تعد مدينة تارودانت من أعرق المدن المغربية، ولقد اكتسبت هذه المدينة أهمية بالغة خلال الفترات الحكمية التي مرت بها، فقد كانت مركزًا تجاريًّا وحضريًّا مهمًّا، كما أنها اعتمدت آنذاك كقاعدة عسكرية لمراقبة منطقة سوس، وضمان استقرار الطرق التجارية والصحراوية، لكن للأسف تدهورت أحوال المدينة خلال الفترة «المرينية»، لتعود مجددًا تارودانت مطلع القرن السادس عشر وتسترد قوتها الاقتصادية وأهميتها مع ظهور الدولة السعدية، وما زالت تارودانت إلى يومنا هذا تلك المدينة الآمنة والمستقرة.

تعد هذه المدينة الجميلة وجهة لمجموعة من الأحدات الثقافية، الرياضية والفنية…، لكن رغم كل هذا فهذه المدينة تفتقد بشكل كبير لركيزة مهمة من أجل التطور والتقدم، وهذه الركيزة هي العلم، فرغم تاريخها العريق واحتوائها على مؤسسات تعليمية عريقة، فتارودانت تفتقد بشكل كبير لسياسة العلم، هذا الأخير الذي طالما كان أحد أبرز الوسائل لمحاربة الجهل وتقدم البلدان وتطورها ونمو اقتصادها، فقد أصبحنا اليوم نرى مجموعة من البلدان الأوروبية والأمريكية تنفق ملايين الدولارات من أجل تطوير مجال البحث العلمي ومساعدة الشباب في تفجير قدراتهم العلمية، وهم مؤمنون بفكرة أن العلم هو ما يقوي الدولة بشكل أو بآخر، هذه السياسية نحن نفتقدها في مدننا وبلداننا العربية، ولو أن هناك بعض الدول العربية التي بدأت في الإنفاق والاهتمام بهذا المجال، على غرار الإمارات العربية المتحدة، والمغرب، وتونس، والجزائر…، لكن يبقى هذا الإنفاق غير كافٍ، وحقيقة الأمر يجب علينا نحن أن نكون نحن السباقين إلى هذا المجال؛ فديننا الإسلام يدعو إلى العلم، وأيضًا كنا نمتلك علماء مسلمين وعربًا على غرار ابن الهيثم، بل ما زال لدينا علماء في هذا المجال، كالبروفيسور المغربي ومطور بطارية الليثيوم رشيد اليزمي وغيرهم.

إنني صراحة لا أعلم السبب في افتقادنا لسياسة العلم، هل هو عدم توفرنا على مراكز أو دور شباب تساعد في إدماج هؤلاء الشباب وتطوير قدراتهم، ومنحهم الفرصة لتقديم أفكارهم أو اختراعات تساعد في تطوير بلدانهم، أم أن السبب راجع إلى عدم توفرنا على شباب محبة للعلوم وغيورة على بلدانها؟ وعند الإجابة عن كل هذه الأسئلة سيتضح آنداك مكامن الخلل، الذي أرى أنه المجتمع، هذا الأخير يمكن عده أصل المشكلة؛ فهو لا يضع أي أولوية للعلم على جميع الأصعدة، فلا نحن من ضمن ثقافة العلم ولا هو من أولويتنا، والبحث عنه في مدينة تارودانت بصفة خاصة، والوطن العربي بصفة عامة، أشبه بالبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة.

لهذا فمجتمعنا العربي يحتاج إلى أن يتكلم بلغة العلم، وأن يسمع للغته، وكذا تكون له برامج ونشاطات علمية متنوعة، ومن  أجل القيام بكل هذا وجب تغيير ثقافتنا من الأصل وهنا الحديث عن الأسرة، فمثلًا يجب على الآباء تخصيص بعض من وقتهم من أجل تقديم برامج علمية للأطفال، وكذا شراء بعض الألعاب ذات الطابع العلمي كالتلسكوبات الصغيرة والزجاجات المخبرية الخاصة بالأطفال، وكل هذا من أجل تكوين طفل علمي وله فضول، سواء في مجال الفيزياء، أو الكيمياء، أو الأحياء، كما يجب على مسؤولي هذه المدن توفير دور شباب، ومراكز خاصة بالشباب العلمي، ودعمهم بشتى الطرق، وعندئد أعدكم بمجتمع جد متطور، ومدينة أكثر ازدهارًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد