في الإعجاز العلمي أسلوب جديد للدعوة والحوار وفق منهج العلم التجريبي المعاصر

ظهر في الآونة الأخيرة من القرن العشرين أسلوب حواري جديد وخطابي متميز كأحد فنون الدعوة المعاصرة وأساليب الحوار المنفتحة على العالم، خصوصًا بين الأوساط العلمية، ومتماشيًا مع ثورة العلم الحديث، ومواكبًا لتطور البشرية واتساع معارفها؛ وهو ما يعرف بعلم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

ولعل أول من ابتدأ هذا العلم بصورة إعلامية وأكثر انفتاحًا وولوجًا في المجتمعات الغربية والأوربية هو فضيلة الدكتور زغلول النجار – حفظه الله – كعالم جيولوجي متخصص وأكاديمي بارع ولصيق بالمجتمع العلمي الغربي والشرقي، إضافة لغيره من العلماء الذين سبروا أغوار هذا العلم في الوطن العربي، وأصلوا له كالدكتور/ عبد المجيد الزنداني، والدكتور/ عبد الدائم الكحيل، والدكتور/ منصور الكيالي وغيرهم؛ ثم زالت الأستار وانجلت الغيوم عن شموس وكواكب في المجتمع العربي والإسلامي، كلهم يحمل الشعلة نفسها، ويتبنى القضية نفسها، في محاولة لإبراز حقائق القرآن وإشاراته العلمية التي تتماشى مع معطيات العلم التجريبي الحديث، وتصدقها المشاهدات العلمية اليقينية.

لكن لماذا ظهر هذا الباب من الإعجاز؟ (المتعلق بالعلوم التجريبية كالكيمياء، والفيزياء، والأحياء، والجيولوجيا، ومجالاتهم كعلم الأحياء، وعلوم الأرض، والفلك والفضاء، والإرصاد الجوي، وعلوم الطب وتفريعاتها)، فالإعجاز كمفردة مجردة هو روح القرآن كونه معجزًا في أصله في البيان والنظم والأسلوب والتقريرات والإثباتات، فأبوابه كثيرة كالإعجاز البياني، والبلاغي، والغيبي، والتشريعي، والعددي. فلماذا ظهر بقوة في هذا العصر؟ وما حقيقته؟

هو سؤال أجاب عنه القرآن قبل ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام في نصوص صريحة النص عميقة الدلالة في أسلوب تحدٍّ وإعجاز لا يتبنى هذا الأسلوب التأكيدي بانتفاء الخطأ والقصور عنه تأكيدًا يقينيًّا إلا عارف خبير بما يقول، فقد تجد من أكابر علماء العصر وعمالقة الاكتشاف في العلم التجريبي من بلغ شأنًا رفيعًا في الأوساط العلمية، يكاد يعرض كشوفاته أو مؤلفاته على قيمتها على خجل وحياء خشية إبداء الخطأ مهما صغر، أو ظهور ما ينافي ما توصل إليه بحكم أن العلم كل يوم يتجدد.

والكشف العلمي كل يوم في تطوير، فنجد أن كل مؤلف أو باحث أو عالم في كل مؤلف أو رسالة أكاديمية أو ورقة علمية ضمن مقدمة الكاتب (الباحث) يطلب من قرائه وأقرانه في الوسط إبداء النصح والتوجيهات، ويلتمس منهم العذر عن ورود الخطأ، إما بالتأويل أو النسيان وهكذا، أما عن القرآن، فصدره يقول: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينِ».

ومن الآيات الأخرى قوله تعالى: «وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ»، وقوله: «سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ». وتأمل معي في هذه الآيات التي تنبئ بمستقبل مشرق وزاهر للإسلام، وإن ذَبُل وتراخى في بعض الحقب، لكنه سرعان ما سينهض وتكون له كلمته وثقله.

الآية الأولى جاءت بمؤكدين وهما: لام التوكيد ونون التوكيد، والآية الثانية تحمل في نفسها من جانب الإعجاز البياني والبلاغي الشيء العجيب، السين التي تفيد الاستقبال، والنون حرف المضارع الذي يفيد الاستمرار، والهاء الضمير، وميم الجمع، التي ترجع لغير المسلمين من أهل الكتاب والملحدين.

إذًا نخلص من هذه الآيات الرائعة بأن هذه الآيات الكونية والكشوفات العلمية ستكون في غير زمن الوحي للفارق الكبير في الإمكانات ووسائل البحث، وأن هذه الآيات ليست واحدة أو عشرين أو مئة؛ بل هي في تتابع واستمرار وتناغم، وكأن كل آية تجر معها أختها «وفي كل شيء آية تدل على أنه واحد»، وأكثر ما يميز الآيات الكونية أن الذي ينقب ويكتشف هذه الآيات هم غير المسلمين، وفي هذا إعذار في إقامة الحجة عليهم.

أما حقيقة هذا العلم العظيم؛ فهو يجمع بين كتاب الله المقروء، (أي: القرآن) وكتابه المنظور (أي: الكون بما فيه من مجرات وسماوات وأرض، وما بينها من بشر ودواب وجبال وأنهار…).

فهو إخبار القرآن أو السنة بحقائق علمية وكشوفات كونية قبل ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام نوعًا من التحدي والإعجاز لم تستطع البشرية الوصول إليها، بل حتى الخوض فيها وافتراضها، حتى تيسرت لهم أسباب العلم والمعرفة، وأدوات التطور العلمي والتقني.

والبعض يقول: أليست آية أو مجموعة آيات تكفي لإقامة الحجة وإثبات أن القرآن هو كتاب الله، وأن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – لم يكن له ولا لغيره من الحضارات القائمة في زمانه أدوات البحث ليعرفوا هذه الحقائق ويميطوا اللثام عن هذه الآيات؟

وبالمقابل إذا كانت هذه الآيات الكونية في استمرار وتتابع لماذا لا يسلم العالم وخاصة علماءه وأصحاب المعارف فيه؟

ببساطة شديدة لو رجعنا إلى الآيات آنفة الذكر لوجدنا أن القرآن أيضًا قد أجاب عن هذه التساؤلات في قوله: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»؛ فهذه الآية رد على التساؤل الأول، فـ«حتى» تفيد انتهاء الغاية؛ أي الحكمة في استمرارية وتتابع هذه الآيات حتى تزال كل الشبهات وتنجلي كل الوساوس، فكثرة هذه الآيات مع التناغم بينها وعدم التعارض أكبر دليل على أن القرآن ليس بكلام بشر.

ولأن من طبيعة النفس البشرية توارد الشكوك وانبعاث الشبهات، كانت الحكمة في كثرة الآيات في كافة التخصصات والمجالات وتتابعها معينًا على دحض كل الشبهات، ثم لا يجد ذاك الباحث عن الحق إلا أن لسانه يلهج بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

ومن أمثال هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر:

  • كيث مور، عالم الأجنة الكندي الشهير.
  • تاجاتات تاجسن، عالم التشريح التايلندي.
  • موريس بوكاي طبيب التشريح الفرنسي، وله قصة جميلة في سبب إسلامه.
  • ألفريد كرونير، عالم الجيولوجيا الألماني.
  • الدكتور الكندي جاري ميلر، عالم الرياضيات والمبشر السابق.
  • ويليام بيكارد، المؤلف والروائي والشاعر البريطاني.
  • الباحثة الأمريكية بربارا براون.
  • المفكر النمساوي ليوبولد فايس.
  • روبرت بيرجوزيف، أستاذ الفلسفة الجامعي الفرنسي.
  • أحمد نسيم سوسة، الدكتور العراقي اليهودي سابقًا.
  • مارك شليفر، أستاذ الصحافة الأمريكي.
  • إسحاق هلال مسيحة، رئيس لجان التنصير بأفريقيا القس المصري السابق.
  • يوسف استس، القس الأمريكي السابق.
  • جي ميشيل، المنصر السابق الألماني.
  • أشوك كولن يانج، أمين عام مجلس الكنائس العالمي لوسط وشرق أفريقيا سابقًا.

وغيرهم الكثير مما لا يتسع المجال لذكرهم.

وبالمنطق نفسه لأن النفس البشرية يعتريها ما يعتريها من تلك الوساوس والشبهات حول الإسلام، فإن العقلاء يغلِّبون جانب العقل، ويحكِّمون صوت الفطرة الخفي فيسلموا ويغنموا.

لكن البعض يغلِّب جانب الهوى وحظوظ النفس وبحكم دافع الكبر والحسد تعمى بصيرته فيظل جاحدًا مكذبًا محاربًا للإسلام، وهو يعلم أن هذا القرآن رسالة السماء، وأن محمدًا – عليه الصلاة والسلام – هو من بشر به الأنبياء وفاضت بالتبشير به الرسالات و«إنجيل برنابا» المكتشف شاهد حي على ذلك، وهو ما أشارت إليه الآية السابقة والآية المكملة لها «سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ».

فكون معرفة الحق ليست كافية، ففيها يشترك المتجرد والمتكبر حتى يحصل الإيمان الكامل والتصديق العميق، كما قال عزَّ مِن قائل حاكيًا عن آل فرعون: «وَجحَدوا بِها واستيقنتها أنْفُسُهم ظُلمًا وَعُلوًّا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد