علم الضحية

الدراسات التي أجريت على ضحايا الجرائم وبخاصة الناتجة عن حروب عالمية أو إقليمية أو مذابح إبادة عرقية وغيرها كان لها دور بارز في إعادة تشكيل نظام علم الجريمة بأكمله، ورغم ذلك لم يأخذ مساره فى التطور والتقدم فى كافة مناطق العالم، إذ قد نراه متقدمًا في بعض الدول ومتجاهلًا في دول أخرى، رغم وجود تشابه في الوسائل المنهجية (الكيفية والكمية) ومن ثم اعترته تحولات جذرية.

وعلم «الضحية» علم حديث نسبيًا، وموضوعاته لها جاذبية خاصة، ورغم وجود الضحايا منذ بدء البشرية إلا أن هذا العلم لم يبدأ في الظهور بصورة فعلية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة لبشاعة الحرب وما خلّفته من ضحايا تجاوزت عشرات الملايين بطول العالم وعرضه.

وقد بدأ بدراسة ضحايا الجرائم والُمّدعى عليهم، ومن ثم يُعد تكملة ضرورية لعلم الجريمة أو العقاب، وقد ظهر هذا العلم لسد فراغ نظري ليم تستطع علوم الجريمة أن تسده، لذا لم يأخذ وقتًا طويلًا حتى أصبح جزءًا مكملًا لعلم الجريمة، له أهميته وطبيعته التي جعلته مجالًا خصبًا للبحث.

والدراسات التي أجريت على ضحايا الجرائم كان لها دور بارز في إعادة تشكيل نظام علم الجريمة بأكمله فيما بعد ورغم ذلك لم يأخذ مساره فى التطور والتقدم على مستوى العالم، إذ قد نراه متقدمًا في بعض الدول ومتجاهلا في دول أخرى، رغم وجود تشابه في الوسائل المنهجية (الكيفية والكمية) المتبعة في الجرائم والمترتب عليها سقوط الضحايا.

ونتيجة للتطور السريع في علم دراسة «الضحية» وما تطلبه هذا من تطور مماثل في جمع البيانات، فقد أثر ذلك على التشريعات العقابية على المستويات الدولية والإقليمية للحد من انتشار ضحايا الحروب والعنف المؤسسي. وبهدف المساعدة على تحسين وضع الضحايا والتخفيف عنهم. وقبل ذلك ضمان وجود تدابير لإقرار العدالة الجنائية التي تقتص لهم.

وثمة رأي أن علم «الضحية» science of victimology يدرس العلاقات القائمة بين الضحية و المجرم، وفي تعريف آخر بأنه نوع من علم الجريمة الذي يدرس الضحايا وما يعتريهم من اضطرابات نفسية جرّاء تعرضهم لعنف مؤسسي أو ممنهج (قبل وأثناء وبعد الفعل الإجرامي)
يتضح من خلال مجمل تلك التعاريف أن علم الضحايا يُعنى بنقطتين:
– الأولى: تحديد مجموع الأفراد المعرضين للخطر، أي الأفراد الذين يصبحون ضحية نتاج فعل إجرامي عنيف.

– الثانية: توضيح العوامل الاجتماعية النفسية والنفس- مرضية التي يعاني منها الضحية نتيجة أعمال العنف الممنهجة ضده.

نشأة علم الضحية وتطوره: science of victimology

هو علم حديث النشأة حيث يرجع ظهوره إلى أواخر الخمسينيات، وكما ذكرنا فقد شكّلت المآسي الناتجة عن الحرب العالمية الثتانية نقطة ارتكاز في تطور هذا العلم فيما بعد، وثمة تفسيرات كثيرة عن ظهور  السلوك الإجرامي للفرد  أو السلوك الاجرامي الجماعي، منها ما يعود لبدايات القرن التاسع عشر والتي كانت تركز على السمات الجسدية والنفسية للمجرم، باعتبار أن للمجرم سمات جسدية أو نفسية معينة تضغط عليه وتدفعه دفعًا لممارسة السلوكيات الإجرامية بالمجتمع.

الجدير بالذكر أن كافة المجتمعات البشرية لديها تشريعات وقوانين تحدد للناس ما يجب القيام به من تصرفات، المعايير هنا تعتبر قواعد وإجراءات لما يجب عليه أن تكون عليه تصرفات الفرد بالمجتمع وقد تتخذ غالبية هذه المعايير شكلا غير رسمي، لكنها مُلزمة من الناحية الأخلاقية للناس ويطلق عليها في أوقات كثيرة مسمى العرف ، بينما القانون أو التشريع يأتي تعبيرا عن المعايير الرسمية التي تُفرض على الناس ويصحبها دائما عقوبة أو جزاء حال مخالفة الفرد لأي من نصوصها، وتصدر التشريعات والقوانين طبقًا لإجراءات خاصة تتعلق بطبيعة ونوعية النظام السياسي بالدولة.

ومع التطورات التي جرت على علم النفس والسلوكية وغيرها من العلوم الاجتماعية، تطورت النظرة للسلوك الإجرامي، وظهرت تحليلات وتفسيرات كثيرة ترى أن السلوك المنحرف هو نتاج طبيعي لضغوط ومشكلات مجتمعية وحياتية يتعرض لها الفرد في نشأته، وأنه تمثل دافعًا للجريمة مستقبلًا، ولذا يعزو هذا الرأي الجريمة للمجتمع أو للمثيرات المجتمعية من فقر أو بطالة أو عنف مبكر تعرض له الفرد، فالطفل الذي يتعرض لعنف أو لأذى جسدي أو نفسي مبكر، ينعكس ذلك على عقله الباطن.

ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية 2002  عن «العنف الجسدي» التقليدي،بأنه .كمّ الأضرار والأذى الذي يلحق بجسد الطفل أو الفرد المستضعف بالأسرة جراء احتكاكه أو تعرضّه لأحد البالغين بها من الأبوين أو غير ذلك من المقيمين بالأسرة ومع هذا تميّز السياسات والتشريعات بين العنف الأسري الجسدي الذي يتعرض له الطفل أو المرأة بالأسرة وبين مثيله في الشارع أو المجتمع، إذ في الحالة الأخيرة نجد أن السياسات والتشريعات تضع أو تصّنف هذه العنف ضمن الانتهاكات التي تلحق الفرد تُخضع مرتكبها لنصوص قوانين العقوبات المختلفة.

على سبيل المثال تتباين مستويات العنف الموجه للطفل في سنوات عمره الأولى على النحو التالي:

1- الضرر والأذى الجسدي والمادي والعاطفي والنفسي بل الجنسي الواقع على الضحية.

2- عنف أو إرهاب أبوي «بطريركي» وهو نوع من العنف المنهجي المنظمّ يرتبط بمدى خضوع التابع أو الضحية اقتصاديًا وماديًا للمعتدي.

3- اضطهاد أو استبعاد أو تهميش أو تجريح أو تحقير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد