قال تعالى: «وقل ربي زدني علمًا».

في الواقع إن قوة الأمم لا تقاس بعدد سكانها، أو مساحتها، وإنما تقاس بقوتها الناعمة وتقدمها العلمي! ونحن خلقنا لنكون في طلائع الأمم، معتمدين في ذلك على حث القرآن الكريم على العلم والتعلم والقوة والتقدم، ولا شك أن الأمر الإلهي في الحث على العلم بدأ باقرأ. ودعا بذلك كل من آمن بهذه الرسالة الخالدة لينقذ المجتمعات من الجهل والتخلف، وآيات كثيرة تدعو إلى ذلك، قال تعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» «اقرأ باسم ربك الذي خلق» ومن أسماء السور في القرآن الكريم، القمر، والشمس، والدخان، والفلق، والضحى، والليل، وكلها أسماء تدعو للتفكر والتدبر الكوني، وتوجه المسلم لطريق التطور والتقدم، ألا وهو العلم.

في الواقع عبر تاريخ الأمم السابقة واللاحقة كانت هناك وسيلة لتتفوق أمة على الأخرى، فنرى في فترة ما ق.م. كان هناك تسابق نحو بناء المدن وتشيد الحصون، والهدف هو الاستقرار والعيش الرغد، ومنذ الجاهلية ظلت القبائل العربية تتباهى في ما بينها باللغة العربية، وذلك عن طريق الشعر والبلاغة والأدب، لكن في العصر الحديث نرى أن القوى العظمى تسعى للهيمنة على الثروات، ولكن هذه المرة عن طريق العلم! فهو الذي يخلق الفجوة بين الأمم؛ فتتقدم أمة وتتخلف أخرى. ولكن هل سيظل العلم هو الوسيلة التي ستستخدمها الشعوب مسقبلًا؟

في الواقع إن الممعن في أحداث القرن الماضي يرى أن العلم هو الوسيلة التي تتخذها القوى العظمى لتزداد قوة وهيمنة، فنرى أن الأسلحة بدأت في التطور والدول تبتكر وتطور وسائل الحياة الرغدة، فتصنع الأدوية والأغذية، وتشيد الأبنية، والدول الكبرى طورت أسلحتها من الذرية حتى وصلت للنيتروجينية. حتى الحروب في القرن المنصرم حملت طابعًا علميًّا؛ فها هي الحرب الباردة بين السوفييت والأمريكان كانت دليلًا على أهمية العلم، وطور الغرب من نفسه حتى اجتاح الفضاء بأقماره الصناعية ورحلاته الكونية. وهم عملوا في كل مكان على تطوير أنفسهم عن طريق العلم، ولقد أفلحوا، ونحن المسلمين هل هناك ما يجعلنا نتقدم لنواكب العلم والعالم؟

إن المسلمين الأوائل حملوا روح الحضارة للأمم التي عاملوها لأنهم التجؤوا للدستور الإلهي، ونحن أيضًا نمتلك هذا الدستور الذي لا ينضب من الحث على العلم، والذي نزل ليكون خالدًا عبر التاريخ، مثبتًا من خلال قوة بيانه وإعجازه في تبيانه، وكيف لا وهو الذي جاء للجميع؛ إذ إنه يواكب كل العصور والأزمنة، ونستدل على ذلك بقوله تعالى: «مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان»، «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» كلها أيات تدل على أن القرآن يحمل في طياته الأوامر اللازمة والفكرة المناسبة لنواكب عصر العلم وكل جديد. يبقى هناك سؤال: من الذي سيتسيدُ العالم مستقبلًا؟ الناظر إلى أحوال الدول النامية يراها غارقة في الانقلابات والحروب والدمار والخراب، وهذا لن يجلب لها غير الضعف والجهل والتخلف والمذابح، ويعتريها الجهل، وستعاني هذه الشعوب الويلات لأنها ستكون مشغولة ببعضها البعض، ونتيجة لذلك سيظهر الضعف والجهل والحرمان، ولن يكون هناك تفرغ للعلم والتقدم؛ لأن الجهل أصبح وحشًا يستنزف طاقات تلك الشعوب، وهذا لن يحدث في دول العالم الأول؛ لأنها خلقت الأجواء المناسبة، والتي تمكنها من مواصلة طريقها نحو الأمان والعلم، ستظل تواكب التعلم لتعيش في مستقبل أفضل يخلو من الفقر والقهر والتشتت والحرمان، تاركة وراءها شعوبًا تعيش في ظروف مروعة، تعيش في ظروف تشبه الغابات، لا شعار فيها إلا للقتل والدمار، ولن تعرف هذه الشعوب الأمان مطلقًا ما دامت تصارع نفسها!

إن العلم هو عنوان التقدم الحضاري المادي، وهو الشعلة التي تنير دجى الظلام التي فتكت بشعوب كثيرة ظلت لسنين تعيش أسوأ حالات العيش الإنساني، والمخرج الوحيد لها هو التكاتف والتشبث بقوة المستقبل، وهي العلم!

يقول الشاعر: «العلم يبني بيوتًا لا عماد لها .. والجهل يهدم بيوت العز والكرم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد