منذ سنوات، درست في الجامعة مادة “الإعجاز العلمي”، كثيرٌ من مقررات هذه المادة ومحاورها لم تكن محل قناعة عندي، وكان ذلك حافزا لي بأن أقرأ وأبحث حتى لا تكون أحكامي مبنية على السوانح والخواطر، فقرأت في الأمر بدءا بالتفسير العلمي والاختلاف فيه بين المتقدمين والمتأخرين وانتهاء بالإعجاز العلمي كما جاء عند المتأخرين ومعرفة الخلاف المقبول من المردود، ثم اطلعت على بعض الأبحاث العلمية المنشورة تحت عناوين “الإعجاز العلمي” محاولة تشكيل صورة ذهنية لهذا الموضوع، وقدر الله أن شاركت من أشهر في ندوة حول الإعجاز العلمي بالمغرب، وكانت بعض تلك الأفكار قد اقتربت من الاختمار، لكنها مع ذلك ما تزال محل بحث ونقاش، وهذا لا يمنع من مشاركة بعضها هنا من أجل ترشيد النقاش في مسألة الإعجاز العلمي.

 

وبعيدا عما ذكره د. زغلول النجار أو ما نُقل عنه وهو أهل الشأن المحترمين والبارزين المحفوظة مكانتهم العلمية، سأناقش المسألة في أطرها المنهجية الكبرى، لأن التفاصيل محلها دراسات مطولة.

 

تاريخ الفكرة:

إذا تتبعنا النضج الفعلي لطروحات “الإعجاز العلمي” سنجد أنها متأخرة، وهي تعبر عن صدمة معرفية مرتبطة باكتشاف الذات الإسلامية لتأخرها العلمي، فكان اللجوء بعد ذلك للإعجاز العلمي ضربا من إعادة هذه الثقة، فهو ردة فعل أكثر مما هو فعل مؤسس.
وقد بدأ الأمر عن طريق التجربة العلمية التي غدت حقيقة علمية ثم يبحث لها عن تأويل في القرآن، وتطور الأمر إلى استخراج الآيات الكونية ودراستها وتفسيرها ثم العمل على تجربة ذلك التفسير في المختبر العلمي من أجل الإثبات، ولا ريب أن هذا العمل يحتاج إلى تكاثف جهود علماء تأويل النصوص من أهل التفسير والأصول، وعلماء البحث العلمي بشتى التخصصات.

ويجدر الإلماع أن الحديث عن “الإعجاز العلمي” ليس خاصا بجمهرة المسلمين كما قد يُتوهم، لأننا نجد حتى المسيحيين يبحثون عن أدلة الإعجاز في كتابهم المقدس، ويستدلون على “إعجازهم” بأن عددا من العقاقير الطبية المذكورة في الكتاب المقدس، كان يتعالج بها بنو إسرائيل وأثبتت نجاعتها وفائدتها في البحث العلمي المعاصر…إلى غير ذلك مما هو مبثوث في مواقعهم، لكن صداهم ليس كبيرا بالمقارنة مع “الإعجاز العلمي” عند المسلمين، حيث رصدت له موارد مادية وبشرية مهمة، حتى صارت له مؤسسات ورؤية ورسالة وعلماء ومتخصصين.

الإعجاز العلمي بين العلمية والابتذال:

ما لبث الحقل البحثي “للإعجاز العلمي” أن تعرض لنوع من الابتذال الظاهر، لانتشار المنهج التلفيقي والإسقاطي، وعدم احترام الضوابط النظرية التي تم تقريرها ابتداءً، مما جعل مصداقيته محل تساؤل مشروع، وهذا التساؤل ينصب إما إلى الفكرة من حيث الأصل – أي فكرة الإعجاز العلمي- أو إلى نتائجها،
وهذه الضوابط كما قررها المنظرون للإعجاز هي:

1- ثبوت اكتشاف هذه الحقيقة من العلماء المتخصصين.

2- الدلالة الواضحة على تلك الحقيقة في نص من نصوص القرآن الكريم أو السنة المطلق دون تكلف أو تعسف في الاستدلال، والذي يعطي لهذا الاكتشاف قيمته هو عدم إمكانية إحاطة البشر بتلك الحقيقة وقت التنزيل. وهذا يفترض أن يكون النص المستدل به صحيحا من حيث ثبوتُه صريحا من حيث دلالته حتى تتحقق المطابقة بين دلالة النص والحقيقة الكونية.

لكن الواقع أن هذه الضوابط النظرية لم يتم احترامها في كثير من النتائج المنشورة باسم “الإعجاز العلمي”؛ نتيجة التكلف الظاهر في التأويل والتسرع في النتائج والخلط الغالب بين “التفسير العلمي” و”الإعجاز العلمي”، وإذا كان بعض أهل العلم انتقد “التفسير العلمي” – وهو غير الإعجاز العلمي – لأنه بالغ في التأويل المذموم، فإن إنكاره هنا من باب أولى، خصوصا حين يتحدث غير المتخصصين فتكون مثل هذه التخبطات المرفوضة.

الإعجاز العلمي بين إشكالية المفهوم وظنية النتائج:

لم يكن الإعجاز العلمي محل اتفاق بين أهل العلم المعتبرين في عصرنا، حيث نجد انتقادات واسعة لهذا الضرب، وهي انتقادات معتبرة ولها وجاهتها مما يؤكد أن فكرة “الإعجاز العلمي” من حيث الأصل، ليست قطعية لا تقبل النقاش والتداول، بل هي فكرة علمية فيها الصواب والخطأ، شأن سائر الأفكار البشرية، والأخذ بهذه الانتقادات من شأنه أن يطورها أكثر، ومن هذه الانتقادات مثلا:

 

أولا: أن القرآن لم يتحدَّنا بهذا الضرب من الإعجاز، فلم يصح إطلاق كلمة “الإعجاز” عليه لانتفاء قيد التحدي، وهو عنصر دلالي رئيس في مفهوم “الإعجاز” كما هو معلوم، فإذا كان القرآن تحدى العرب على أن يأتوا بمثل القرآن أو سورة أو آيات منه فعجزوا، صح إطلاق لفظ “الإعجاز” حينئذ، لكن لم يثبت بحال أن الله عز وجل تحداهم أن يأتوا بمثل هذه الاكتشافات، حيث إن كثيرا منها قد تُعرف من مختبرات غير المسلمين وبنظرياتهم التي قرروها هم لا نحن ابتداءً ثم نأتِ نحن لنبحث لها عن نص يوافقها، وهذا دليل على العجز العلمي لا الإعجاز.

ثانيا: أن كثيرا من هذه النتائج المذكورة تحت عنوان “الإعجاز العلمي” إنما هي ضرب من “التفسير العلمي”، وبينهما علاقة عموم وخصوص كما هو معلوم، فكل “إعجاز علمي” تفسير لا العكس، والتفسير العلمي أقدم تاريخا، وهو الآخر محل خلاف كبير، خصوصا أن بعض كتب التفسير العلمي كتفسير طنطاوي جوهري (ت:1940م) يحوي مبالغات لا يقبلها منطق علمي، ويردها حتى أهل الإعجاز، لما لذلك من أثر سلبي على تفسير القرآن من حيث الاستناد إلى نظريات علمية لم تصل درجة القطع.

ثالثا: وجود عدّة تفسيرات علمية لنفس الظاهرة الطبيعية نظرا لتغير العلم وإمكان دحض النظريات أو تطورها بتطور العلم نفسه، فلا يمكن القول بصحة إحداها طيلة الزمن، لكن قد يعارض هذا بأن ما يستدل به “الحقيقة العلمية القطعية” لا “النظرية العلمية”، ومع ذلك يظل هذا الأمر محل خلاف معتبر؛ يقول الأستاذ طه جابر العلواني: “إن هذا الثبات في تلك العلوم هو ثبات دائم؟! فكثيرًا ما يقرر العلم ثبات نظرية ثم يغيّرها بعد 100 عام، الآن جدل فرنسا وأمريكا هو الاحتباس الحراري في الأرض اختلاف عريض بين مدرستين.

من الذي يستطيع أن يقدم الدليل على أن النظرية لن تتغير أو لا تنطبق عليها الاحتمالية؟ هل هناك متابعة حقيقية من إخواننا؟ أنصحكم أن تنسحبوا إلى الاستئناس وليس التأكيد”.

فتنزيه القرآن عن المطاعن نتيجة الخطأ في التأويل، أحد أسباب الرفض المعتبر للإعجاز العلمي، خصوصا أن “القطع” العلمي تعتريه عوامل “التغير” باعتبار النضج العلمي والتطور الزمني، فما كان قطعيا في مرحلة ما قد لا يكون قطعيا في المرحلة التي تلحقها، وما ثبت يقينيا بنظرية علمية قد لا يكون يقينيا وفق نظرية علمية أخرى، فماهية “القطع العلمي” هنا “متغيرة” في العمق لا ثابتة، وإذا تتبعنا بعض انتقادات غير المسلمين للقرآن لوجدناهم يعتمدون على بعض أبحاث الإعجاز العلمي لينتقدوا ألوهية القرآن، فلننظر كيف انقلب الأمر إلى ضده.

فهذه بعضُ بعضِ الانتقادات الموجهة للإعجاز العلمي، ولن أدخل هنا في الانتقادات الأخرى التي ارتكزت على عربية القرآن وبلاغته وكذا الفهم الجمهوري لدلالاته، واستندت إلى غايات القرآن ومقاصده، فهي من الانتقادات المعلومة لكني لا أراها بالقوية في هذا الصدد.

لكن، مع ذلك أحب أن أشيد بالجهود الكبيرة للمتخصصين في هذا الشأن كالدكتور زغلول النجار، لأنه وإن اختلفنا معه في مسمى “الإعجاز العلمي” وكذا وظيفيته، فإنه على الأقل يندرج ضمن “التفسير العلمي”، وهو ضرب تفسيري معتبر، ويحتمل الصواب والخطأ شأن بقية أنواع التفسيرات اللغوية والفقهية وغيرها، وهو أهل لأن يتحدث فيه بعلم ومعرفة.
وخلاصة “المقال” في هذا “المقام/المقال” التأكيد بأن القرآن كتاب إلهي دعا للعلم تحقيقا لمقتضيات العمران والاستخلاف في الأرض، أما توجيه النظر العلمي صوب “الإعجاز العلمي” مع عجز في تحقيق “التقدم العلمي”، فهو يعكس تخلفنا لا استخلافنا، والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد