامت من جديد معتمدة على العلم والعدل على الفقر المزدوج، فقر الأرض والموارد وفقر الحاجة إلى إعادة بناء الدولة من جديد قامت اليابان وأصبحت على ما هي عليه الآن، فالعلم والعدل جاء بالمال.

(6)

ولقد كانت الحرب الباردة بين طرفين، أحدهما حاسب رئيسه حتى دفعه للاستقالة، والآخر كان لا يحاسب رئيسه إلا أن يموت أو يعزل، الأول حاول إقامة العدل بين مواطنيه على كثرة مظالمه مع الآخرين، والآخر كان يستحل الظلم والقتل حتى مع مواطنيه ناهيك عن الآخرين، امتلك الطرفان العلم والمال، فلما زادت مظالم طرف عن الآخر أذهب الله ملكهم، بينما أبقت البقية من العدل الطرف الآخر حتى حين.

(7)

فالعلم والعدل يأتيان بالمال، والعلم والمال لا يأتيان بالعدل، بل قد يدفعان إلى الطغيان الذي يذهب بهما، فالعلم والمال يشعران بالاستغناء، وهذه مطية الطغيان، يقول الحق سبحانه في كتابه «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى».

(8)

فمن كان على طريق العلم والعدل، فهو على طريق الرقي والغنى والتقدم بإذن الله، ومن كان على طريق العلم والمال على ظلم فلا شك سيهوي ولو بعد حين، ومن كان على الطريق بالمال فقط دون علم ولا عدل فقد نادى على ماله بالزوال، ومن افتقد الثلاثة …!

(9)

وعلى هذا فإن إجابة سؤال: إلى أين نحن ذاهبون، تتوقف على إجابة سؤال: أين نحن من الثلاثة: العلم والعدل والمال، ومن خلال إجابة كل منا على هذا السؤال يمكننا الإجابة على سؤال: إلى أين نحن ذاهبون، فمن كانت قراءته لواقعنا أننا على طريق الأخذ بالعلم والعدل فله أن يستبشر مهما كان واقعنا فيه قلة من المال، فإن كنا على طريق العلم والعدل فنحن على طريق الرقي والتقدم والغنى ووفرة المال، ومن كانت قراءته لواقعنا أننا نفتقد العلم أو العدل أو كليهما فحري به أن يتخوف … وهكذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد