لست ممن يعشقون المبالغة في توصيف علاقة القرآن الكريم أو السنة المطهرة بالعلوم الإنسانية والطبيعية، هؤلاء الذين كلما وجدوا اكتشافًا هنا أو نظرية هناك، سارعوا إلى الحط من شأن من تعب الأيام وسهر الليالي وبذل الجهد والوقت والمال حتى يحقق هذا الاكتشاف أو يصل إلى تلك النظرية، فيقوم بتسفيه كل ذلك، وينسب الفضل كله إلى القرآن أو السنة. نعم قد يكون محقًا بشأن سبق القرآن أو السنة في مجال أو عمل ما، لكن ذلك لا يمنع أن هذا المكتشف أو المفكر له فضل وجهد، وهو (أي المكتشف أو المفكر) لم يسمع بما جاء في القرآن أو السنة، وبالتالي، فهو لم يسرق ولم يقتبس الفكرة، إنما رزقه الله فضل العمل بنفسه وعقله وجهده وكده.

لكن المؤسف الذي يجب أن يحزن له هذا المتباهي المتفاخر، أن أحدًا من المسلمين لم يصل إلى ما وصل إليه هذا، لم يصل إلى شيء، ولم ينجز عملًا، ولم يحقق تقدمًا، رغم وجود القرآن والسنة بين يديه طوال عمره، وبناء على ذلك، فالواجب حين يحدث ذلك، ألا نتباهى بأن القرآن أو السنة قد سبقا هذا المكتشف أو المفكر، رغم أن ذلك صحيح، لكنه يجب أن نتحسر نحن على عدم فهم القرآن أو السنة، وأن نأسى على عدم التوصل إلى تلك الاكتشافات أو النظريات بينما القرآن والسنة ليل نهار بين أيدينا، وربما بلغتنا كذلك إن تحدثنا عن أبناء الوطن العربي، والذين يكادون يتخاصمون مع الاكتشافات والاختراعات، ويعلنون براءتهم من الإنجازات العلمية الحقيقية، براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

ومن الناحية الأخرى لست ممن يعشقون التشدق بتقدم الغرب في كل العلوم، الطبيعية منها والإنسانية، رغم أن ذلك واقع ملموس لا ينكره إلا جاهل، لكنني أمقت الذوبان في الشخصية الغربية بهذا الشكل المهين. الاعتراف بالحق والفضل للغرب بهذا السبق من مكارم الأخلاق، لكن الذوبان والانغماس الكامل والولاء الزائد عن الحد في نفس الوقت يعد مهانة ومذلة واستكانة أمامهم، وكل ذلك لا يليق بالمسلم. وأتحسر عندما أقرأ كتابًا أو مقالًا، أو أستمع إلى محاضرة طويلة عريضة يحضرها عدد كبير من المسلمين، ثم لا أجد استشهادًا واحدًا بالقرآن أو السنة رغم وجود الكثير من الشواهد المذهلة بشأن العنوان المستهدف والمحتوى المطلوب مناقشته، وحين يخلو الكتاب أو المقال أو تنعدم في المحاضرة كلها أي شواهد من تراثنا الحضاري الضخم، أو حتى تتلاشى الرغبة الحقيقية في عرض ما يتناسب فقط مع عقيدتنا وعرفنا وتقاليدنا وتراثنا وثقافتنا، وإنما، وعلى العكس تماما، تزخر بالمعاني والمفردات والإجراءات التي تنافي كل ذلك، وتحت ادعاء التقدم والتحضر، بئس التقدم الذي يجعلنا نتخلف عن عقيدتنا وقيمنا، وبئس التحضر الذي يجعلنا نعدم جميل ثقافتنا وعرفنا وتقاليدنا وتراثنا.

والواجب في هذا الشأن أن نقف وسطًا بين هؤلاء وهؤلاء، دون إفراط أو تفريط، دون تعال على الآخر يحرمنا من الاستفادة مما حقق وأنجز، أو مذلة بين يديه يذوب فيه كياننا تماما. والأصل أن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها. ولا حرج في العلوم الطبيعية أن نأخذ منها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لكننا نتوقف عند العلوم الإنسانية كثيرا قبل الاقتباس والأخذ منها. فإن العلوم الطبيعية من المفترض ألا تتأثر بالعقيدة أو الفكر، عدا «النظريات» منها، أما القوانين والقواعد والمعادلات فهي غالبًا «وليس دائمًا» لا دين لها يؤثر فيها. أما العلوم الإنسانية فتختلف عن ذلك كثيرًا، فتكاد تكون كلها خاضعة العقيدة والفكر والثقافة والأعراف والتقاليد، وربما كذلك الظروف الحياتية والبيئية والمعيشية، حتى أن الظروف الاقتصادية والسياسية لتؤثران بالغ الأثر في تراث العلوم الإنسانية في كل مكان تكون فيه.

يجب علينا إذا أن نسعى ونبذل كل الجهد في تحصيل العلوم بشتى صنوفها، وألا نقف فقط عند الشعارات، والتي كادت تكون مثار سخرية العالم، فإذا تحدثت مع أحدهم عن تقدم الغرب مقابل تخلفنا الذي صار من مكوناتنا وكدنا نورثه لأبنائنا مع الجينات الوراثية، تجد ذلك المسكين يدافع عن نفسه بأنه وريث الفراعنة وصاحب حضارة سبعة آلاف سنة، وآخر يرد بأنه صاحب المال والبترول الذي يعتمد عليه أهل العلم ولا يساوون شيئًا دونه، وثالثًا غض العظام طري العقل يقول لك أن الفخر بالعقيدة لا بالعلم وأن العلم لن ينفع هؤلاء الكفار يوم القيامة، ورابعًا ضعيف الفكر والرؤية يرد بأن الغرب قد استخدم العلم في الظلم والاستعمار وتخريب البلاد وفساد العباد، وحين تسمع من كل هؤلاء وغيرهم تجد العامل المشترك بينهم جميعا، هم جميعا يتسترون بـ«الحيلة النفسية» ذاتها، يسفهون من شأن الغرب المتقدم، أو كوكب اليابان الشقيق، أو العملاق الصيني، يسفه عقائد كل هؤلاء، ويتذرع بإفسادهم في الأرض سياسيا وأخلاقيا وفكريا، ليعلل لنفسه تخلفه العلمي والتقني، وهي كلها «كلمة حق، يراد بها باطل». إن كل ذلك ليس مبررًا بحال لما نحن فيه من كوننا في ذيل الأمم علميًا، وعلى رأس الهرم استهلاكيًا.

ربما يقول البعض أنه ليست الصورة بكل ذلك السواد، فربما نجد بصيص أمل في تقدم علمي حقيقي في تركيا وماليزيا، لكن ذلك لا يكفي أبدا ليمثل جموع المسلمين من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن الدول العربية جمعاء لا يبدو في الأفق أمل في تحقيق منجزات علمية واقعية، ولا يجب أبدا أن نلقي بالا لتلك الدعايات الجوفاء الفارغة من كل صدق عن تلك المخترعات الصغيرة في تلك الجامعات أو المدارس، فكلنا على يقين لا يقبل ذرة من شك أنها مجرد دعاية كاذبة لا أصل لها في الواقع الحي، وربما الغرض الرئيس وراءها هو ذر الرماد في العيون، وتعمية للشعوب المسكينة وإغراقهم بوهم أن هناك أملًا في النظم التعليمية الموجودة حاليًا.

معظم تلك النظم يا سادة هي مجرد هياكل شكلية خالية من المضمون، ولا تغرنك أبدًا الشهادات الدولية والأوسمة والجوائز هنا وهناك، فكلها تندرج تحت شعار «ما الدنيا إلا مسرح كبير»، قم فقط بحذف «الدنيا» وضع مكانها «المؤسسات التعليمية» وذلك في كل بلادنا العربية، وبلا استثناء، هذا عن التعليم، أما البحث العلمي فيحتاج إلى شعراء يكتبون فيه معلقات الرثاء، يكفي مثال واحد ليوضح المأساة التي يعيشها البحث العلمي، وهو أن عدد الباحثين في إسرائيل وحدها أكبر من عدد الباحثين في جموع الدول العربية، وأن ميزانية البحث العلمي فيها أضعاف مجموع ميزانيات البحث العلمي العربي كاملا، هذا غير «المصداقية عندهم» و«المسرحية الهزلية عندنا».

أزعم أنه لن ينصلح حال المسلمين حتى تنصلح علاقتهم بالعلم، ليس ذلك تناقضًا مع صلاح علاقتهم بالعقيدة إطلاقًا، إنما وبالتأكيد يتكاملان، وما أصدق الشعراوي رحمه الله حين قال: «لن تكون كلمتنا من رأسنا، حتى تكون لقمتنا من فأسنا»، وأكملها مرسي رحمه الله حين أكد أننا لن نستقل بأنفسنا ونرقى حتى: «ننتج غذاءنا ودواءنا وسلاحنا»، ولن يتأتى لنا هذا ولا ذاك حتى نتسلح بالعلم، لا أن نتباهى بالشهادات الورقية التي لا أثر لها في الواقع المعاش. والمضحك المبكي، أن كل أحد يواجه الناس بتلك الحقائق الموجعة المؤلمة، يقابلونه بالتكذيب والتسفيه ووصمه بالتشاؤم، وتقابله الأنظمة بالتخوين، والسجن والاعتقال، وما دام هذا حالنا، فلا نور في الأفق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد