بغض النظر عن مضمون الإجابات التي يطرحها العلم للأسئلة المصيرية التي أثرناها ضمن هذا المسار المعرفي عن تركيب المادة وعن الكون والحياة والأرض… لا بد من معرفة تصنيف العلم نفسه لمستويات تلك الإجابات من حيث التصديق الممكن أو المطلوب علميا… وفي هذا المقال نتعامل مع السؤال الأساسي: هل تلك الإجابات العلمية هي حقائق أم يمكن أن نكتشف أنها تحتوي على الخزعبلات العلمية؟

يمكن أن يتبادر لذهن القارئ أن جواب السؤال عنوان المقال هو نعم، والحقيقة أن الجواب هو لا، بالفم الملآن… إذ إن مستويات التصديق بمخرجات البحث العلمي، يمكن أن تشمل اليقين، كما تشمل مجرد التصديق الذي لا ينفي إمكانية اكتشاف الخطأ بما نصدق به اليوم، وتشمل أيضًا الشك كما تشمل التكذيب أو الإنكار. وقد بيّنا في المقال السابق أن ثمة مجموعة كبيرة من مصادر الأخطاء، في التجربة والملاحظة العلمية وفي بناء النموذج العلمي، والتي يقبلها العلم ويتعايش معها.

وفي هذا السياق، يُنقل عن كارل بوبر في كتابه منطق الاكتشاف العلمي قوله: إن النظرة للعلم يجب أن لا تكون كجسم معرفي، بل كنظام من الفرضيات أو التكهّنات التي لا يمكن تبريرها مبدئيًا، ولكننا نستخدمها طالما أنها قابلة أو تصمد للاختبار، ولذلك لا يمكن تبرير دعوى الوصول إلى الحقيقة.

وعندما نتساءل حول مدى التصديق (أو الإيمان!) بأطروحة علمية، لا بد أن نفرق بين المصطلحات التي تستخدم في تصنيف المعارف العلمية: الحقيقة والقانون والنظرية، والنموذج والفرضية والافتراض، وقمت بتفصيل تلك المستويات في كتابي (مناهج البحث العلمي: عرض مهني من منظور حضاري)[i]:

أما الحقيقة فهي في مستوى اليقين الذي لا يتخلّف، وهو ما يحصل في ذهن الإنسان عندما تنطبق الفكرة المعقولة على الواقع المحسوس الذي تُعبّر عنه انطباقًا تامًا. وهي في العلم تفسير ثبتت صحته وغير قابل للجدل. ومن ثم فالحقيقة هي الأعلى في سلّم هذه المصطلحات من حيث درجة الوثوق بالمعلومة، ومستوى القناعة بها، وذلك مثل حقيقة انتقال الحرارة من الساخن للبارد، وتدفق المائع من منطقة الضغط العالي للمنخفض… وكما يُلاحَظ، فإن الحقائق مرتبطة بالإحساس المباشر للواقع الملموس القابل للاختبار البسيط، وتتعلق بوصف السلوك والآثار للمادة من حيث الوجود، لا بتفسير جوهرها وكُنهها.

وعلى النقيض من الحقيقة، يوجد في أدنى السلّم مصطلح الافتراض الخاطئ (assumption) الذي يستخدم في بناء النماذج العلمية ويُقبل فيها رغم عدم صحته، وذلك تسهيلًا للحلول أو لجعلها ممكنة رياضيًا، مثل اعتبار حبة رمل (عشوائية) أنها كروية الشكل، خلال دراسة أو نمذجة حركتها في الماء أو الهواء.

وتأتي الفرضية العلمية (hypothesis) فوق الافتراض الخاطئ مكانة، وهي مجرد اقتراح علمي مؤقت يَحزِره الباحث، كحل للمشكلة قبل أن يبحثها، أو هي جواب لسؤال علمي قبل أن يُتحقَق من صحته أو تُنفى عبر البحث، وبالتالي فإن الفرضية العلمية تكون مفتحة الأبواب على إثبات خطئها أو صحتها دون ترجيح… ومن المؤسف أن بحر العلوم المعاصر يموج بهذه الفرضيات المحزورة حزرًا، بينما يتعامل معها البسطاء (والعلماء المقلدون) على أنها حقائق!

ومن ثم يأتي النموذج العلمي الذي اختُبرت صحته ضمن مجال محدود، كأطروحة ذات انطباق محدود، مثل نموذج نيلز بور للذرة، والذي اعتبر الإلكترونات مجرد جسيمات تدور حول الذرة، ويفسر جزءًا من الواقع علميًا، بينما ثمة جانب آخر في السلوك الموجي للإلكترونات يناقضه. وبالتالي فالنموذج محدود القبول، ويحمل في طيّاته مناقضته.

أما النظرية فهي مجموعة من الفرضيات الصحيحة التي تفسّر واقعًا معينًا، مثل نظرية تركيب الذرة. وتُبنى النظرية بعد أن يتم الإثبات التجريبي لصحة فرضية علمية (كانت مؤقتة) أو مجموعة من الفرضيات، وحتى تصل للقبول، يجب أن تحظى بثقة في الأوساط العلمية.

والنظرية – من حيث القبول – فوق النموذج، وأوسع مجالًا وانطباقًا… ولكنها يجب أن تكون قابلة للدحض (falsifiable)، وتعني وجود ملاحظات أخرى لا تنطبق عليها النظرية، ويرى بعض فلاسفة العلوم أن الصدام بين النظريات والحقائق يفتح الباب للتقدم العلمي.

أما القانون العلمي فهو تعبير رياضي/كمي عن معرفة علمية معينة مثل قانون حفظ المادة أو الطاقة، ويعبر عنه في العادة بمعادلة رياضية تصف ظاهرة معينة، وهو أعلى درجة في القبول العلمي من النظرية… ولكن بعض القوانين يمكن أن تُخرق، أو أنها محدودة بحدود للانطباق ولصحتها، مثل قانون السلوك الزمبركي (قانون هوك)، فهو محدود ضمن حدّ المرونة للمواد، ومن بعدها لا ينطبق على سلوكها.

وصحة القانون لا تعني أنه قد تم إثباته فعلًا، بل يصح القانون في العلم إذا لم يتمكن أحد من إبطاله، مثل قانون حفظ الطاقة، فهو رغم رسوخه في العلوم، إلا أنه قانون لا يمكن إثباته! ولكن الوقائع العلمية لم تستطع إبطاله! وبالتالي فالقانون يمثل درجة عالية من الموثوقية العلمية، ولكنه مع ذلك لا يؤدي لليقين، ولا للقطع بصحة ما يتعلق به، وهو – في ذلك – دون الحقيقة.

وأغلب مخرجات العلم لا تتعدى سقف النظريات وما دونها من الفرضيات (غير المثبتة). أما القوانين الأساسية فهي معدودة على أصابع اليد. وأما الحقائق العلمية فهي نادرة في بحر العلوم. ولذلك فإن ما انتهى في أذهان كثير من الناس أن النظريات – المثبتة تجريبيًا – هي حقائق، هو تسليم خاطئ بما يحتمل البطلان، وهو ما يرفضه العلم نفسه. وفوق ذلك كله، يعتبر البعض أن الحقائق العلمية مؤقتة!

وبالتالي فإن كافة المخرجات العلمية من حيث القبول لا تتجاوز حد الظن بصحتها، هذا إن تضافرت أدلة كافية حول صحتها، وتبقى احتمالية كشف خطئها أو خطأ جزء منها مستقبلًا واردة، بل راجحه على احتمال بقاء صحتها:

وقد نشرت مجلة نيتشر (Nature) دراسة مسحية حديثة (أيار 2018) حول الأزمة في إمكانية إعادة إنتاج المعرفة العلمية التجريبية (reproducibility) ذكرتْ فيها أن 70% من المخرجات العلمية المنشورة لا يمكن لغير من أنتجها أن يعيد إنتاجها أو إجراء التحقق من صحتها! بل إن 50% منها يتعذر على من أنتجها نفسه إعادة إنتاجها تجريبيًا، وقد أرجعتْ أسباب ذلك إلى انتقائية الباحثين في اختيار البيانات التي تدعم ما يريدونه! [ii] وإن 2% من الباحثين اعترفوا بممارسة التزوير في النتائج العلمية وأن 14% من الباحثين أفادوا أنهم عرفوا مزيفين/مخادعين في نشر النتائج العلمية… وهذا كله رغم كل ما يتم الحديث حوله من ممارسة الأخلاقيات المهنية والأمانة العلمية! ولذلك فإن المخرجات العلمية تحتوي على كم هائل من المنشورات الزائفة حتى في المجلات العلمية المحكمة التي تمر الأبحاث فيها قبل نشرها على تحكيم الأقران (peer review)، كما استشهد صاحب كتاب (آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين).

وأمام حقيقة هذه المستويات المعرفية، ثمة أسئلة كبيرة لا تطرق أذهان العلماء والمفكرين: فأي يقين يمكن أن نتوصل إليه من خلال تلك المعرفة العلمية! وأي ثقة في قبول الرواية العلمية جملة وتفصيلًا! وكيف يجعلها بعض التائهين معيارًا لتصديق الدين أو تكذيبه وفي بناء أطروحات الإعجاز العلمي؟!

وهذا الشك بالمعرفة العلمية جليّة وحقيقيّة فيما يتعلق بالنظريات التي تتناول الوقائع التي تخضع للاختبار التجريبي المباشر، مثل التصور الذري للمادة المحسوسة وسلوكها الفيزيائي والكيميائي، فكيف بالأسئلة العلمية الوجودية التي تتعلق بوقائع مغيّبة عن الإنسان تمامًا، إما بفعل الزمان الماضي؟ أو لفقدان القدرة على الإحساس بها من مثل أصل الوجود وأصل الحياة مما لا يمكن أن تخضع للتجربة؟

وهنا بداية الكشف عن معضلة بشرية في بناء الفكر الإنساني العام! وهذا الفهم يجب أن يكشف الهالة والقداسة المدّعاة حول العلم، لعلّه يميط اللثام عن الخزعبلات العلمية، التي يمكن أن تكون قد سُطرت في مسيرة العلوم على أنها ثوابت!

والخلاصةُ أن النتائج العلمية الصالحة للاستخدام تحتمل الخطأ، وتتابع أحيانًا وهي تثبت خطأ ما سبقها. ومن ثم فإن الحقائق لا تقررّها النظريات العلمية، ولا يمكن أن تفسّر أصل الوجود تفسيرًا يقينيًا ليكون إيمانًا وتسليمًا في عقل الإنسان، ولا يمكن للعلم أن يزاحم الدين في بناء الفكر الأساسي للبشرية.

وفي المقال اللاحق نتفاعل مع أحد الأسئلة الجوهرية التي أثرناها في هذا المسار المعرفي وهو مدى التصديق بالتصور العلمي للتركيب الذري، كأول نموذج في رحلة الشك العلمي هذه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[i] ماهر الجعبري، مناهج البحث العلمي- عرض مهني من منظور حضاري. مكتبة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2012
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد