في سياق التمهيد لتمييز الحقائق عن الأباطيل العلمية، فيما يتعلق بالتساؤلات الجوهرية التي أثرناها عن تركيب الذرة وعن الكون وشكل الأرض، وأصل الحياة، بيّنا في مقال الطريق إلى المعرفة أن التفكير العلمي هو أسلوب متفرع عن التفكير العام، ولا يمكن أن يُهمن عليه، ثم بيّنا في مقال الرواية العلميةأن الناس يتلقون الأجوبة العلمية عن طريق الرواية النقلي، ورغم ذلك فإن كثيرًا منهم يتعاملون معها بنوع من التسليم المطلق.

وقد غاب عن كثير من العلماء والبسطاء على حد سواء ممارسة «التفكير الناقد» لاختبار تلك «الحقائق» العلمية المنقولة روايةً، في غفلة علمية غربية، نتيجة رضوخهم تحت سطوة للعلم، رغم أن فرز المعلومات العلمية أو تنخيلها لا يقل أهميةً عن العقائد، خصوصًا بعدما تشابك الجانبان المعرفيان، وذلك عندما فرض العلم تصوره للحياة وما قبلها، وللكون المتمدد في الزمان والمكان، بما يبدو كأنه على تناقض مع التصور الإيماني، لذلك أصبح حقيقًا على العاقل أن يُخضع تلك الإجابات العلمية للتفكير الناقد الذي يميّز الحقائق عن الأباطيل، وهذا ما نتناوله في هذا المقال ونبرز أهمية ممارسته في نقد ما تطرحه المؤسسات العلمية الضخمة.

من المعلوم أن التحليل والحُكْم على صحة المعارف والمجادلة حولها هي خصائص مهمة في عقلية الباحث العلمي والمفكر «أو الفيلسوف» على حد سواء، ولذلك فإن الباحث عن الحقائق ملزم بأن يمارس التفكير الناقد أسلوبًا أو مهارة من أساليب أو مهارات التفكير، من أجل اتخاذ قرار بشأن ما نصدّقه ونؤمن به من الحقائق.

وقد تضمن مقال الطريق إلى المعرفة، ممارسة تلقائية للتفكير الناقد، إذ اختبر مفهوم العلم، ونُقد الخلط بين العلم والمعرفة العامة، وبين العقل البشري العام والتفكير العلمي الخاص، ثم نقض اعتبار العلم أساس كل المعرفة المقبولة، ومن خلال تلك الممارسة يمكن تكوين فكرة عامة حول التفكير الناقد، وكيفية القيام به ومهاراته، ثم التطرق إلى أهميته في كشف الخزعبلات العلمية.

يمكن القول ببساطة إن التفكير الناقد هو فحص الأجوبة المعروضة للأسئلة المطروحة وتقويمها، إذ إن كلمة «نقد» تعني إخراج الزيف من الحقيقي وتمييزه، وبالتالي فإن التفكير الناقد يركّز على كشف الحقائق، والتحقق من الشيء وتقويمه. ويستهدف التفكير الناقد التحقق من الأفكار والفرضيات العلمية، من حيث كونها حقائق أو أباطيل، أو أنها صائبة دون الجزم بصحتها، ومن أجل تجنب الأخطاء الشائعة، وهو «تفكير تأمّلي معقول يركز على ما يعتقد به الفرد أو يقوم بأدائه»، مع عدم الرضوخ للتأثير العاطفي عند البحث عن الأسباب والحلول والمواقف منها.

وأمام الأسئلة التي نثيرها ضمن هذا المسار المعرفي حول أصل الكون والحياة والأرض، وعالم الفضاء، نتساءل: هل يمارس جلُّ العلماء وطلبة العلم ذلك التفكير الناقد عند اتخاذ موقف التصديق أو التكذيب بما تطرحه المؤسسات العلمية الضخمة، مثل وكالة الفضاء الأمريكية ناسا؟ أم يقومون بالتسليم العفوي تحت سطوة العلم وطغيانه المعرفي؟

يمكن الإجابة عن هذا التساؤل من خلال عرض كيفية التفكير الناقد «حسب (باير)» (1)، والتي تتلخص في التحليل الفكري للأطروحات، بناء على الدقة، والأدلة، والمصادر، ومناقشة قوتها وصحتها واستخراج المغالطات والخفايا الباطنة «الخاطئة» والتناقضات، وهي تترجم في 10 مهارات، يمكن التعرف عليها من خلال طرح الأسئلة الفرعية التالية على كل باحث عن الحقيقة:

1- هل تعمل على تمييز الحقائق المتعلقة بالأرض، وأصل الوجود والحياة من خلال إثباتها، أو التحقق من صحتها، عبر دلائل في متناول يديك؟ أم أنك تكتفي بتلقي تلك المعرفة باعتبارها مسلمات؟

2- هل تعمل على مناقشة مصادر المعلومات المتعلقة بالتصور العلمي للأرض، والوجود، والحياة، والتحقق من مصداقيتها؟

3- هل تعمل على التحقق من دقة نقل المعلومات المتعلقة بالتصور العلمي للأرض، والوجود، والحياة؟

4- هل تعمل على تمييز البيانات وصحتها، وتنخيل المعلومات، وبحث الدلائل والأسباب ذات الصلة بموضوع الأرض، والوجود، والحياة؟

5- هل تعمل على مناقشة الأدلة والبراهين التي تُثبت التصور العلمي للأرض، والوجود، والحياة، وفرز الأدلة الغامضة؟

6- هل تعمل على تحديد مدى قوة البراهين التي تثبت التصور العلمي للأرض، والوجود، والحياة، وتمييز ما يوصل لليقين منها مما يؤدي إلى رجحان موقف على آخر، دون الجزم بصحة الراجح على المرجوح؟

7- هل تعمل على استخراج وتفنيد الفرضيات الضمنية غير الظاهرة في تصور العلم للأرض، والوجود، والحياة، وتمنع تسربها لذهنك كمسلمات دون فحصها؟

8- هل تحرص على الموضوعية في التعامل مع الدلائل والفرضيات المتعلقة بتصور العلم للأرض، والوجود، والحياة، وعلى نفي الحقائق ذات الصلة أو تقبلها دون أي نوع من الانحياز المعرفي، بناء على انطباعات سابقة أم مشاعر؟

9- هل تعمل على استخراج أي مغالطات يمكن أن يتضمنها تفسير العلم للأرض، والوجود، والحياة وما قبلها، والتعرف على ما يترتب عليها من أفكار؟

10- هل تعمل على استكشاف التناقضات الممكنة، وعلى تحديد أوج التناقض فيما يطرحه التصور العلمي من إجابات للأسئلة العلمية الوجودية؟

إذا كنت تقوم بتلك المهارات والممارسات، فأنت تمارس التفكير الناقد حول الأطروحات العلمية التي نثيرها ضمن هذا المسار المعرفي، ويمكن أن تكون قد قمت بنقد الأطروحات واختبار صحتها.

ومثلًا لو حاولت أن تمارس تلك المهارات على أطروحة الانفجار الكوني الكبير حول نشأة الوجود، وسألت نفسك تلك الأسئلة، هل تجد أنك تلقيت وأسلمت للأطروحة، أم أنك نخّلتها وفندتها بناء على دلائل في متناول يديك، وناقشت مصادر المعلومات حولها، ودقة نقلها إليك، وفحصت مستوى الأدلة والبراهين التي تثبت تلك الأطروحة، وتأكدت من عدم وجود تناقضات أو فرضيات ضمنية، مثلًا حول فكرة القياسات الإشعاعية التي يتحدثون عنها كدلائل «كما سنعود إليه لاحقًا ضمن هذا المسار المعرفي».

في الحقيقة، إذا ما طبقنا هذه المهارات العامة للتفكير الناقد حول ما تطرحه المؤسسات العلمية العالمية المهيمنة على الساحة العلمية، فيما يتعلق بأصل الوجود والحياة ومشهد الكون، نجد أن كثيرًا من الناس يكتفون بتلقي تلك المعرفة كمسلمات، دون تمييز الحقائق، ودون التحقق من صحتها، ولا يناقشون مصادر المعلومات، ولا يتحققون من مصداقيتها، ولا من دقة نقل المعلومات، ولا من صحة البيانات والمعلومات المنشورة، ولا يختبرون الأدلة والبراهين، ولا يميزون مدى قوة البراهين من أجل تحديد مستوى الموقف، وهم أيضًا لا يفندون الفرضيات الخفية، وفي كثير من الأحيان تغيب الموضوعية في التعامل مع الدلائل والفرضيات تحت ضغط سلطان العلم الشائع، والهيمنة المعنوية لعلماء الطبيعة، وقد يرضخون لتقبل تلك المعرفة شعوريًّا – وإن تشككوا فيها- تجنبًا لتلقي الاتهام بالشذوذ عن التوجه العلمي العام الشائع.

ولا شك أن هذا النهج من التلقي العلمي دون النقد ودون التحقق يفتح الباب لتسرب المغالطات، وما يترتب عليها من أفكار مضللة، يمكن أن تحمل تناقضات، قد تصل في حالات منها إلى قبول الخزعبلات العلمية.

ومن الغريب في هذا الشأن أن التفكير الناقد يُستحضر جيدًا عندما يتعلق الأمر بالثقافة الخاصة بالشعوب، وبالدين على وجه الخصوص، إذ يعد علماءُ الطبيعة «الغربيون» أن الناس يجب أن تُخضِع ثقافاتها ودينها للتفكير الناقد دون حرج، بينما يقبلون – أو يريدون- تغييب ذلك التفكير الناقد عن تفسيراتهم للوجود والحياة، وكأن التفكير الناقد – عندهم- أداة لرفض الدين لا لتنخيل العلم من التفسيرات الخاطئة، ولا لصرفه عن طرح الأجوبة الوجودية التي لا يستطيع الإجابة عنها.

إذن، فإن العلماء مدعوون لممارسة التفكير الناقد في مخرجات العلوم من أجل فرزها وتنخيلها، وللتحقق من الحقائق العلمية، خصوصًا فيما يتعلق بأصل الكون، والحياة، والأرض، وقدرة الإنسان على الهبوط على سطح القمر، وفي القضايا العلمية الجوهرية، التي تحدد للإنسان موقفه العقائدي من الوجود.

وإذا لم يحدث ذلك، فإن التفكير الناقد يكون أشبه بربطة عنق يتزين بها العلماء دون ممارسة فعلية، ولا محاولة للخروج من الصندوق العلمي، وبدون ذلك فإن العلماء والأكاديميين يكونون أقرب للمقلّدين في المعارف منهم للمبدعين والفاحصين للمخرجات العلمية.

واستكمالًا لمسار التمهيد لممارسة التفكير الناقد في المسائل المطروحة في هذا المسار المعرفي، لا بد أيضًا أن نعالج مداخل الأخطاء في المنهج العلمي، في المقال اللاحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) مهارات التفكير، الفصل الثالث: التفكير الناقد والتفكير الإبداعي، بتاريخ 14/4/2012 نقلا عن جروان, فتحي عبد الرحمن.(2011), تعليم التفكير مفاهيم وتطبيقات, (ط5). عمان: دار الفكر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد