هل تحب الخيال العلمي؟

كثيرا ما تكون الإجابة: لا.

ولكن ما رأيك إذا امتزج بجزء أصيل من النفس البشرية – الدين؟

غالبا ستكون الإجابة: وماذا يفرق الخيال العلمي الديني عن العادي؟ هل هو مجرد إلباس الأثواب التقليدية للخيال العلمي للأديان؟ أم هي محاولة للتشكيك في الأديان؟!

كل هذه أسئلة منطقية ومقبولة. لذا سأحاول تناولها خلال المقال من وجهة نظري وسأترك الإجابة النهائية للقارئ.

سأتكلم هنا عن الدين الإسلامي، وسأترك الأديان الأخرى لمقالات مستقبلية.

وقبل أن ننطلق، إذا كنت تحب الموسيقي. فاستمع لهذا المقطع أثناء القراءة.

ماذا؟! لا يوجد مقطع!

إذن تخيل معي موسيقى صوفية خفيفة، حيث يشدو صوت مجهول رخيم بلغة تبدو قديمة، على أنغام عدة آلات وترية عتيقة.

هل تخيلت؟

حسنا.

الآن ماذا أقصد بالخيال العلمي الإسلامي؟

الخيال العلمي الإسلامي هو محاولة استلهام الثقافة، العقيدة، التفكير، والنفسية الإسلامية ورؤية كيفية تفاعلها مع معطيات قصص وروايات الخيال العلمي. بمعنى آخر كيف سيفكر البطل لو كان يؤمن بأن معرفة الغيب مقتصرة على الله، وفي نفس الوقت يقوم برحلة عبر الزمن؟! هل هناك تعارض قوي؟ وكيف نزيل هذا التعارض؟ كيف ستسير القصة بحيث تقدم محتى جديدًا يثري أدب السفر عبر الزمن بالتوازي مع صعوبة – وليس استحالة كقصة الخضر عليه السلام – معرفة الغيب؟! الاحتمالات كثيرة ولانهائية.

قد يتبادر للذهن: ماذا سنكسب من إدخال أنفسنا في صراع نفسي وعقلي جديد ومحاولة توفيق المعتقد مع العلم والخيال؟

أقول أولا أنه لا أمة تقدمت علميا بغير إطلاق للفكر الخيالي والعلمي. ولعل الكثير لا يعرف أن رواية «من الأرض للقمر» للكاتب الفرنسي «جول فيرن» قد أتت في غاية التشابه مع أول رحلة مأهولة بالبشر للقمر: أبوللو ١١. قام الكاتب بتحديد حجم الكبسولة الفضائية وقام بالعديد من الحسابات الدقيقة التي تشابهت مع الرحلة الحقيقية، بل وجعل رحلته تنطلق من فلوريدا كما حدث في الواقع!

أما ثانيا، فمحاولة الكتابة في الخيال العلمي الإسلامي – وغيره من الأديان – ستفتح نوعا جديدا من الأدب الراقي في وقت عصيب يعاني فيه الجميع من تقلبات نفسية واجتماعية جسيمة. أيضا ستفرز جيلا جديدا من الأدباء والمفكرين الذين لا يستوعبوا العلم الحديث فقط في كتاباتهم، بل سيركزون أيضا على معين لا ينفد من الثقافة والمعتقد والفكر الدينيين المؤثرين في أمزجة ونفسيات الشعوب.

وحاليا تجري محاولات متعددة بعدة لغات كالإنجليزية والأوردية – وقليل جدا من العربية – في هذا المجال الخصب. كما توجد مسابقات قليلة – اشترك فيها كاتب هذه السطور – لكتابة هذا الأدب الجديد. أي أن المجال مطروق بالفعل، ولكن ليس بالكثافة اللازمة لإيجاد فن جديد.

حسنا.

لكي نكتب عن الخيال العلمي لابد أن نعرف ثلاثة أشياء: أنواع الخيال العلمي التقليدي، محاولات الخيال العلمي الإسلامي القديمة أو النماذج الأولية منه، محاولات الكتاب المعاصرين، أفكار وخواطر عن مستقبل هذا الفن الجديد.

 

«العلامة الحقيقية على الذكاء ليست المعرفة وإنما الخيال!» ألبرت أينشتين.

 

أولا: أنواع الخيال العلمي التقليدي

 

ينقسم الخيال العلمي كما تخيله العقل المعاصر إلى عدة أنواع رئيسية:

 

  • أوبرا الفضاء

وهي ذلك النوع المختص بالتكنولوجيا الفضائية والحرب بين النجوم والكواكب.

 

  • السفر عبر الزمن

غني عن التعريف ويتضمن العديد من الأشكال والتنويعات.

 

  • دمار العالم وما بعد المحرقة

يتكلم عن المجتمعات البشرية التي تكونت من الناجين من حرب نووية كبرى أو إنتشار فيروس أو وباء أو  ما شابه.

 

  • الإثارة التكنولوجية

ويرتبط هذا النوع باستخدام معدات علمية وأسلحة حديثة وغالبا يكون محور أحداثه الحروب والجاسوسية والرومانسية.

 

  • تطبيقات البيوتكنولوجي

كالرواية التي تتحدث عن الاستنساخ أو الرجل الآلي الذي يتكون من خلايا حية أو الإنسان الخارق.

 

  • ألغاز علمية

وهي التي تحكي عن شيء أو كيان أو حقيقة غامضية في إطار علمي كسلسلة أفلام ماتريكس.

 

  • التاريخ البديل

وهو أسلوب ماذا لو حدث كذا أو لم يحدث كذا.

 

  • المزج بين القديم والحديث

وهو يظهر في القصص التي تتحدث مثلا عن رعاة بقر بمسدسات أشعة ليزر.

 

  • اليوتوبيا

يتكلم هذا النوع على المدينة الفاضلة وخصائصها وما الذي جعلها فاضلة من وجهة نظر الكاتب (غياب المشاعر السلبية عن سكانها مثلا).

 

  • الديستوبيا

المدينة المأساوية أو الخاطئة وهي عكس المدينة الفاضلة، حيث يعاني بعض أو كل الناس من شيء ما بشكل جماعي مأساوي.

 

بالطبع توجد تصنيفات أخرى كتصنيف على أساس علمي جاف أو بشري اجتماعي. كما تظهر أنواع أخرى بمجرد المزج بين نوعين من هذه الأنواع أو أكثر.

 

هل لازلت تستمع للموسيقى؟! حسنا لنكمل.

 

ثانيا: محاولات الخيال العلمي الإسلامي القديمة أو النماذج الأولية منه

 

فهناك الكثير من القصص الخيالية في التاريخ الإسلامي، فلابد أن نوضح أنه إذا انتزع العلم من سياق القصة الخيالية، أصبحت أقرب للفانتزيا أو الخيال النقي بلا حدود أو حقائق. لذلك فأي قصة لا تحمل بعضا من العلم أو خصائص النوع المذكورة سلفا، لن نناقشها في سياقنا الحالي ككليلة ودمنة مثلا.

ربما كان أول من تناول هذا الأدب – هو العالم المتعدد المواهب«ابن النفيس» في «الرسالة الكاملة في السيرة النبوية» حيث تحدث مستعينا بعلومه المتنوعة عن قصة خيالية لإنسان اسمه «كامل» ولد على جزيرة معزولة عن طريق عمليات حيوية وكيميائية. ثم أخذ هذا الإنسان يتفكر حتى وصل لصفات الله وصفات الحياة البشرية والرسل ويوم القيامة. نلاحظ هنا أنه ليس سيدنا أدم، إنما إنسان ولد في عصر الكاتب. الجميل هنا أن «ابن النفيس» تحاشى الكلام عن الخلق الأول لسيدنا آدم وأيضا لم يناقض أي مبدأ إسلامي معروف، حيث أن الله قادر على الخلق بأي طريقة.

ولا يسعنا إلا أن نتكلم عن ألف ليلة وليلة، حيث يغلب عليها وجود الحيوانات والرجال الأليين والسفر لعوالم في أكوان موازية. ثم نجد فيها الكثير من المدن الفاضلة أو المأساوية (اليوتوبيا والدستوبيا) والتي يريد البطل أن يفر لها أو منها.

أما الفارابي فنجده يروي قصة وتصورا عن المدينة الفاضلة. وتحدث القزويني في رواية «الأعوج بن أنفق» عن كائن جاء من كوكب بعيد واندهش لمرأى البشر وسلوكياتهم. ذكر بعض الباحثين أن الأستاذة المتقاعدة – بجامعة ليدن بهولندا – ريمكة كروك، رأت أن القزويني كان يعتقد أنه بالفعل توجد مخلوقات تعيش على حافة العالم وليست على كواكب أخرى، ولذلك فلا يصح أن نطلق على قصص القزويني خيال علمي، لأنه كان يعتقد بحقيقتها. وأرى أنه سواء كان القزويني يعتقد أنها حقيقية أم لا، فلا ينفي هذا وجود عنصر المخلوقات الغريبة وتعايشها وتفاعلها  مع البشر، مما يجعلها تصنف تحت الخيال العلمي ذو الصبغة البشرية الاجتماعية.

 

ثالثا: محاولات الكتاب المعاصرين

 

ربما كانت رواية «حوجن» للكاتب «إبراهيم عباس» هي أول رواية تتحدث عن الجن وتصفهم بأنهم يعيشون في عالم أو كون موازٍ. القراء اختلفوا في جودة هذه الرواية، وأنها أقرب للفانتازيا منها للخيال العلمي الإسلامي. ولكن للقارئ أن يقرأها ويحكم عليها.

المدهش بالفعل أن أول محاولة جدية في العصر الحالي كانت بالإنجليزية! حيث قام الدكتور «محمد أورانجزب أحمد» بتبني هذا الفن الجديد عن طريق موقعه. قام الدكتور محمد بتجميع مجموعتين من القصص القصيرة عن طريق مسابقات بجوائز تشجيعية. هذه المسابقات لم تشترط أن يكون المشترك مسلما، وفي الواقع فاز فيها الكثير من غير المسلمين!

لماذا حاول الخوارزمي إيجاد تصميم ميكانيكي ذكي لإيجاد نمط تكراري أو شكل متكرر؟ ما علاقة ذلك بالقرآن؟

هل يمكن عمل برنامج كمبيوتر يتنبأ بالمستقبل؟ لماذا لا يزال العالم الذي ابتكر هذا البرنامج مؤمنا بينما بعدت ابنته عن الدين؟ هل يمكن أن يقنعها بالعكس؟

لماذا قامت حرب نووية؟ ولماذا استمرت لسنوات؟ وما هؤلاء المتحولين ولماذا يريدون أن يقضوا على «كل» الأديان؟!

 

كل هذه القصص وأكثر ستعرفها من هنا.

 

رابعا: أفكار وخواطر عن مستقبل هذا الفن الجديد

 

أنا أؤمن أننا الآن في أفضل الأوقات منذ عدة قرون للإبداع! أرى الكثير من الكتاب والمثقفين والمفكرين بل والفلاسفة يظهرون كل يوم.

أظن أن هؤلاء هم من يستطيعون أن يتخيلوا كيف ستكون الدولة العباسية لو كانت عرفت الآلات البخارية؟! هل نستطيع أن نرى الجن والملائكة بالعلم  وكيف سنتفاعل معهم؟ هل يمكن أن توجد المدينة الفاضلة على هذه الأرض هل سيذنب الناس فيها؟ كيف استطاع الجزري وبنو موسى اختراع هذه الآلات الميكانيكية المعقدة؟ لماذا لم يستكملوا تطويرها؟ ماذا سيحدث لو زرع رأس لمسلم في جسد ملحد؟ أي الروحين ستبقى؟

 

على أي حال، سؤالي في أول المقال مازال قائما.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد