ابتداء من نظريّة التطوّر ومرورًا بحقائق علميّة فيزيائية مر على إثباتها قرون عديدة انتهاءً إلى حقائق حديثة كالنسبية وميكانيكا الكم، نلاحظ أن رفْض غالبية المتدينين لحقائق لا اختلاف عليها في المجتمع العلمي يجعلهم يسبحون ضد تيار التقدم العلمي الجارف والمتسارع بطريقة لا نهائية. لا يسع أحد له نظرة عامة على تاريخ الحضارة الإنسانية أن ينكر الصراع التاريخي بين العلم والدين، ذلك الصراع الذي جعل البعض ينفر من الدين مع اقترابه من العلم، وجعل البعض الآخر ينفر من العلم لاقترابه من الدين، وجعل ثلة ثالثة تحاول التوفيق بين الاثنين لإثبات أن الصراع بين الاثنين ليس ضرورة حتميّة.

إن الصراع بين العلم والدّين قديم قدم العلم والدين ذاتهما. من أهمّ أمثلته يمكن أن نذكر محنة غاليلي ومحاكمته من قبل الكنيسة بسبب تمسّكه بالحقائق العلميّة التي توصّل إليها في الفيزياء. حاربت الكنيسة بكل شراسة تمرّد فيزياء غاليلي على الدوغمائيات الدينيّة الكنسيّة خاصة منها إثبات غاليلي لنظريّة كوبرنيكوس القائمة على أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس وبالتالي فإن الأرض مجرّد نقطة في بحر الكون وليس مركزه كما كان الاعتقاد سائدًا آنذاك. خطوة غاليلي الثوريّة بتقديم العقل، والتجربة، والفيزياء القائمة على الرياضيات، كانت خطوة هامة في تاريخ العلم وصراعه مع الكنيسة التي سيطرت على الحياة الفكريّة وجمّدتها قرونًا عدّة. ضحّى غاليلي بنفسه فكريًا ليصبح شهيد العلم الذي فتح لمن بعده الباب للبحث العلمي والاكتشافات العلميّة الكبرى، فواصل بعد جيل واحد نيوتن في هذا الدرب ووضع قوانين الميكانيكا الكلاسيكية الشهيرة التي ما زلنا نستعملها ليومنا هذا.

لم تترك الفيزياء وعلوم الكون والفلك وحيدة في جهادها ضد الكنيسة والمسلمات الدينيّة في سبيل إعلاء كلمة العقل والعلم، بل انضمت إليها البيولوجيا وعلوم الأحياء فجاءت فكرة داروين العبقريّة في القرن التاسع عشر، لتنزل الكائن البشري من منزلته المقدّسة كائنًا ساميًا وأعلى لتصنّفه ضمن الرئيسيات ثم الثدييات ثم الحيوانات. لا يجب كذلك الرجّة التي أحدثها فرويد واضع منهج التحليل النفسي، فرويد ذلك الطبيب الذي جمع بين الفلسفة والعلم التجريبي ليختزل الدين في كونه نوعًا من الهذيان الجماعي ونوعًا من الأمراض النفسيّة.

لا شك أن أية نظرية علميّة ثوريّة تواجه في بداياتها صعوبات وعوائق، ذلك أنها ربما تكون حطّمت معتقدات سائدة كان المجتمع يؤمن بها ويقدّسها، لكن رغم ذلك يشهد تاريخ الحضارة الإنسانيّة أن الغلبة في نهاية الأمر كانت للحقيقة العلميّة ضدّ أيّة خرافات وأساطير وذلك مهما طال الأمد. نبتت الحقيقة العلميّة في البداية من بذرة بحث علمي أو فكرة عبقريّة تكون في بدايتها ضعيفة لأنها تنبت في أرض عدائية شائكة مليئة بالأعداء المتربصين من مفترسين وأنعام تكاد تأكلها لكن عودها يشتدّ لتصبح في النهاية شجرة قويّة شامخة لا تقوى على اجتثاثها حتى الرياح والأعاصير. هكذا كان حال جميع الحقائق العلميّة منذ العصور القديمة كنظريّة فيتاغوراس للمثلثات مرورًا بغاليلي في بداية عصر النهضة وانتهاء بالنسبيّة لأينشتاين في العصر الحديث.

في عصرنا الحديث، رغم التقدم والريادة التي حققها العلم في حياتنا، لا تزال المعتقدات والأديان مسيطرة على عقول العامّة من غير المتضلّعين في العلوم، إذ قد استعصى عليهم الإيمان بمعتقداتهم والتسليم بصحّة حقائق علميّة مسلّم بها في المجتمع العلمي بأسره. من عجائب الأمور أنّ هناك من لا يزال يعتقد مثلًا أن الأرض مسطّحة وغير كرويّة، ويعتقد أنها مركز الكون، وينكر نظريّة التطوّر بحذافيرها، ناهيك عن الانفجار العظيم وتوسّع الكون والثقوب والسوداء وغيرها من حقائق ونظريات لا يحيطون بها علمًا ولا يفهمونها لكنهم ينكرونها فقط لأسباب دينيّة أو لقناعات مرتبطة بعاداتهم وتقاليدهم.

رأينا إذًا أن هناك صراعًا تاريخيًا بين المعتقدات والمقدسات والأديان من جهة والعلم والعقل من جهة أخرى. لكن هل هذا التنافر والتناقض حتمي؟

هناك شواهد تاريخية أن العلم قد يتعايش سلميًا مع الدّين ورأينا هذا في العصر الذهبي للحضارة العربيّة الإسلاميّة. منذ مبادرة أبي جعفر المنصور بإعطاء من يترجم كتابًا وزن الكتاب ذهبًا انتعشت حركة الترجمة وأنقذ العرب والمسلمون تحت رعاية الخلافة الإسلامية عديد العلوم والفلسفات الإغريقية والهندية من الضياع، بل قاموا بإثرائها وقدّموا للحضارة الإنسانية اكتشافات علميّة ونظريات في الرياضيات والفيزياء والطب والفلسفة لا يمكن لأحد أن ينكر دورها في تقدّم العلوم وفضلها على علماء عصر النهضة الأوروبية فيما بعد. لم يكن العلماء العرب والمسلمون ملحدين بالضرورة فكلهم بدؤوا حياتهم الفكرية بحفظ القرآن وهناك من حافظ على الصلوات حتى وفاته. لا شكّ أنّ الأصوليين قاموا بتكفير أغلب هؤلاء الفلاسفة والعلماء لكنهم يبقون نموذجًا على المحاولات للتوفيق بين العلوم والدين، سواء نجحوا في ذلك أم لم ينجحوا.

من نماذج محاولات التوفيق بين العلم والدين موقف الكنيسة والبابا فرانسوا الذي أكّد أنّ مبدأ الانفجار العظيم Big Bang كبداية أو أصل للكون لا يتعارض مع وجود خالق للكون، كما أكد أنّ مبدأ التطوّر في الطبيعة لا يتعارض مع مبدأ الخلق لأنّ التطوّر يتطلّب خلق أشياء قابلة للتطوّر.

إنه من أسباب تخلف أمتنا العربية خصوصًا والإسلامية عمومًا رفض المسلمين لنور العلم وسباحته ضدّ تياره اعتقادًا منهم بأنه يتعارض مع الدّين والمقدّسات. إنه من المثير للعجب أن نجد دعاة وشيوخًا ينكرون أبجديات كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس ونحن في القرن السادس بعد غاليلي وكوبرنيك، وإنّ الأدهى من ذلك أنّ البسطاء من العامّة يتابعونهم ويصدّقونهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد