العلم التجريبي يعتمد في الأساس على الحقائق البحتة مخضعا إياها لأدوات القياس العلمي التي لا تحابي ولا تميل، والتي لا تراعي مقدَّسا أو عادات وتقاليد، ولقد حدثت الكثير من المصادمات بين العلم وبين الدين حتى بدا أن هناك تناقضًا بين العلم وبين الدين وصدعًا لا سبيل لرأبه، فاصطدم العلم بالدين مرارا وتكرارا، وكانت الغلبة بالتأكيد للعلم الذي يعتمد على الحقائق القابلة للقياس في مواجهة الدين المعتمد على أمور لا يمكن قياسها، فأسفرت كل مواجهة بين العلم وبين الدين على تنازل يقدمه الدين فيما يعرض من أفكار حيث يقوم بتغيير أفكاره وعقائده حتى يتماشى مع حقائق العلم، حتى وصل الأمر بالبعض لاعتبار أن العلم غالب للدين، ومن ثم بدأ التشكيك في الأديان بل وفي الإله باعتبارها منتجات غير علمية نبعت من عقول غير ناضجة وعصور مالت للأساطير والخرافات.

ولعل ذلك يظهر جليا في المصادمات الكنسية مع الدين وقصة جاليليو الشهيرة، وغيرها من المواقف حتى وصل الأمر بالبابا الكاثوليكي أن يخرج علينا بأفكار دينية جديدة كل الجدة لتتماشى والثورة العلمية الحالية، فيخبرنا أن الدين يرى أن قصة آدم وحواء وبداية الخلق ما هي إلا محض خرافة، وأن قصص الملائكة والجن وغيرها ما هي إلا قصص ملهمة لا تعكس واقعا ولا تعبر عن أحداث حقيقية، ولكنها نوع من القصص الهدف منه العظة والعبرة ، كما ذهب إلى أن تصوير الجنة والنار ما هو إلا تصوير غير واقعي، وأنه تصوير تمثيلي لا يقصد به الحقيقة المجردة، ولكنها مجرد رموز للثواب والعقاب.

وربما اندفع البابا إلى ذلك بفعل الضغط الشديد للحقائق العلمية، والانفصال القائم بين المجتمع والدين، فوجد أن الحل لمواجهة موجات الإلحاد لا تأتي إلا بالانخفاض أمامها ومحاولة التوفيق ولو بالتلفيق بين العلم والدين، وكذلك قلده بعض أتباع الأديان الأخرى ولو بالتنازل عن بعض حقائق الدين الواضحة عن طريق تأويلها وإخراجها عن سياقها الواضح حتى صار الدين عندهم مسخا بلا لون ولا رائحة.

ولعلنا في هذا السياق يجب أن نفرق بين الدين والفكر الديني، فاصطدام العلم بالدين يعني اصطدامه بنصوص الدين الصريحة، ولكن اصطدامه بالفكر الديني يعني اصطدام العلم بالتأويل البشري للنصوص، وبالتالي فإن اصطدام العلم بالدين سيعني بالضرورة رفض الدين لاصطدامه بالحقائق، في حين أن اصطدامه بالتأويل البشري سيفضي إلى مجرد تغيير التأويل بتأويل آخر مع بقاء أصل الدين في اصطلاح مع العلم.

ولكن .. ما هو الدين الذي يصطدم به العلم؟ .. ليست النصوص المجردة هي الدين الإلهي الصافي، وذلك لأن النصوص الإلهية لا تبقى إلهية عندما تنزل من السماء إلى دنيا البشر؛ لأنها تصبح ملكا للبشر أنفسهم حيث تخضع لأفهامهم وأسلوب تعاملهم مع اللغة، وبالتالي فإن الدين الإلهي البحت لا يخلو من عنصر بشري ، وبالتالي فإن اصطدام العلم بالدين الإلهي يعني اصطدام بين العلم والنص الذي لا يقبل تأويلا أو تصريفا.

أما بالنسبة لمذهب العشق، فبرغم أنه يبدو أن العلم والعشق لا يلتقيان، وأنهما مجالان لا يتقاطعان ليس عن تناقض، ولكن عن اختلاف في النطاق، حيث نطاق العلم هو المادة القابلة للقياس، ونطاق العشق هو الروح وما يخالجها، إلا أن العلم له علاقة وثيقة بمذهب العشق من عدة نواح منها:

أولًا: أن مذهب العشق يتجه إلى الاعتراف بالغيبيات في حين أن أهل العلم، وأصحاب العقل يتطرفون في رفض الغيبيات لمجرد أن أدواتهم العلمية ومختبراتهم لا تستطيع إخضاع هذه الغيبيات كمادة للدراسة، ولذا يلجؤون إلى نفي الغيبيات جملة وبالتالي إلى التشكيك في الدين والإله، ولكن أهل العلم وأصحاب العقل المتطرفين يتناسون أن اختلاف النطاق يعني بالضرورة عدم جاهزية أدواتهم للحكم على ما لم تخلق من أجله، إذ كيف لأدوات القياس المادية أن تحكم على العوالم الروحية الغيبية؟

ثانيا: أن أهل العلم الذين يقبلون الدين والغيبيات يحلو لهم أن يرسموا للدين قواعد صارمة ليحيلوه إلى ( كتالوج ) مكتمل الأركان يوفر للإنسان النتائج مادام قد وضع المعطيات الصحيحة في المعادلة المضروبة، وهم بذلك متناسون أن الدين حياة روحانية في الأساس غير خاضعة للتنميط والاستنساخ، فكل حالة بشرية هي حالة قائمة بنفسها، وأن الدين يتعدد بعدد أنفاس الخلائق، بمعنى أن كل تجربة فردية هي في حد ذاتها تجربة متفردة لها صفاتها الخاصة فيما لا ينطبق على غيرها من الحالات.

ثالثا: أن مذهب العشق يقوم بدور المرشد لأهل العلم، فأهل العشق أهل الحقيقة، وأهل العلم عيال عليهم، لأن العلم قاسٍ لا قلب له، لا يعرف إلا المصلحة المادية الصرفة، وأن التفكير العلمي بالضرورة لا يعترف بالمساحات الرمادية بين الأبيض والأسود في حين أن مذهب العشق هو القادر على كسر غرور العقل حتى لا ينطلق بلا عقال بداعي المصلحة المادية ، فيصبح هو ضمير العلم الذي قد يضحي بنتاج العلم من أجل إنسانية الإنسان، وإلا فالعلم سيحيي تجربة القنبلة الذرية إعلاء للعلم على حساب البشر، وسيعمد إلى سحق إنسانية الإنسان من خلال البحث عن الطرق المناسبة للارتقاء بسلالات الجنس البشري ولو بالتخلص من الضعفاء وأصحاب الصفات الوراثية السيئة.

إن مذهب العشق لا يضاد العلم ، ولكنه يسمح للعلم بالعمل في مجاله ( المادي) معترفا بنتائجه في ذلك النطاق، جاعلا من النصوص الدينية معضدا لهذه النتائج، ولكنه في ذات الوقت لا يسمح للعلم أن يكون آلة سحق لإنسانية البشر بدعوى المصلحة والحقيقة الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صوفية, علوم, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد