تناقلت وسائل الإعلام خبر زراعة رأس بشري على جثة، وتناولت موضوع العملية التي أجراها سرجيو كانافيرو بإسهاب، لتعيد من جديد الجدل بين أنصار الدين وأدعياء العقل، وهو صراع قديم يحتاج وقفة عند جذوره ومراحل تطوره، وخروجه عن سياقه وتوظيفه لغايات ومآرب أخرى، وإن كانت العصور الوسطى شهدت الإكليروس الديني، فالعصر الحديث كان عنوانه العقل منبع المعرفة، وصرنا نقرأ ونسمع ثنائية العلم والدين أو العلم والإيمان، ويبقى أشدها تعنتًا العقل والدين؛ لأن هذه التسمية توحي إلى أن المتدين بلا عقل، وتموه بأن جملة المعارف والعلوم والكشوفات رديف انتفاء الدين أو الجانب الروحي، إلى أي حد تصح تلك الثنائية والصراع بينهما، أم أن الصراع في تفسير ماهية العقل نفسه، فالعقل في التصور المادي ليس هو نفسه العقل في الاعتقاد الديني.

صحيح أن أوروبا عرفت سلطة الإكليروس، أي أن المعرفة البشرية رهينة المعرفة الدينية والعلوم مقصورة على فئة رجال الدين، وهذا الفهم الخاطئ كان في تعامل المتدينين ذاتهم وليس الدين، وقد وصفهم القرآن بالغلو: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، وفي هذا الشأن قال جمال الأفغاني: حينما تخلى المسيحيون عن دينهم تقدموا، وحينما تخلى المسلمون عن الاسلام تأخروا، وربما تصح مقولته لحد بعيد، فليس كل ما يصح عليهم يصح علينا، وليس كل ما يوافق عيشهم لزامًا علينا تقبله، علم كل أناس مشربهم.

اتخذ بعضهم تلك الحجة التاريخية، وجعلوا الدين وراء ظهورهم، وتذرعوا بالتمفصل الذي شهده العقل، ليتخلصوا من التكاليف والنواميس العليا، والحساب والعقاب، حتى صار أكثر الناس جهلاً ينسب نفسه للعلمانيين، هربًا من التكاليف؛ لأن الإنسان العارف يزداد قربًا إلى الله وتدينًا وليس إنكارًا: إنما يخشى الله من عباده العلماء.

لا أحد ينكر منجزات العلم وكشوفاته، إلا أن زمرة ممن تضع نفسها موضع العالمة والعارفة، حادت عن رسالتها، وانخرطت في أنظمة وإيديولوجيات، وصارت تقدم بدل الحقائق العلمية أباطيل وخرافات.

نظام فاسد مثل العلمانية يستمد وجوده من نظرية داروين، لهذا نجد أكثر المنافحين عن العلمانية في الوقت نفسه مؤمنين بنظرية التطور رغم فسادها وضعف حججها، إنما الذي يقويها أنصارها، فليس غريبًا أن أكثر الناس إيمانًا بعملية زرع الرأس مؤمنون بالعلمانية نظام حياة.

حينما يرفض المسلم أو المؤمن تصديق تجربة علمية ليس قمعًا للعلم كما يدعي أدعياؤه، إنما فطرته السليمة أفضت به إلى ذلك الموقف: البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وقصارى الإنسان إذا أشكل عليه أمر والتبس أن يعرضه على فطرته.

لا شك أن الطبيب الذي أجرى زراعة رأس، مثل بقية الماديين الذين يتصورون العقل في الدماغ، ويتخيلون الروح جملة من الخلايا البيوكيميائية، ولا شك أنها ستعرف الإخفاق، أولاً لأن تصورهم عن العقل تصور خاطئ واختزاله في الفكر المحض، بينما التصور الصحيح هو الذي نجده في القرآن، فالعقل كامن في النفس، مرتبط بالدماغ، لهذا لا نجد لفظ دماغ في القرآن إنما قلب، هذا من حيث المكان، ومن حيث وعينا فمجموعة سلوكياتنا وإدراكنا ليس موقوفًا على العقل المحض فقط إنما للعاطفة دور فيها.

«وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً»

هناك قوة وجوهر خفي لا تحقق حياة المخلوقات إلا بوجوده، وكل ما ذكره القرآن عن التعريف بها أنها من أمر الله، عصية عن البشر، كانت تلك الآية جواب الرسول صلى الله عليه وسلم حينما جاءه اليهود يسألونه عن ثلاثة أشياء إن أجاب عنهم فهو نبي، وكان من بينها سؤالهم عن الروح، وقد وردت قصة الكهف وذي القرنين في السورة نفسها، فيما جاءت آية الروح في سورة الإسراء، ربما لأن هذه السورة ذكرت إسراء الرسول – صلى الله عليه وسلم- فجاءت في السياق العلوي نفسه، المستعصي عن البشر.

كثيرة هي المحاولات التي لاقت فشلاً ذريعًا واصطدمت بحقائق عصية على الفهم، وقصورها في محاكاتها الخالق، وقلما انبرت مثل هذه التجارب متحدية قدرة الصانع، ولم ترجع خاسئة البصر وخالية الوفاض، فلا تعدو زراعة الرأس كغيرها من التجارب تنفيسًا عن عجز، وهذا الذي يوهمون الناس ويتوهمون.

لا تخرج عملية كانافيرو عن ذاك السجال الذي أراده الإنسان لنفسه، فوضع نفسه موضع الإله، الذي يريد أن ينقاد إليه الوجود، فلا أقدار ولا نواميس خاضع لها، ومثلها مثل الاستنساخ والداروينية، ثلاثة تتبع منهجًا واحدًا، الإنسان خارج قدرة الخالق، كان من بين أهداف الاستنساخ، إيجاد فئات بشرية يتم تجنيدهم واستعبادهم والتحكم فيهم.

لا يختلف كانافيرو عن النمرود ملك بابل، الذي ركب رأسه وأنكر قدرة الله، وفرعون الذي ناظره موسى عليه السلام، فقدم لنا القرآن مناظرتين لملكين مع أنبيائهما، الأول كان ملكًا لبابل وحاجّ ابراهيم – عليه السلام- والثاني كان ملكًا لمصر، لم يمنعهما وجود نبيين من أولي العزم من الجحود والإنكار، وهذه إشارة لطيفة أن المُلك إذا اجتمع عند شخص نسي خلقه وتأله، وهذا ما نجده اليوم لدى الرؤساء الذين يرتكبون مجازر في حق شعوب ضعيفة.

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) »

مرت مناظرة إبراهيم – عليه السلام- مع ملك بابل بطورين:

طور البرهان اللامحسوس: وذكر فيه ثنائية الحياة والموت؛ لأنهما تشعران بعظمة الخالق، الذي يملك نواصي المخلوقات بيده.

طور البرهان الحسي: حينما أدرك إبراهيم – عليه السلام- مكابرة النمرود انتقل إلى ما لا يمكن انتحاله، وقدم نموذجًا مثاليًا ومنهجًا قويمًا في التناظر مع خصمه بلا تعصب، وكان إبراهيم – عليه السلام- مناظرًا في ثلاثة مواضع من القرآن «مع أبيه، ومع قومه، ومع الملك»، وفي مناظرته مع ملك بابل قدم منهجًا علميًا وقارع خصمه بحجته، وهذا ما فعله منظرو التصميم الذكي في دحضهم أباطيل داروين بأطروحات علمية.

المناظرة الثانية كانت بين موسى – عليه السلام- وفرعون، ومرت بالأطوار نفسها التي مرت بها مناظرة إبراهيم – عليه السلام- مع النمرود، فحينما قال موسى – عليه السلام-: ربي الذي أعطى خلقه ثم هدى، لم يكن جواب فرعون أقل تعنتًا من جواب النمرود فتساءل مكابرة: فما بال القرون الأولى. أراد فرعون أن يخرج بالحوار عن سياقه، وهذه عادة المكابرين حينما تضعف حجتهم، فتوخى موسى – عليه السلام- البرهان الحسي والدليل المرئي لعله يتحول عن غيه.

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انسان, ايمان, علم
عرض التعليقات
تحميل المزيد