كتب «بروس ادواردز» – وهو من فريق العمل في أحد أشهر المجلات العالمية[1] التابعة لصندوق النقد الدولي- قلت كتب مقالا في المجلة بعنوان «شرلوك هولمز التجارة»، وهي تقديم للدكتور ديفيد دونالدسون الذي يعتبر من مختصي التجارة الدولية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). وبالرغم من أن المقال جذاب ويعبر عن الطموح الأمريكي والحرية الفكرية والأكاديمية التي يتمتع بها الاقتصاديون الشباب في الولايات المتحدة، إضافة إلى العمل المضني المتواصل الذي يمتازون به من أجل الوصول إلى أهدافهم في المنافسة الأكاديمية الشريفة. الا أن السيد إدواردز قد بالغ كثيرًا في الإطراء والثناء على اللجنة التي منحت وسام جون بيتس كلارك – والتي تعرف بجائزة نوبل الصغرى- والتي تمنح عادة تقديرًا لمساهمات الاقتصاديين الأقل من 40 سنة. وقد تم منح الوسام للباحث دونالدسون سنة 2017، تقديرًا لأعماله حول منافع التجارة وتحريرها. رغم أن مسيرته المهنية امتدت فقط لــ10 سنوات[2].

قد يبدو الأمر عاديًا في البداية، فباحث شاب اقتصادي من أرقى المعاهد الأمريكية يحصل على وسام الباحث المتميز في الاقتصاد، تقديرًا له على أعماله الخاصة بتحرير التجارة. لكن المفارقة أن هذا الباحث كانت أغلب أبحاثه التي حصل بموجبها على الشهرة والحضوة والوسام، تمحورت حول المنافع الاقتصادية والرخاء الاقتصادي الذي قدمته خطوط السكة الحديدية الاستعمارية لسكان الهند خلال فترة احتلالها من طرف البريطانيين على حد زعمه.

لذلك يمكننا أن نبين بعض المغالطات التي وقع ويقع فيها الكثير من الناس الذين يصفقون وينبهرون ببعض الجوائز والأوسمة العلمية، رغم أننا لا ننفي أن أكثرها يرتكز على أسس ومقاصد علمية بحتة نثمن نتائجها.

أولًا: انطلق دونالدسون في دراسته التي دامت سنتين من فرضية أن نظام السكك الحديدية البريطاني الاستعماري قد ساهم في زيادة الدخول الحقيقية لمواطني الهند من خلال تقليل تكلفة التجارة[3]. رغم أن الحقيقة هي أن تلك الخطوط الحديدية بنيت في أغلبها لأغراض عسكرية (التوسع العسكري، نقل الإمدادات والجنود). إضافة إلى استغلال الخيرات الاقتصادية التي تزخر بها أراضي الهند الشاسعة. وأنها من المفروض قد ساهمت في إثراء وزيادة رغد العيش لدى المستعمرين وأعوانهم وليس لمواطني الهند الذين بقوا فقراء مشردين في بلادهم.

ثانيا: اعتمد دونالدسون في جمعه للبيانات فقط على تقارير وسجلات ودفاتر الإدارة الاستعمارية البريطانية، وهي توضح بيانات حول تجارة الملح لحوالي 124 مقاطعة هندية يعود تاريخها إلى حوالي سنة 1861. وهذه التقارير محفوظة في مكتب الهند التابع للحكومة البريطانية، وكما نعلم فإن التقارير قد قدمت من طرف أعوان وموظفي الإدارة الاستعمارية، وقد تكون أيضًا لضباط ومخبرين وأعوان شركات الهند الغربية، التي كانت تستغل الهنود وأراضيهم أبشع استغلال. ولا أظن أن تلك التقارير والبيانات كانت تصب في صالح الهنود، بل في غالب الظن كانت موجهة بشكل أو بآخر لخدمة مصالح الطغمة الاستعمارية البغيضة. لذلك لا يجوز الاعتماد عليها وحدها، لأنها قد تفتقر إلى المصداقية العلمية التي من المفروض أن يتصف بها الباحث المحايد.

ثالثًا: حسب السيد ادواردز فان دراسة دونالدسون المعنونة بـــــ«Railroads of the Raj : Estimating the impact of transportation infrastructure» أثبتت أن المزايا المحققة من بناء السكك الحديدية في الهند قد تكون هي السبب وراء زيادة التجارة وازدهارها. ويستدل بذلك أن القروض التي وجهها البنك الدولي في عام 2007 على سبيل المثال، للبنية التحتية لقطاع النقل، تجاوز حجمها القروض الموجهة لقطاعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية مجتمعة. ولذلك اعتبرت لجنة التحكيم هذه الدراسة متميزة وتستحق أن تفوز بوسام جون بيتس كلارك… ونقول أن رغم صحة هذه الفرضية في عالم اليوم وفي دول لها سيادة واستقلال سياسي حقيقي، فإن تطبيق ذلك في حالة الهند المستعمرة مثلًا أو الدول المستعمرة سابقًا، فذلك هو الظلم بعينه. لأنها بالعكس قد حرمت الهنود من التحرك في أراضيهم بكل حرية. ومنعتهم من الاستغلال الاقتصادي الحر لأهم مورد اقتصادي لديهم وهو الملح.

فقد سعت السلطات الاستعمارية البريطانية إلى فرض ضريبة على الملح في أوائل القرن 19 من خلال بناء جدار ظالم من النباتات الشائكة قارب ارتفاعه 4 أمتار ووصل طوله حوالي 3700 كلم، وهو طول هائل جدًا وصل إلى وسط الهند. ويماثل في طوله المسافة الرابطة بين لندن وإسطنبول[4]. ورغبة في زيادة مداخيل الضرائب الاستعمارية الظالمة، حرم سياج الملح الظالم مئات الملايين من المواطنين أصحاب الأرض الأصليين من الوصول إلى الملح المتوافر على شواطئ البحر في بلدهم، حتى يدفعوا ضريبة ظالمة للسادة الإنجليز، الذين ينتهكون خيرات بلادهم دون هوادة، ويمنعونهم من استغلال خيرات بلادهم التي حباهم الله إياها.

فكان البريطانيون أيضًا يفرضون على الملانجيس وهم الهنود الفقراء الذين كانوا يعملون في مناجم ومقالع الملح، كان يفرضون عليهم التعويض عن كل كمية من الملح تهدر أثناء نقل أو تخزين الملح، رغم أن هاتين المهمتين لا تندرجان ضمن مهامهم[5].

رابعًا: يتأسف السيد إدواردز بأن سياج الملح الظالم فرض قيودًا مفرطة على حرية التجارة في رأي دونالدسون، وأنه كان ينبغي إلغاؤه منذ البداية، فهو يهمه في هذا الموضوع حرية التجارة أكثر من حرية مئات الملايين من القرويين الهنود البسطاء، الذين حرموا بسبب هذا الجدار الظالم من الوصول إلى الوجهة التي يبغونها في بلادهم، وهي أبسط الحقوق التي من الممكن أن يحصلوا عليها.

وللعلم فان التضييق الظالم الذي مارسته السلطة الاستعمارية البريطانية ضد مواطني الهند، خصوصا فيما يخص تجارة واستغلال الملح، الذي أعتبر أهم الموارد التي يقتات منها المواطنين الهنود. فان تلك الضرائب وجدار الملح الشهير قد ساهم بشكل مباشر في اندلاع ما أصبح يطلق عليه فيما بعد «ثورة الملح». فأصدرت بريطانيا قانونًا يخول لها احتكار صناعة وبيع الملح. وتضمَّن القانون عقوبة بالسجن ستة شهور في حق كل من يصنع ملحًا، حتى لو ذهب إلى البحر وجمع حجارة ملح.

لذلك دعا الزعيم الهندي غاندي في 12 مارس (آذار) عام 1930، الشعب الهندي إلى «مسيرة الملح»، والتي استغرقت 24 يومًا. وكانت تهدف أساسًا إلى تحدي احتكار الحكومة البريطانية استخراج الملح.
فقد اتفق الساسة والمناضلين الهنود على رفض دفع ضريبة الملح التي فرضها البريطانيون، والسير نحو مصنع الملح في داندي، تأكيدًا لرفض الهنود احتكار البريطانيين صناعة الملح في البلاد وحقهم في تصنيع الملح بأنفسهم، بل واستعادة السيطرة على كل الصناعات الوطنية التي تحتكرها بريطانيا[6].

لذلك يمكننا في الأخير القول أن النظرة الاستعلائية الاستعمارية ما زالت حاضرة في ذهن الكثير من الأوروبيين والأمريكيين على حد سواء، حتى في المنابر العلمية، التي من المفروض أن تنطلق من أسس موضوعية علمية بحتة. وهي رسالة الى الذين يجعلون كل ما يأتي من الغرب مقدسًا، حتى ولو كانت «إهانة علمية».. بنكهة استعمارية.

مدينة البيض في 25 ديسمبر
2018


[1] بروس ادواردز، شرلوك هولمز التجارة. مجلة التمويل والتنمية، عدد جوان ، صندوق النقد الدولي، واشنطن، 2018، ص. 36- 39

[2] بروس ادواردز، نفس المرجع، ص. 39

[3] نفس المرجع، ص. 37

[4] Moxham Roy, The Great Hedge of India: the living barrier that divided a nation, 2001 .

[5] مارك كورلانسكي‎, الملح: تاريخ عالمي، ترجمة تانيا ناجيا، دار الساقي‎ للطباعة والنشر، بيروت، 2005

[6] المصطفى مرادا ،ثورة الملح…الثورة الهندية ضد الاستعمار البريطاني. موقع مغرس الالكتروني، نشر يوم 01 – 08 – 2011 على الموقع:  Haut du formulaire

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء

المصادر

تحميل المزيد