هناك أمم أو جماعات تعيش في حالة من حالات الانغلاق الفكري على نفسها، وتنظر لمن حولها نظرة من يتربص بها، ويكيل لها الشر، ويسعى لنسفها، وتدمير معتقداتها وأفكارها في تمثيل لما يعرف بالمؤامرة الكونية: فكل دول العالم تتآمر ضدنا؛ ضد أفكارنا وأدياننا وتسعى لاجتثاث أصولنا من الجذور!

فطبيعي مع هذه النظرة عندما يحدث حالة من الانفتاح الجزئي على العالم المحيط، فتحاول أن تستورد علمًا من تلك الدول المتؤامرة عليها ستجد بالتأكيد قيودًا وأخطاءً – من وجهة نظرها – حتى وإن كان المجتمع العلمي كله ينظر إليها على أنها حقائق، ولكن أفكارها ودياناتها وعقائدها تأبى ذلك، لذا يجب وينبغي قص ما لا يتوافق أو يتعارض بشكل مباشر أو غير مباشر مع الفكرة أو الأيديولوجية المسبقة، على الرغم من لا معقولية الفكرة!

فمن الطبيعي مع ذلك أن تحاول هذه الأمم المستورة سد الثغرات التي ستواجهها حتما في أجيال لاحقة مع حدوث انفتاح كلي، يمكن سد الثغرات ببدائل تدعم الفكرة المغالطة لما هو مألوف على الجهة الأخرى، وتتراوح من سياسة التجاهل، ثم التعتيم، ويكون ذلك في البداية – حتى سياسة التضاد بالدفع المضاد غير العلمي، وفي أغلب الأحوال يتراوح من استخدام الأيديولوجية في صد الفكرة من البداية ونفيها جملة وموضوعًا لعدم توافقها، إلى مناقشتها من منظور فكري غير المنظور المفروض النظر إليه منه كموضوع علمي يتم مناقشته دينيًا مثلًا، وتكون المرحلة التالية والتي تعتبر في نظرهم المرحلة الأعظم؛ لأنها تستدل على الأدلة، وبالتالي تحاجج الأدلة الأولى على صحة موضوع ما بأدلتها التي تتأكد أنها ستدحضها!

تكون المرحلة الأخيرة مرحلة ما قبل إعلان الهزيمة أو الفشل؛ لأنها في الواقع لا تستند على أدلة من نفس النوع، كمثل قضية علمية من المفروض الاستناد إلى أدلة مادية، فيتم فيها الاعتماد على أدلة روحية ميتافيزيقية!

فمن الاعتماد على نصوص أدبية باعتبارها نصوصًا مقدسة كتبت بالوحي أو غيره منذ مئات وآلاف السنين واعتبارها مرجعًا للحكم في قضايا علمية أو غير علمية مما تخص العصر – لا عصر كتابة النص – فكيف يعتمد على نص مكتوب من زمن مضى في أخذ علم في أي مجال في الوقت الحالي كالأحياء (Biology) مثلًا.

إن تهافت التفاسير للنصوص التي يعتمد عليها في شرح تكوين الجنين أو ظهور الكون مثلًا لهو بالأمر الغريب منطقيًا، فهم يستدلون من خلال النص وتفسيره حديثًا في ضوء العلم على سلامة النص وقوته، فلماذا لم يستدلوا سابقًا من النص على الانفجار العظيم مثلًا، أليس هذا التهافت من شأنه أن يضيع قدسية النص ويمحو مصداقيته، إذا خرج العلم يومًا وأعلن عن فشل أية نظرية علمية مما يتشدقون بها، وبمدى تأكيد النصوص لها منذ آلاف السنين. أليس من الغباء أن تجعل النص الثابت في نظرك تابعًا للمتغير؟ أليس هذا جائزًا!

إن النظريات العلمية ربما تتغير حيث أن العلم ليس ثابت والنص في نظر أصحابه من المفترض ألا يتغير، وإلا ما كان نصًا، ولعلها فرصة لنشرح ماذا تعني النظرية العلمية في المجتمع العلمي، فالنظرية العلمية ليست كما يظن، ويتم الترويج إليها في مجتمعات الجهل بأنها مجرد نظرية، وربما تحتمل الخطأ والصواب بالتأكيد هي نظرية، ولكن هل تعرف معنى النظرية؟ لا تعني النظرية أنها شيء نظري عكس العلمي مثلًا كما يقول البعض، إن النظرية (Theory) هي ما تكون مدعومة بالأدلة المادية الكثيرة وليست فرضية (Hypothesis) فحسب. فهناك فرق بين ماهو فرضية وما هو نظرية، فكل ما هو نظرية كان في البداية فرضية وأوجد له أدلة مادية حتى تكون نظرية، فلا شيء يرتقي إلى الحقيقة (Fact) غير ما نراه أو نشاهده كالتطور مثلًا حقيقة، أما تفسيره فيفسر بالانتخاب الطبيعي، فهذه هي النظرية. والنظرية كالجاذبية تمر بمشاهدات، ثم تجارب، ثم القانون، ثم الفرضية، ومن ثم نظرية! إذن النظرية هي أفضل ما يمكن الوصول إليه لتفسير حقيقة!

من الممكن أن تكون النظرية تحتاج إلى إضافات، ولكن هذا لا يلغي النظرية كاملة، وينهيها مباشرة كأن لم تكن، هذا لا يحدث إلا مع الباحثين المستمدين بحثهم وعلمهم من النص!

إن استحداث باب كامل عند أصحاب النصوص على اختلافها للرد على النظريات العلمية بطريقة دينية لم يتوقف عند حد التجهيل والتعتيم ومن ثم التكفير، ولكن ارتقى للمواجهة الكاملة بسلاح نفس العصر، فبالعلم يتم الرد، هناك تيار مختلف يحاول جاهدًا أن يكون على نفس الوتيرة، فوجد الحل في التأويل. فطلاب علم في جامعات وأستاذة ودكاترة حاليين في مختلف المجالات العلمية ينتصرون لهذا الأسلوب في الرد من خلال مدوناتهم ومواقعهم، ولكن يقعون في مغالطات كثيرة، فاعتمادهم المبدئي يكون على النص، ولا خطأ ولا جدال فيه، فالعلم هو المتغير، والنص هو الثابت، فبالتأكيد يتم تأويل النص بطريقة ما حتى يناسب النظرية، هذا الأسلوب صاحبه يحاول أن يوفق بين فكرته المسبقة وعقيدته الأولى وبين ما هو مفروض على الساحة العلمية حتى وإن كان تأويله من وجهة نظر آخرين مؤمنين بنفس الأيديولوجية تفسيرًا خاطئًا، ولنا في التطور أسوة بالشيخ محمد عبده سابقًا، وحاليًا كثيرون كعدنان إبراهيم مثلًا!

لكن حتى هذا الاتجاه يتم ضربه في مقتل ويتم الانتصار للفكر المنغلق على حساب الفكر الحر الذي يحاول التوفيق بالتأويل مع الاختلاف معه في الطريقة، يتم محو هذا التيار الذي يحاول أن تكون أيديولوجيته أو عقيدته حية لا تموت وهي في مواجهة أيديولوجية جديدة – في نظرهم أن العلم عقيدة – فعلى الساحة لن تجد حاليًا سوى دعاة الفكر القديم ممن ينتهجون سياسة التأويل، ولكن لهدف مغاير هو ضرب النظريات العلمية في نظرهم التي تخالف الواضح في النص والانتصار لما هو موافق للنص فأي تناقض في التعامل مع العلم!

الرائج حاليًا دعاة لا يفقهون فيما يتحدثون. أنت لا تعرف هل هذا دين أم علم أم مزيج ديني علمي! الآن تجد من يكلمك في العلم والنظريات العلمية وهو لا يفقه معنى النظرية حتى، فأي جهل هذا! وأي عصر هذا الذي تجد فيه من يستمع إليهم ويصفق لهم وكأنه انتصر!

كفى جهلًا يا سادة، فكما تقولون دائمًا دعوا الدين لرجل الدين، فلتتركوا أنتم أيضًا العلم لرجال العلم الذين تنعتونهم بالكفرة في كل صلاة. فكفى سخرية للقدر منا على أن وجدنا في مثل هذه البقعة من الأرض الجاهل أهلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد