إن هذا الدين له جناحان: جناح الروحانية وجناح العقلانية، فلا يمكن إغفال جانب منهما، وإلا حدث الخلل ووقع الخطأ.

قد أتت عليّ فترة ليست هي بالبعيدة، كنت أسمع فيها كلامًا تفوّه به قوم ادّعوا العِلم والفهم، فأثاروا في ميدان الثقافة مصطلحًا برّاقًا يخدع السامع والقارئ، لكن يخفت صوت هؤلاء بمرور الوقت، لرُخص بضاعتهم وكسادها، وفقدان قيمتها في ميدان البحث العلمي.

أظن أننا سمعنا كثيرًا عن «الإعجاز العلمي في القرآن» فإن من أثار هذا المصطلح ظن بهذا أنه يخدم الدين، فلقد أساء للإسلام، فالعاطفة الدينية لن تكون يومًا سلاحًا لنا ندفع به الشبهات، وقد تلقاه البعض بعاطفتهم الدينية فرحين بما سمعوه.

 

أنا لا أُنكر «الإعجاز» في القرآن، لكني أنكر وأكره الجهل، وأكره تُجّار العلم والدين الذين تسببوا في هجمة شرسة على الإسلام وهو منها بريء.

وقبل أن نخوض في موضوع «الإعجاز في القرآن»، علينا أن نعلم أولًا أن القرآن: «كتاب علامات وليس كتاب علوم»، كتاب إشارات لأولي العقول والأبصار، إشارات تُثبت لنا أن هذا الكتاب من عند الحق تبارك وتعالى، وعلينا أيضًا أن نسير على قاعدة هي الأساس في البحث العلمى وهي: «إياك وأن تستشهد بآية قرآنية لتأييد نظرية ما».

دعونا نتفق على أن الإعجاز موجود، لكن هؤلاء الذين حصروه في الإعجاز العلمي حمّلوا الآيات فوق طاقتها، ليثبتوا ما أرادوا لا ما أراد الله، وفوق كل هذا اتصفوا بالجمود في بعض الأحيان عند التعامل مع بعض المسائل العلمية والتوفيق بينها وبين نصوص الدين.

 

وإن المتدبر للقرآن والسنة يجد أن هناك أنواعًا أخرى من الإعجاز تُغنينا عن هذا النوع  – لا أقول دائمًا، بل مؤقتًا – مما سيجعلنا نفصل العلم عن الدين في فترة نحن لا نملك العلم الذي يؤهلنا للحديث عن هذا النوع من الإعجاز.

نعم .. نحن لا نملك العلم الذي نبني عليه استنتاجاتنا في مسألة «الإعجاز العلمي»، وإن الذين تكلموا في هذا الأمر ليسوا من أهل التخصص في العلوم الطبيعية والتجريبية، لذلك سَخِرَ منهم الكثير، والبعض الآخر قبل النظريات العلمية وحاول التوفيق بينها وبين نصوص الدين، لكنهم فعلوا هذا بتحميل النصوص معانٍ أظنها غير صحيحة، وإن كنت مؤيدًا للتأويل في هذا الأمر لئلا نتصف بالجمود.

فلماذا نُقحم أنفسنا في حرب خاسرة؟!

ولماذا نُصر على الظهور بالجمود والغباء؟!

إننا نملك كنزًا ثمينًا في ديننا، فانظر إلى نوع من أنواع الإعجاز يُسمى بـ«الإعجاز الغيبي» ، وكلنا نعرف قصة «سراقة بن مالك» مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول له: « كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى» أمر تعجب منه سراقة بن مالك، لكنه وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وقد تحقق ذلك، فيعتنق سراقة الإسلام، وتدور الأيام ويأتي عهد سيدنا عمر بن الخطاب وتُفتح بلاد فارس، فتأتي الغنائم، ويقف سيدنا عمر فيقول: أين سراقة بن مالك، فيأتي إليه وسيدنا عمر يقول له: خذ يا سراقة قسمة موعودة وعدك بها النبي صلى الله عليه وسلم.

ألم نسمع ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لعُدي بن حاتم؛ أسلم تسلم، فإني قد أظن -أو قد أرى-  أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما يمنعك أن تسلم خصاصة (حاجة وفقر) تراها من حولي، وتوشك الظعينة (المرأة على البعير في الهودج) أن ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز، وليفيضن المال -أو ليفيض- حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة.                  

قال عدي بن حاتم : فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت ، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن على كنوز كسرى بن هرمز، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة «إنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي».

وحسبنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، ويتحقق وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي سيدنا أويس.

ونملك المعجزة الكبرى «القرآن» وإعجازه البياني اللغوي، وأظن أن هذا يكفي للاعتزاز بهذا الدين، وهو إثبات كافٍ أن الدين عند الله الإسلام، وأن القرآن كتاب الله عز وجل نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم.

الأدلة كثيرة، والأمثلة موجودة، لكننا نغض الطرف عنها.. لماذا؟ لا أعرف، علينا أن نترك الجدال والنقاش الذي لا فائدة منه.

علينا أن نبني عقولًا للمستقبل، لتستطيع هذه العقول أن تخوض فى هذا البحر، في مستقبل مشرق بإذن الله يزدهر فيه العلم والعلماء، لأن مناهجنا الآن تصنع عقولًا «هشّة»، مهووسة بالتقدم والعِزّة، وكأن هذه المناهج خَمر قد أسكرت تلك العقول، فلم يُدركوا حقيقة الأمر، وما خفي كان أعظم من عقليات بعض من يتولون تعليم هذه العقول.

علينا أن نُغلق باب «الإعجاز العلمي في القرآن» ، فإن من خاض في هذا الموضوع حقيقة سيدرك تمامًا أن من تكلم فيه لا يملك أدلة يقينية، بل هي كلها أوهام وضرب من الجهل.

 

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله

والله أعلم..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد