العلم: هو إدراك الشيء على حقيقته، وأقول: إنه الفقه والإحاطة بأصول وقواعد الشيء على أكمل وجه. و أعلم أن العلم على أوجه: علم دنيا وعلم آخرة، ومنها العلم الواجب، ومنها المحمود، ومنها المذموم.

والعلم الواجب هو: معرفة الله ومعرفة ما شرع، وهذا أشرف العلوم في الدنيا؛ إذ به يعرف الإنسان غاية وجوده ومهماته وتكليفاته على الأرض وما له وما عليه. وهو إما آية محكمة، وإما سنة قائمة، وإما فريضة واجبة، وهذا هو العلم الذي فيه حكمة ترتيب الآخرة على الدنيا.

والعلم المحمود هو: الطب والهندسة والجبر، فهذه من أشرف علوم الدنيا فالأول به صلاح الأجساد، والثاني به صلاح العمران، والجبر رياضةالعقول، وتعلمها لا يتعين على الجميع فيكفي أن يقوم به فئة من الناس لا جميعهم بخلاف العلم الواجب.

والعلم المذموم هو: ما كان فيه مفسدة وضرر على المجتمع، كالسحر مثلًا فهذا من أقبح علوم الأرض؛ إذ يقع به ضرر على المجتمع و لا يجلب إلا كل شر له، ويندرج هذا في العلم الذي لا ينفع والجهل به لا يضر. والعلم المذموم بخلاف العلم المحمود الذي تكون الحاجة ماسة إليه، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع.

وهكذا بقية العلوم بين المحمود والمذموم على ما فهمنا ما يقصد بهما وقس على ذلك. والعلم شريف في ذاته، وهو الحياة وبه ديموميتها واستمرارها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾ وفي هذه الأية الكريمة نفي المساواة والتفاضل بين الفريقين.

اي: لا يستوي الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هي عليه، وتجري أعمالهم على حسب علمهم، بخلاف الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه بل تختلط عليهم الحقائق وتجري أعمالهم على غير انتظام، فالعالم يعصمه علمه من الهلاك والوقوع في الأخطاء والأخطار.

وبمقدار العلم يكون الغنى عن الناس في الدين والدنيا.

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗۗ﴾ فمقام خشية العباد من المعبود لا يتحقق إلا بتحقق العلم بالله ومعرفته.

والعلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به الإنسان منازل الأبرار والدرجات العلا.

والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام، به يطاع الله عز وجل، وبه يعبد، وبه يوحد، وبه يمجد، وبه يتورع، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء، هو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الحق والمصبر على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء ومنار سبيل الجنة.

والله لا يعبد إلا بالعلم.

– قال سيدنا علي، رضي الله عنه وكرم وجهه: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه.

– قال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم: الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.

– وقيل: العلماء سرج الأزمنة كل واحد مصباح زمانه يستضىء به أهل عصره.

– وقال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم، أي إن العلم يخرجهم من حد البهيمية إلى حد الإنسانية.

– أول العلم الصمت ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل ثم نشره.

وصدقة العلم إنفاقه بتعليمه للناس، والعلم يحرس صاحبه من التشويشات الفكرية والأفكار المشوهة والظلمات ويمنحه القوة والنور واليقين.

وقيل: علم علمك من يجهل وتعلم ممن يعلم ما تجهل، فإنك إن فعلت ذلك علمت ما جهلت وحفظت ما علمت.

ومن هنا نقول: الواجب احترام أهل الاختصاص والأخذ منهم أولى من غيرهم؛ لأنهم أرباب الفن وأهله وأعلم الناس بأصوله، ولا نكتفي أن يكون ممن درس في هذا الفن إلا أن يكون ممن كان مشهودًا لهم بالبراعة والإبداع فيه، حتى لا يلتبس على الناس علمائهم.

قال سيدنا عيسى عليه السلام: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء.

على الهامش: دائمًا نقول لا تتحدث إذا لم تكن من أهل الاختصاص.

سؤال: هل يخطئ أهل الاختصاص؟

ج: نعم وارد جدًّا لأنهم بشر بالنهاية.

سؤال: من يصحح لهم؟

ج: يصحح لهم من هو أعلم منهم في ذاك الاختصاص.

﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد