يونس محتيج

للأسف هذا الخلط بين الذين والعلم مازال موجودًا في قرننا هذا القرن 21.

ديكسون وايت يحكي في أحد كتبه أن الكنيسة والمسيحيين كانوا يؤمنون بأن الصواعق والرعد هما غضب إلهي، لكن المخترع فرانكلين كان ينفي هذا ويقول إن الصواعق ظاهرة طبيعية، مخترعًا بذلك عمودًا يتواجد فوق المنازل لامتصاص الصواعق لكي لا تريب البيوت، لكن الكنيسة منعت هذا الأخير باتهامه بالزندقة وأنه يريد أن يخالف قدرة الله، لكن مع مرور الوقت رجعت الصواعق وهدمت عددًا كبيرًا من المنازل والأكواخ، فلذلك قررت الكنيسة أن تغطي على فضيحتها وتؤمن بأن الصواعق ضاهرة طبيعية.

كل هذا مارسته الكنيسة في القرون الوسطى، للأسف نحن اليوم ما زلنا نمارسه، فهل فعلًا نحن في غنى عن العلم الأجنبي ونعتمد فقط على كتبنا السماوية؟ وهل توجد علاقة بين الدين والعلم؟

لن نذهب بعيدًا ونضرب بمثال زمن الطاعون حينما كان يقول الفيلسوف والطبيب ابن الخطيب لا تذهبوا عند المريض ستصابون أنتم أيضًا بالطاعون، فهو خطير وسيتسبب في قتل جلكم، لكن رجال الذين والفقهاء كانوا يزعمون ويقولون لا توجد أي عدوى، فالمرض سلطه الله علينا مستدلين بحديث غير مفهوم في كتاب صحيح البخاري «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة…» فكانوا يحرضون الناس على الذهاب عند المريض وممارسة التقاليد، للأسف هذه الخرافة بقيت مستمرة إلى أن تسبب هذا الأخير بقتل آلاف الأرواح وضياع قطاع الفلاحة وموت الحيوانات بسبب الجفاف.

دعنا هنا نتأمل واحدًا من الكتب الشهيرة في القرن السابع عشر، إنه كتاب «النظرية المقدسة للكرة الأرضية» للقس توماس بيرنت، والذي يقسمه لأربعة أجزاء؛ يتحدث الأول عن طوفان نوح ثم الفردوس واحتراق العالم والسماوات والأرض الجديدة بعد احتراق العالم. وقد كان الكتاب أكثر الكتب مبيعًا في حينه، وظل إلى الآن يستخدم في الكثير من الأعمال التي تناقش قضايا الدين والعلم. اعتمد «بيرنيت» في كتابه على فكرتين، أولاهما: أن الإنجيل جاء برواية حرفية حقيقية عن تاريخ الأرض، وثانيهما: أنه لا يمكن الاعتماد على رواية متعلقة بتاريخ الأرض إلا إذا خضعت كل أحداثها وجزئياتها لقوانين الطبيعة الثابتة؛ فالله -من تلك الوجهة- لا يمكن أن يسمح بوجود تناقض بين كلماته (النصوص المقدسة) وأفعاله (العالم الطبيعي)، بالتالي كانت مهمة بيرنت هي أن يبتكر آليات طبيعية لمعجزات الكتاب المقدس، وقد فشل.

مثلًا، تصور بيرنت أن الأرض كانت ملساء ذات طبقة صخرية رقيقة، إلا أنها تشققت أثناء الطوفان، وخرجت المياه لتغمر الكوكب، ثم يقول إنه «إذا أمكن للإنسان أن يغرق في قطرات لعابه، فمن الممكن أن يغرق العالم في مياهه»، بالطبع يتم التعامل مع الكتاب بكل ما فيه من ادعاءات غير علمية على أنه نزوة شاذة للعلم الكاذب، لكن على الرغم من ذلك يشير بيرنت إلى نقطة هامة، وهي قوله أن الإله خلق هذا العالم ثم تركه يعمل بقوانين كساعة تعمل بتروس، وبالتالي -من وجهة نظره- كان لا بد من تفسير تلك الحالات الغريبة -المعجزات- في مرحلة ما على أنها ردود فعل طبيعية وليست معجزات.

كان إسحاق نيوتن، صديق بيرنت، قد أثنى على الكتاب، لكنه أرسل إلى بيرنت مشيرًا في عدة نقاط إلى ضرورة حدوث تدخل إلهي في بعض النقاط -معجزة- لتفسير بعض الاشكالات في حكايته، لكن بيرنت أصر على فكرته. في الحقيقة يدعو ذلك للتأمل قليلا هنا، لأن القول بالتدخل المباشر للخروج عن قوانين الطبيعة يشير إلى أنه يمكن لنا في أي حالة أن نبرر ذلك التدخل، ويسمح ذلك بعملية خلط بين نطاقي الدين والعلم، لذلك يفترض جولد أن بيرنت رغم خطئه في الكتاب، إلا أنه كان ذا منهجية أفضل في تلك النقطة من نيوتن.

مشكلة مشابهة واجهت الشباب العربي حينما أشار د. زغلول النجار في أحد اللقاءات -دون دليل- أن أحدهم قال له بأنه شاهد عالمًا من ناسا في التليفزيون، يقول إنهم قد رصدوا انشقاق القمر، هنا انقلبت الدنيا في الوطن العربي للحديث عن مؤامرة من ناسا -أشهر جملة في العالم العربي ربما بهذا الصدد- لإخفاء حقائق علمية ظهرت من خلال معجزات، في جانب آخر قال البعض أن الأمر لا علاقة له بالعلم، لكن الذي أحدث الشق قادر على رتقه بلا أي أثر، لكن فكرة تمايز النطاقات الخاصة بجولد هنا لا تقبل أيضًا ذلك التفسير بتلك الدرجة من الوضوح.

المشكلة الرئيسية وقعت إذن حينما حاول البعض من رجال الدين الزج بالكيان الديني إلى عالم العلم، بتصور أن الدين يتحدث في الأساس بحقائق علمية، الحل هنا كما يرى جولد له علاقة بلغة العلم الذي هو نطاق دقيق، يستخدم لغة دقيقة، تحتمل قدرًا قليلًا للغاية من التأويل حول حقائقها، وفي المقابل يظهر الدين بلغة قابلة للتأويل في أكثر من صورة، وبذلك لا يمكن لأي منهما أن يرى/يقرأ/يفسر الآخر، فنشأة الكون في ستة أيام ربما لا تعني ستة أيام حقيقية، ولا تعني أن الأرض وقتها كانت تدور ببطء شديد كما اقترح نيوتن على بيرنت، بل تعني أنه يمكن تأويل ذلك في سياق آخر لا يتحدث عن حقائق علمية، داخل نطاق مختلف، لكن الأمر بالنسبة لجولد، أعقد قليلًا من ذلك.

وبهذا أكون نقلت لكم ألفاظي بما تدركونه أنتم بأفكاركم، إذن نحن أيضًا إذا استمررنا في هذه التبعية العمياء لرجال الدين، فمن المحتمل أن يكون مصيرنا مثل مصيرهم (الطاعون).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين, كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد