إن العلم الحق لم يكن أبدًا مناقضًا للدين، بل إنه دال عليه، مؤكد لمعناه، وإنما نصف العلم هو الذي يوقع العقل في الشبهة والشك، وبخاصة إذا كان ذلك العقل مزهوًا بنفسه، معتدًّا بعقلانيته، وبخاصة إذا دارت المعركة في عصر يتصور فيه العقل أنه كل شيء، وإذا حاصرت الإنسان شواهد حضارية مادية صارخة تزأر فيها الطائرات، وسفن الفضاء، والأقمار الصناعية، هاتفة كل لحظة: «أنا المادة، أنا كل شيء»، وقد قال فرانسيس بيكون يومًا: «إن القليل من العلم يجعلك ملحدًا، لكن التعمق في العلم يقربك من الإله العظيم».

بل إن أكثر الأشخاص توهمًا في الكون من يظن أن العلم والدين متواجهان متناقضان فيقول: «يصبح هذا عالمًا ملحدًا، ويمسي هذا جاهلًا مسلمًا»، ولو أن صاحب القول تعمق في الإسلام قليلًا لعلم الله حق علمه، ‏فالأمر بالنظر «التفكير» في القرآن قدر بـ39 مرة، وأما مادة «التدبير» فذكرت في تسعة مواضع أخرى، ومادة «البصر» وردت في 148 آية، أما مواد «العلم والعقل والتفكير واشتقاقاتهما» فقد تكررت 921 مرة في كتاب الله، ثم يأتي لك أحدهم ويقول: «الإسلام ضد العلم ولا يحث على التفكير».

فهل حقًّا تقدم الإنسان بالعلم وتأخرت البشرية بالدين؟ إن كان هكذا فنرجع إلى أصول الدين ونرى.

1- الانفجار العظيم

قدّم الكاهن الكاثوليكي والعالم البلجيكي جورج لومتر الفرضية التي أصبحت لاحقًا نظرية الانفجار العظيم عام 1927؛ أي منذ 91 سنة.

بينما قد ذكرت تلك النظرية في القرآن منذ 1400 سنة في قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ».

2- كروية الأرض

جرى إنجاز وصف عملي للأرض عن طريق فرديناند ماجلان، ورحلات الطواف التي قام بها خوان سيباستيان إكلانو 1519−1521؛ أي منذ قرابة 500 عام.

بينما قد ذكر في القرآن منذ 1400 سنة في قوله تعالى: «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا»، ومعنى دحاها فاللغة أي جعلها غير مستوية وغير دائرية؛ أي ما تشبه البيضة، وهذا ما ذهب إليه العلم، أنها «مفلطحة القطبين».

3- الشمس والقمر

كانت دراسة القمر في البداية محدودة جدًّا؛ بسبب الآلات البدائية، لكن في عام 1609 تغير الحال تمامًا، عند اختراع العالم الفلكي غاليليو غاليلي أول تلسكوب في تاريخ البشرية؛ أي منذ قرابة 409 سنة. بينما قد ذكر في القرآن منذ 1400 سنة في قوله تعالى: «تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا».

«وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا» فيه النور والحرارة وهو الشمس. «وَقَمَرًا مُنِيرًا» فيه النور لا الحرارة، وهذا من أدلة عظمته. «تفسير السعدي».

4- دوران الأرض حول الشمس

نيكولاس كوبرنيكوس هو أول من أنشأ نظرية رياضية للنظام الشمسي، بينما طور خلفاؤه في القرن السابع عشر من بعده من أمثال جاليليو جاليلي، ويوهانس كيبلر، وإسحاق نيوتن فهمًا حديثًا للفيزياء أدى إلى قبول تدريجي لفكرة أن الأرض تدور حول الشمس، وأن الكواكب تحكمها القوانين الفيزيائية نفسها التي تحكم كوكب الأرض؛ أي منذ قرابة 400 سنة.

بينما قد ذكرت تلك النظرية في القرآن منذ 1400 سنة في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»، «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» أي: يدورون.

قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، وكذا قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر، لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن. «تفسير ابن كثير».

5- ظهور الماء

ظهر في سنة 2011 تقرير عن اكتشاف سحابة هائلة من بخار الماء في الكون، وبكميات تفوق الكمية الموجودة على الأرض بـ140 تريليون مرة، في محيط نجم زائف يبعد حوالي 12 مليار سنة ضوئية عن الأرض، وقد استنتج من ذلك أنّ الماء موجود في الكون منذ بدايته؛ أي منذ قرابة سبع سنوات.

القرآن تحدث عن الدورة المائية في عدة مواضع، «الحجر 22، المؤمنون 18، النور 40، الأعراف 57»، نذكر منها قول الله تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ».

وقول الله تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».

6- علم الأحياء والنباتات

كما أن الله تعالى بين في قرآنه كيفية تكوين النباتات وطبيعة خلقها، وكيفية تكوين الإنسان من مرحلة العدم إلى الوجود في مواضع كثيرة «النور 45، الفرقان 54، النجم 45- 46، القيامة 37-38-39». منها قول الله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى»، وقول الله تعالى: «خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ».

إن 90% من الأبحاث العلمية الموجودة في القرآن طابقتها الأبحاث العلمية المكتشفة حديثًا، بينما 10% الأخرى لم تكتشف بعد، ونحن نصدق النسبة المتممة (10%) بصدق النسبة الأولية (90%) إذ إن صدق المقدم يؤدي إلى صدق التابع، ما لم يظهر عكس ذلك.

فلماذا دائمًا نوقع الدين موقع المواجه، ونوقع العلم الموقع ذاته؟ ولو أن صاحب العلم أدار بحثه حول كتاب الله في الإسلام لوجد بحثه، ولتوصل إلى حقيقة وجود خالق لهذا الكون ومدبر لشأنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد