الاستبداد الذي تعيشه الأمة العربية في معظمها منذ دهرٍ، جعل شُعوبها تستثمر كل تركيزها في السّياسية، سواء عبر الانصياع لواقعها، والاكتفاء بالبحث عن الاستقرار في ظلّه، أو من خلال نقدٍ موسميٍّ يؤسّس لمطالبِ التّغيير. ومع أن الإصلاح السياسي هو المدخل لبناء أي نهضة حقيقية، فإنه يظل ممكنا متى توفرت الظروف له وأصبحت النفوس غير قادرة على الاستمرار دونه. والتّغيير هنا قادر بمجرّد صياغته عن القفز المباشر ببلدٍ من ماض استبدادي إلى حاضر ديمقراطي، لكن المصيبة الحقيقية التي نعيشها هي اتّساع الهوة العلمية والمعرفية التي باتت تفصلنا عن العالم المتقدم، فلم يعرف تاريخ تنافس الحضارات يوما هوة شاسعة في الفروقات العلمية بالشكل الذي يجسده واقع اليوم. والمسافة هذه لا تتطلب مجرد الإرادة لتجاوزها، بل تستوجب جهدًا حقيقيًا لا يمكن حتّى الجزم بأنه سيقرّب المسافات.

في عالم العرب، لا يحظى البحث العلمي بأي قيمة تذكر. ويكفي تأمل حجم الميزانيات المخصصة له لنعرف أن الإرادة السياسية غائبة في صنع حضارة حقيقية، والاختيار هذا يحكم على عجلة الاقتصاد المنتج، وخصوصا الصناعي منه بالجمود، وعلى البلاد معه بالمكوث في قاعة الانتظار التنموية لزمن بعيد. فأمريكا التي تتسيّد العالم اليوم بالقوة، لا تملك تاريخا حضاريا بالحجم الذي تملكه الدول الأوروبية، ولا شعبا أذكى من غيره، بل بنت قوتها هذه بتوفير بيئة خصبة لتطوير البحث العلمي. فتحت أبوابها للعلماء المهاجرين، ووفرت لهم كل الظروف المادية والمعنوية لتحويل أفكارهم لمنتجات تغزو العالم وترمم قوتها بشكل مستمر، بل إن بعض الصراعات التي تشهدها الساحة الدولية يخفي شقًا علميًا أساسيا بين طياته. فإن كان الهدف المعلن من رفض حيازة بلدان جديدة للسلاح النووي هو حماية البشرية من حروب مدمرة جديدة، أو وفق آخرين ضمان بقاء الريادة العسكرية في يد قوى بعينها، فإن السلاح النووي في حد ذاته ليس التهديد المُحَارَبَ، ولكن بلوغ مستوى تصنيعه يعني ضمنيًا تطويرًا للعلوم قادرًا على بناء مدخل تقدم حقيقي، وهذا بالضبط ما تخشاه الدّول المنتجة للمعرفة العلميّة.

ما يبني قيمة الشعوب هو قدرتها على الإنتاج. وهذه القدرة هي بالقطع صناعية وتكنولوجية أولا وفق مفاهيم العصر الذي نعيشه. وفي الوقت الذي تراهن فيه الدول على الاستثمار في اقتصاد المعرفة، يطالُ تعليمَنا مخطّطٌ تدميري حقيقي، بدايته الخوصصة الممنهجة لقطاع التعليم وتعويضه بمشاريع خاصّة منها أجنبية تشترك مع الوطنيّة في انحصار استثماراتها في عرض تكوينٍ ربحيٍّ يُهمل إنتاج المعرفة، وصُلبُه حَصرُ القيمة الإنتاجية لأساتذة الجامعات في مهامهم التدريسية، ومآله تكريس وضع الفراغ الذي يجعل من مؤسسات التعليم العالي مجرد مصانع للإنتاج أشباه جاهلين بشهادات. وبالنظر للارتباط العميق بين مضمون التكوين وسوق الشغل، فالسياسية التعليمية تتموقع تلقائيًا كمحددٍ لشكل هذا السوق وجودته، وبالتالي طبيعة الأنشطة الاقتصادية للبلدان برمتها.

ما يميّز الواقع العلمي في عصر الثورة المعلوماتية، هو دمقرطة الوصول للأساسيات، بحيث يمكن للباحثين المثابرين بمجهود خاص، الخروج من حدود المكان للاستفادة من عولمة المعرفة. فالأفكار تظل أساس البحث العلمي وتجعل منه ملتقى للجميع بغض النّظر عن واقعهم. والمنطلق هذا يجعل مسؤولية النخب العربية في الانشغال بالإنتاج الحقيقي واجبا يؤسّس لمشاريع نهضة حقيقية تنتظر الشعلة السياسية الحتمية فقط لاكتمال بنائها. وللأسف فمواهبنا المعرفيّة تنقسم جلّها بين من اختار تغيير المكان بحثا عن إمكانيات النجاح الأكيد، وبين من كرّس جهوده في صراعات البحث عن مواقعِ المسؤوليات في إهمالٍ لمعايير الكفاءة التي يُشكلّ الإنتاج العلمي عَصبها.

بلداننا العربية بالقطع تحتاج إصلاحًا سياسيًا جذريًا، ولكن جمود البحث العلمي ورداءة التعليم العمومي، تجعلان هذا التغيير – وإن أتى – غير قادر على تحقيق نهضة حقيقي بشكل سريع، فالهوة العلمية بين الدول لا تنتظر أحدًا، بل إن سلامة السياسة ليست سوى وسيلة لمحاولة بناء التّرقيّ المعرفي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد