لماذا الفيزياء؟

الحياة العصرية المُتاحة لكثير منا اليوم، رُبما لو عاشها الأجداد لاعتبروها ضربًا من الخيال، أو السحر. نحن نستخدم ببساطة برمجيات تحديد الموضع GPS، ونتواصل مع الدنيا كلها عبر تطبيقات التليفون المحمول، ونتبادل الرسائل عبر البريد الإلكتروني لحظيًا. كما وضعنا حول الأرض أقمارًا اصطناعية لأغراض مُتعددة، وطورنا في مجالات الطب والهندسة، وغيرهما. كل ذلك تعود أصوله جميعا – بطريقة أو أخرى – إلى تَحَسُّن مفاهيمنا عن الطبيعة من خلال عِلْم الفيزياء.

أصبحت الفيزياء العلم الذي بإمكانه، أكثر من غيره، شرح تركيب الكون وآلية عمله، وإدراك حقائق الطبيعة، عبر صياغة النظريات لتفسير الظواهر المختلفة، أو تحويل الإستنتاجات الرياضية إلى تجارُب مُثبَتَة. وحتى الأسئلة الكبيرة، من شاكِلَة: من أين أتى هذا العالم؟ مم تتكون أجسامنا؟ هل لهذا الكون بداية ونهاية؟ ما طبيعة الزمن، وهل يسري بالمقدار نفسه في الكون كله؟ ما الحياة؟ سوف تَجِد الفيزياء حاضرة لتقديم إجابات شافية عن كثير منها.

الآن وقد انصرم من القرن الحادي والعشرين عقدان كاملان تقريبًا، نعرف كيف تطور الكون عبر تاريخه الممتد منذ نحو 13 ألف مليون سنة، ونعرف القوانين التي تحكُم العالم الكبير، عالم المجرات والفضاء؛ كما درسنا خصائص العالم الصغير، عالم الذرات وما دونها، ورصدنا ظواهر مُذهلة؛ فأثبتنا أن الكون يتضخم بشكل مُستمر، واستخدمنا تكافؤ الكتلة والطاقة، وغير ذلك الكثير. وفوق ذلك كله، نسعى بحماس لفهم أكثر عُمقًا للكون وما، ومن فيه، بحيث يُمكن جمع كل القوانين – يومًا ما – في إطار رياضي موُّحَّد.

إزاء كشوف الفيزياء الرائعة تلك، وإدراكنا العميق لحقائق عن الطبيعة حولنا، يميل بعض العلماء للتواضع، مُقرِّين بوجود مستويات أعمق لفهم الطبيعة، ما يزال علينا أن نعرفها؛ في حين أَغْرَى آخرين ليُسارعوا في إنكار وجود الخالِق، واعتبار الأديان أساطير ألفها البشر، بالرغم من أن عملية البحث العلمي، المؤسسة على التنظير والتجريب، ليس لها قدمٌ راسخة في موضوع الإيمان، الذي يتعلق أساسًا بالغيب، بما وراء هذا العالم المادي.

بل إن من العلماء الذي يؤمن أن الفلسفة قد ماتت ليحل مكانها العلم، الذي بات قادرا على شرح كيف نشأ وتطور الكون، من حقل طاقة في الفراغ إلى جُسيمات وجُسيمات مُضادة، ومن الذرات والعناصر إلى تكوُّن النجوم والمجرات، ومن الكيمياء إلى البيولوجيا إلى الحياة. ولو أنهم احتفظوا بعقيدتهم لأنفسهم، ما ضرَّ شيء؛ لكن المُتابِع يلاحظ بسهولة في كتاباتهم ومحاضراتهم الموجهة للعامة أنهم يدعون صراحة للتصديق بالعلم، ونبذ الأديان.

يغفلون عن أن ما لدينا الآن من معرفة، إنما تأسست على ثورة علمية شهدها مطلع القرن العشرين، تمثلت في النسبية الخاصة والعامة، وميكانيكا الكم، اللتين مهدتا السبيل إلى ما بين أيدينا من منجزات علمية الآن؛ ومع ذلك، بقيت لليوم ظواهر بلا تفسير، وأسئلة عميقة بلا إجابة. المادة المظلمة التي تُمسك بعناقيد المجرات، والطاقة المظلمة التي تنفُخ في الكون اتساعًا، مثالان على ذلك. أليس من الأقوم أن نفهم حاجتنا لثورة أخرى على ما نعرفه الآن، وأن تظل جبهة العلم دائمًا مُتحركة للأمام، كي نستطيع الإجابة عن تلك الأسئلة، وغيرها، عِوضًا أن ينشغل كل جيل بما توصل إليه من معرفة ناقصة؟

في القرن السابع عشر، وصف العلماء معادلات نيوتن Newton عن الجاذبية بالقانون، وليس النظرية؛ إيمانًا من مُعاصريه بأنها أعطتهم وسيلة لا تقبل الشك في حساب المدارات الفلكية للكواكب، وغيرها. وللأمانة، ما تزال تلك المعادلات صحيحة إلى يومنا هذا، ونستخدمها عند حساب مدار لأحد الأقمار الاصطناعية على سبيل المثال. مع ذلك فشلت «قوانين» نيوتن في تفسير مدار الحضيض لكوكب عطارد، واستلزم الأمر عبقرية أينشتاين Einstein، في مُستهل القرن العشرين، ليُعيد صياغة فهمنا للزمان والمكان من خلال «النظرية» النسبية الخاصة والعامة، ويُفسِّر ما لم تستطع «قوانين» نيوتن تفسيره، وأكثر.

كذلك، وبعد أن مضى نصف قرن على تأسيس نظرية ميكانيكا الكم، ظن العلماء مرة أخرى أنهم قد استوعبوا كل شيء عن الطبيعة والكون، حتى أن ستيفين هوكينج Stephen Hawking كتب مقالًا عام 1981 بعنوان: «هل باتت نهاية الفيزياء النظرية وشيكة؟» على أساس شيوع التفاؤل وقتها بأن الفيزياء أصبحت قاب قوسين أو أدنى من اكتشاف نظرية كل شيء Theory Of Everything: TOE، بحيث لن يبقى سؤال بلا إجابة! لكن هذا لم يتحقق، وما زال حال العلم كما كان عبر القرون، كرأس هايدرا Hydra في الأساطير الإغريقية، كلما نزعت عنها رأسا نمت لها أخرى. فيما إذن المُسارعة في الكُفر؟

لماذا الفيزياء؟

ببساطة لأنها تُقدم المفاهيم الأساسية للتركيب، وآلية العمل، من الصغير جدًا، كالجسيمات، والذرات، والجزيئات الكيميائية، التي بدورها تُشكل الوحدات الرئيسة لبناء الخلايا الحية، إلى الكبير جدًا، كالنجوم والمجرات والكون على اتساعه. كما أنها عبَّدت الطريق أمام التأملات النظرية لتصير إلى كل ما حولنا اليوم من تطبيقات تقنية؛ بل قدمت شروحًا مبدئية لظواهر مُدهشة، كتباطؤ الزمن بجوار الكُتل الكبيرة على سبيل المثال، وِفق النسبية العامة لأينشتاين، والذي على أساسه يتم تصحيح المعلومات التي يستقبلها جهاز تحديد الموقع GPS، من القمر الاصطناعي حول الأرض؛ حيث يمضي الزمن بالنسبة له أسرع مما يمضي بالنسبة لنا على الأرض.

مع ذلك، وبخلاف كثير من العلوم الأخرى، لا تعتمد الفيزياء في الأساس على جمع بيانات من العالم أو البيئة المُحيطة، بل تتطور من خلال التناغم بين النظرية والتجربة. فمن خلال المنطق وبعض الافتراضات تُصاغ النظريات باستخدام الرياضيات، وما تلبث إلا وتخضع للتجربة، ولا يُكتب لنظرية ما الاستمرار إلا إذا ظلت التجارب تؤيدها، وتُحقق عمليًا استنتاجاتها. ومن جهة أخرى، عندما يتم اكتشاف ظاهرة ما، تُصاغ النظريات المختلفة لتفسيرها؛ ومرة أخرى، لا تُكتب الحياة إلا للنظرية التي تشهد بصحتها التجارب العلمية، وهكذا.

هنا ونحن نتكلم عن جبهة العلم في القرن العشرين، وعن آلية التعاضُد بين النظرية والتجربة؛ يجُدر بنا أن نُلمِح إلى اكتشافين على جانب كبير من الأهمية، الأول كان اثبات وجود جُسيم هيجز Higgs particle، المنسوب إلى العالم البريطاني بيتر هيجز Peter Higgs، الذي استنتج رياضيًا وجوده في ستينيات القرن الماضي، وتم رصده عمليًا في مُصادم الجسيمات الكبير في سيرن CERN عام 2012، ومن ثم حصل هيجز على نوبل في الفيزياء عام 2013، بعد حوالي نصف قرن من استنتاجه الرياضي.

أما الثاني، فكان رصد الموجات الجاذبية Gravitational Waves، القادمة من أعماق سحيقة في الكون، نتجت من اندماج ثقبين أسودين عملاقين من ملايين السنين، أحدث تموجات في «نسيج الفضاء»، وهي الموجات التي تنبأ بوجودها أينشتاين في النظرية النسبية العامة عام 1915، وقام العالم الأمريكي كيب ثورن Kip Thorne، وآخرون برصدها عام 2015، بعد قرن كامل من التنبؤ بها. وحصل بالتالي على نوبل في الفيزياء عام 2017. ولاشك أن هذين المثالين، مع أهميتهما كإنجازات علمية، يوضحان أيضًا كيف تتقدم الفيزياء بخُطا ثابتة نحو فهما أعمق للكون، عبر النظرية والتجربة.

قد يكون هذان الكشفان مجرد كلام في الهواء، لا يعني لي أو لك شيئًا. لكن دعني أُشير إلى أن تحسُّن فهمنا لطبيعة الفضاء نفسه، وكيفية تكوُّن المادة فيه، ليس بالأمر الهيِّن أو فارغ المضمون. هذان الكشفان، وغيرهما كثير، سيُطوران كثيرًا من إمكانات التقنية المُتاحة اليوم، على أصِعدة كثيرة، منها أدوات التجارب العلمية ذاتها، كما أن منها الاتصالات. فكما نعرف المسافة بين اختراع الاسكتلندي جراهام بِل Graham Bell للتليفون عام 1876، والتليفون المحمول، الذي بين أيدينا اليوم، بكل إمكاناته الهائلة، يُمكننا أن نتصوَّر آفاقًا جديدة، بل ثورة جديدة في مستقبل الاتصالات، وغيرها من تطبيقات التقنية.

من هنا، يُمكن النظر للفيزياء كعلم أساسي Fundamental، فهي التي بأدواتها نكتشف الظواهر، أو نتنبأ بها. ثم يجيء دور علماء آخرين يستخدمون المفاهيم الأساسية المُثبتة في الفيزياء، ليطوروا بها مواد جديدة، وتقنيات مُبهرة في البناء، والزراعة، والصناعة، والاتصالات، ورحلات الفضاء، وغير ذلك الكثير.

ثمة سمة أخرى للفيزياء على مستوى البحوث الجديدة؛ ذلك أن طائفة من الباحثين تعمل على أمور علمية مطروقة من قبل، وتُطورها، وغالبًا ما يحقق هؤلاء نتائج بسهولة نسبية. كما أن هناك الرواد، الذين يقتحمون المجهول، يُثورون الفيزياء، وليس فقط يطورونها، ويُقدمون مفاهيم أساسية جديدة لم يسبقهم إليها أحد.

هذا الفارق بين الطائفتين شديد الوضوح في علم الفيزياء، دون غيره من العلوم. ولننظر – على سبيل المثال – إلى عبقرية الإنجليزي بول ديراك Paul Dirac، الذي كان مُنساقًا وراء ما غزلته يداه من المعادلات الرياضية، فإذا به يُلاحظ أن الرياضيات تتنبأ بضرورة وجود «مادة مُضادة Antimatter» في الكون؛ جُسيم البوزيترون الموجب في مُقابل الإلكترون السالب على سبيل المثال. وقد تم دعم نظريته تلك بالتجربة العلمية عقب إعلانه عنها ببضع أعوام فقط؛ ومن ثم حصل ديراك على نوبل في الفيزياء عام 1933.

هل هو «جمال وتناسُق الرياضيات؟» رُبما. لكن بكل تأكيد لا قيمة للرياضيات مهما كانت رائعة دون اثبات مضامينها بالتجربة. والجمال الحقيقي كما يراه البروفيسور الإنجليزي، العراقي النشأة، جيم الخليلي Jim Al-Khalili، يكمُن في المفاهيم العميقة التي تُعطيها لنا النظرية والتجربة في الفيزياء، والتي على أساسها نفهم كيف يعمل هذا العالم، وهي عادةً ما تؤول للبساطة وليس التعقيد.

مثال ذلك، رحلة الإنسانية منذ العصور القديمة لمحاولة تعريف الوحدات البنائية للكون، حيث افترض إمبيدوكليس Empedocles أن كل المواد تتألف في جوهرها من العناصر الأربعة: الماء، والهواء، والتراب، والنار؛ كما ترى، كانت فكرة بسيطة، إلا أنها لم تكُن صحيحة. ثم جاء الفيلسوف ليوسيبوس Leucippus وتلميذه ديموكريتوس Democritus بفكرة الذرة Atomos كوحدة بناء لكل المادة في الكون، وهي فكرة أكثر بساطة من سابقتها؛ ومع ذلك رفضها الفلاسفة أفلاطون Plato وأرسطو Aristotle، ظنا منهما أنها لا تُفسِّر التعقيد الرهيب من المواد التي نعرفها في هذا العالم. بكل تأكيد، لم يُمارِس ليوسيبوس وديموكريتوس العلم كما نعرفه اليوم، لكنهم كانوا على الطريق الصحيح.

كما يجب إدراك أن مُهمة الفيزياء تتخطى مُجرد تصنيف الموجودات ودراسة تركيبها، بل إنها تذهب لأبعد من ذلك، حيث تبحث عن الشروح الصحيحة للظواهر الطبيعية، والآلية التي تعمل بها الأشياء. ومن خلال هذا الفهم أصبح لدينا القدرة أن نعرف خصائص أشياء غاية في الضآلة، وأخرى هائلة الضخامة، بحجم الكون ذاته. وبات باستطاعتنا قياس فترات زمنية لأحداث خاصة في الكون، مُتناهية السُّرعة، تستغرق أزمانا مُتناهية الضآلة، وأخرى قد تمتد للخلود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جبهة العلم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد