المبدأ الكوبرنكي يؤسس لنظرة فكرية-عقائدية تتعلق بمركزية الإنسان في الوجود

ضمن مسيرتنا المعرفية للتفكير الناقد في التصور العلمي لأصل الوجود والحياة، وصلنا في رحلة الشك العلمي إلى مشروعية الشك بـ«المبدأ» الذي قام عليه التصور العلمي للوجود، كما عرضنا في المقال السابق، ونتابع في هذا المقال قراءة ذلك «المبدأ» الكوبرنكي، استكمالا لما جاء في المقال السابق، الذي وثّق شهادات مفكرين وعلماء غربيين، وقلنا فيه أن فيلم المبدأ (the principle) (1) يطرح السياق التاريخي لفكرة مركزية الأرض ودوران الأجرام السماوية حولها، ويبين كيف أن تلك الفكرة الأساسية كانت مقبولة عند البشر عمومًا إلى أن انقلب عليها أحد حرّاس المبدأ القديم حول مركزية الأرض، وهو كوبرنيكوس الذي تفتّق عن فكرة أن الأرض ليست مركز الوجود، بل الشمس، ليفرض هذا المبدأ الجديد.

وهي نظرة ذات بعد فلسفي ثقافي، له انعكاسات عقائدية وحضارية، وهو بُعدٌ يتعلّق بمركز الوجود ومركزية الإنسان ومن ثم يرتبط بما وراء هذا الوجود المادي! ولذلك كان «المبدأ» الجديد أبعد من مجرد طرح موضوعي محايد ثقافيًا، وأكثر من مجرد تصور علمي للأرض والسماء، ولم يحافظ العلماء فيه ومعه على الموضوعية العلمية.

إذ إن النظرة العميقة تكشف عن أن المبدأ يؤسس لنظرة فكرية-عقائدية شئنا أن أبينا، ويبيّن الفيلم بوضوح أن مؤدّى تلك النظرة العلمية حول المبدأ الكوبرنكي أنه لا يوجد للكون خالق، ولا قيمة لوجود البشرية: ومن هنا كان الموقف من المبدأ ليس مجرد تحقيق علمي، بل تحقق فكري، وانحياز حضاري.

ومركزية الشمس هي فكرة انبثقت في ذهن كوبرنيكوس بلا دلائل، وتفتقت عن نفسيته المسكونة بدوافع ثقافية، في تلك اللحظة التاريخية، ثم صارت محور التصور العلمي للوجود. وهكذا صار العالم، بمؤمنيه وملحديه، مأسوراً ضمن ما انبثق عن تلك اللحظة التاريخية، وإذا ما حاول احد أن يخرج من صندوقها المغلق بدا كأنه يهذي، وربما انهالت عليه التهم الفكرية والنفسية. مع أن بعض العلماء والمفكرين -كما جاء في الفيلم- يرى أنهم يقحمون تصورهم الوجودي في أطروحاتهم العلمية، ويصف الطرح العلمي لعلماء الكون بالمعتقد الديني!

لذلك فإن العاقل المنصف لا يمكن أن ينكر تشابك الأطروحات العلمية مع المعتقدات الدينية، إذ لم يعد ممكنا بحث النظريات الوجودية بشكل حيادي كما تفرض الطريقة العلمية، بل تتطلب البحث الفكري، ودراسة الانعكاس العقائدي، واتخاذ موقف ثقافي منها أبعد من الموقف العلمي.

ومن اللافت أن الفيلم يشرح خلفية تطور النظرات الوجودية في سياق الصراع مع الكنيسة وتناقضات مبدأ التثليث، وهو ما يذكّرني بخلفيات انبثاق العلمانية وثقافتها الغربية المتفرعة عنها ضمن خلفية ثقافية خاصة، لم تمر بها الأمة الإسلامية كما عرضت في كتابي «المجتمع المدني: آفاق أم تحديات؟».

وفي هذا السياق، يبيّن الفيلم أن الراصد الفلكي (الكنسي) «تسيخو براهي» جاء بعد كوبرنيكوس ورصد حركة الأجرام وجمع بيانات رائعة تفسّر مركزية الأرض، ولكنّ مساعده «كيبلر» أراد تطوير نظام كوبرنيكوس بما يناقض توجهات تسيخو، ثم مات تسيخو في ظروف غامضة، واستولى كيبلر على بياناته وسخّرها لخدمة فكرة مركزية الشمس.

ثم مهّد كيبلر الطريق لنيوتن، الذي تفتّق عن فكرة الفضاء (الفارغ) والجاذبية ودوران الأجسام حول مركز الكتلة بفعل الجاذبية، وأن الجرم الأصغر يدور حول الجرم الأكبر، وكلها تدور حول مركز الكتلة، إلى أن جاء العالم «ماخ» فقدّم مبدأ الحركة النسبية.

ويشرح فيلم «المبدأ» أنه مع نهاية القرن التاسع عشر كان الانتصار شبه محسوم للمبدأ الكوبرنيكي، ولكن بقيت حينها تفصيلة صغيرة، وهي أنه كان ثمة تصور شائع بأن الكون تملؤه مادة الأثير، إلى أن أجرى مايكلسون تجربته التي أراد منها إثبات حركة الأرض عبر قياس سرعة الإشعاعات في الأثير، ولكنّه بدل أن يثبت ذلك، أثبتت تجربته عكس الفرضية التي قامت عليها، وأدت إلى عدم حركة الأرض. ويذكر الفيلم أن العالم لورينز في ذلك الوقت قال: إن كل شيء يحدث وكأن الأرض ثابتة!

وبذلك كاد المبدأ الكوبرنكي أن ينهار حينها.

وأمام ذلك التناقض التجريبي، صار العلماء أمام تحدٍ جديد: إما أن ينكروا وجود مادة الأثير أو أن ينكروا حركة الأرض؟ فجاء أينشتاين ليطرح المخرج من تلك المعضلة، من خلال نظريته النسبية التي شكّلت قاعدة العلوم الحديثة مع أنها تتعامل مع ما هو فوق المحسوسات الطبيعية، وحذف فرضية وجود مادة الأثير (التي قادت إلى فكرة ثبات الأرض)، ثم استند إلى فرضية الفضاء الفارغ، واعتبر أن كل شيء يتحرك في الفراغ لا بد أن ينكمش ويتناقص مع الزمن وتتغير كتلته بنفس النسبة. ومن أجل الحفاظ على المبدأ الكوبرنيكي دمج الطول والزمن والكتلة للجسم المتحرك، ليثبت حركة الأرض في الفراغ.

وهكذا هيمنت نظرية أينشتاين على الوسط العلمي، أو أريد لها ذلك، ويتوجب هنا أن نستذكر ما قلنا في مقال سابق «هل النظرية المثبتة هي حقيقة علمية؟» من أنه لا بد للنظرية حتى تصل للقبول، أن تحظى بثقة في الأوساط العلمية (وهي أوساط ليست محايدة). ومن ثم لم يعد ممكنًا نشر ما يخالفها، كما يتحدث في الفيلم العالم الذي يقول إنه يعارض النظرية، قائلا: «أبحاثي لا تنشر».

وينقل الفيلم عن عالم آخر: «إن علم الكونيات في حالة تنظير مستمر وتوليد لا يتوقف للنظريات التي تحاول منع انهيار ما قبلها» لدعم المبدأ، إذ يقول «هناك بناء متصاعد ومتهاون من النظريات التي تحاول دعم من سبقها للحفاظ على ذلك الطرح الوجودي»، ولذلك افترضوا وجود الطاقة المظلمة الدافعة لفكرة توسع الكون، افترضوها لأن الطرح العلمي للوجود وهو الانفجار الكبير لا يستقيم بدونها. «وهذه الفرضيات اللامعقولة قد تعني أن الأسس التي انطلق منها التصور العلمي للوجود غير صحيحة»، كما يقول أحد المفكرين، ولكنهم يصرّون على «المبدأ».

ثم يدخل الفيلم في طرح العالم هابل حول وجود المجرات التي تبعد مئات السنين الضوئية، ومع أن ملاحظات هابل الأولية قادته للنظرة إلى مركزية الأرض في هذا الوجود، إلا أنه قال أن مبدأ ثبات الأرض لا يمكن قبوله بأي ثمن (بسبب ثقافي لا علمي!)، وهو ما يؤكد من جديد التشابك المعرفي الحتمي بين الأطروحات العلمية والنظرات العقائدية. ولذلك فعندما يقترب البرنامج من طرح مركزية الأرض، يقول أحد العلماء أن ذلك مرفوض في الأوساط العلمية (ضد المبدأ).

ثم يتابع الفيلم تطوّر النظريات من أجل غاية واحدة، وهي الحفاظ على هذا المشهد/المبدأ، ولذلك اضطر العلماء لوضع فرضيات مجهولة، مثل وجود مادة مظلمة تعمل كلاصق يحافظ على ترابط المجرات، وأنها تتكون من جسيمات أولية غير تلك التي في المادة التي نعاينها في الوجود الملموس لدينا.

ولذلك تجد المدافعين عن «المبدأ» ذاته، يعترفون بوجود أزمة في علم الكونيات، نعم أزمة علمية كبرى: «أزمة في عدم وجود تطابق بين الأطروحات وبين البيانات»، ويقول أحدهم: «في العادة، يمكن في العلوم تقبّل تباين بسيط، ومثلا إذا كان التباين في حدود الضعفين يكون فظيعًا، وغير مقبول علميًا، لكن التباعد بين الأطروحات والبيانات في علم الكونيات هائل، إذ هو في حدود عشرة مرفوعة للقوة مئة وعشرين، ويصفه بأنه أكبر تباعد بين النظرية والتجارب في تاريخ العلوم». وهو يؤكد ذلك رغم أنه من حراس «المبدأ»!

ومع نهاية الفيلم، وبعد ذلك كله، يتساءل أحد العلماء مستنكرًا: ما الذي اكتشفوه؟ (حتى الآن)، ليكون الجواب «لا شيء»، وهي ذروة الحبكة في الفيلم، وهي أزمة «اللاشيء»، ومعضلته التي يقول فيها: «إذا فهمت اللاشيء فهمت كل شيء».

وهي خاتمة مناسبة لهذا المقال ولهذه المحطة من رحلة الشك العلمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد